من استراتيجية الأمن الأمريكي الجديدة إلى عملية عفرين

د.صلاح أبونار –

على امتداد ديسمبر 2017 ويناير 2018، توالت اجتماعات المفاوضات الدولية حول الأزمة السورية، من جنيف الى آستانا الى سوشي، لكنها لم تسفر عن أي تقدم حقيقي في مسار الحل. ذلك ان الإرادات الدولية التي نجحت في الإمساك بأعنة الأزمة، كانت تمارس حضورها الحقيقي في أرض الأزمة وساحة صراعاتها. تاركة قاعات المفاوضات لوفود سورية، أصبح من المستحيل أن تجد مساحة توافق بينها، تمكنها من استعادة زمام الأزمة.
لم تسفر جولتا جنيف، التي لم يفصل بين دورتيها السابعة في ديسمبر 2017 والثامنة في يناير 2018 أكثر من شهر، عن تقدم يذكر. وشهد العام المنصرم أربع جولات سابقة لجنيف، من جنيف الرابعة في فبراير الى السادسة في مايو، انتهت نفس نهاية. وتلك نتيجة طبيعية، ليس فقط لقوة ونمط الاستقطاب الدولي والإقليمي للأزمة، بل أيضا للوضع الذي انتهت إليه القوى السياسية السورية. انهاك شديد حل بها بعد سنوات من حرب أهلية ضارية طال قدرتها على الفعل وأطرها التنظيمية، وتآكل حتمي في قواعدها الاجتماعية مع الهجرة الواسعة طال قدرتها على تعويض خسائرها، وتدفقات سياسية خارجية إسلامية جهادية كثيفة طالت قدرتها التحكم في مجالها السياسي.
ولا يمكننا عزل مفاوضات آستانا من أولها في يناير2017 الى ثامنها في ديسمبر عن ذات الإطار التحليلي، فهي في جوهرها ليست مفاوضات سياسية سورية، بل مفاوضات إيرانية – تركية – روسية تسعى لترتيبات عسكرية مخفضة للتوتر. ونجحت في ذلك، ولكن في إطار اقتسام لمناطق نفوذ تسيطر عليها فرق سياسية عسكرية حليفة، مع بقاء نفس مقدمات الأزمة وعواملها المفجرة. أما اجتماع سوشي في 29 -30 يناير الذي نظمته روسيا بعنوان «مؤتمر الحوار الوطني السوري»، فليس سوى محاولة لسحب البساط من تحت اقدام إطار جنيف. محاولة لخلق قوة دفع بديلة، قادرة حال نجاحها على إطلاق شروط ومقدمات مختلفة عن شروط ومقدمات جنيف، التي طرحتها الأمم المتحدة. لهذا خرج الاجتماع في صورة مظاهرة حاشدة ، حضرها ما يقرب من 1600مندوب سوري، دون أن تضم أي عضو من الجماعات السورية المشاركة في جولات جنيـف. لم تقرر هذه المنظمات التي يصل عددها الى 120منظمة المقاطعة فقط، بل أرسلت أيضا خطابا جماعيا الى دي ميستورا تطالبه بعدم الحضور. لكنه ذهب بمنطق ضرورة المتابعة، وفي المقابل لم تذهب دول محورية في التحالف الدولي مثل فرنسا وبريطانيا.
خلف هذا الفشل سنجد تأثير التناقضات العميقة التي تتخلل علاقات قوة الدفع الدولية – الإقليمية القابضة الآن على أعنة الأزمة. لم تسمح تناقضات تلك القوى، سوى بالاتفاق على حد أدنى يلبي مصالحها جميعا، نجدة في توافقين. أولهما: تهدئة عسكرية تسمح بوقف تدفق الهجرة السورية الخارجية، وتمكن من إعادة اللاجئين الى بلادهم، وتقضي على البيئة المرحبة بتدفق الجماعات السلفية الجهادية من الخارج واندماجها في القتال والتنظيمات الإرهابية، ثم انطلاقها صوب الغرب. وثانيهما: استئصال شأفة تنظيم داعش الذي وجد في تحلل الدولتين العراقية والسورية، مجالا للتجذر واكتساب الخبرات واحتلال الأقاليم وإقامة دولة، ثم أخذ في بث رسائله الأيديولوجية العنيفة وإطلاق هجماته في أوروبا.
أما ما يتعلق بمستقبل السلطة السورية، وعمليات الانتقال السياسي وصيغها المنظمة وأطرها الدستورية والإجرائية، فظل موضعا لخلافات عميقة. وكانت حصيلة هذا النمط من التوافق، هو الاتفاق على تهدئة الأزمة عسكريا، ولكن مع تجميدها سياسيا . الأمر الذي كان يعني عمليا تمكين السلطة السورية، من إعادة بناء قوتها واستعادة السيطرة على أقاليمها، ولكن ليس كل قوتها وأقاليمها. واستعادة السوريين لمساحة من حياتهم الطبيعية، ولكن ليست كل حياتهم الطبيعية، ودونما إمكانية حقيقية لعودة المهاجرين وانطلاق التعمير وإعادة البناء، والأخطر بقاء العوامل المفجرة للمأساة السورية دون معالجة جذرية قادرة على إطلاق مصالحة وطنية حقيقية.
ومن قلب نفس التوافق الدولي بحدوده وتناقضاته، تشكلت تطورات الأزمة الحقيقية على امتداد نفس الفترة.
جاء التطور الأول من الجانب الأمريكي وتمثل في أمرين. في 13 يناير أعلنت مصادر رسمية تكوين قوة لأمن الحدود، في الجزء الشمالي الغربي الذي يسيطر عليه حزب الاتحاد الديموقراطي السوري الكردي، وجناحه العسكري: قوات حماية الشعب. قوة تتكون من30000 جندي، تتولى كما قيل رسميا حماية حدود المنطقة، على امتداد وادي الفرات شرقا والحدود التركية والإيرانية شمالا، وتقوم القوات الأمريكية ومعها القوات الكردية بتدريبها وتسليحها. ولن نجد أهمية القرار في إضافته العسكرية لقوة الفصيل الكردي. فالعدد ليس ضخما، والأكراد لديهم وفرة من الجنود، ولو أرادوا المزيد ليسوا في حاجة لضوء اخضر أمريكي، وهم يحصلون منها بالفعل على الدعم والتدريب. وسنجد أهمية القرار أساسا في منحه الشرعية لتكوين قوة حدود، تابعة للكيان الكردي الساعي الى تحويل سيطرته الى نوع من الحكم الذاتي. وكان قد قام في هذا السياق وعبر إشارة واضحة الدلالة، بإطلاق انتخابات بلدية في نفس يوم افتتاح دورة جنيف السابعة، كخطوة في مخطط سينتهي بانتخابات نيابية للمنطقة.
وجاءت الخطوة الثانية في 17 يناير الماضي بإعلان وزير الخارجية الأمريكية ريكس تليرسون لسياسة أمريكية سورية جديدة، أمام معهد هوفر بجامعه ستانفورد. وجاء الإعلان في سياق واضح الدلالة، ففي 17 ديسمبر أعلنت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، وفي 18 يناير أعلن جيمس ماتيس وزير الدفاع أمام مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعه جونز هوبكنز الخطوط العامة لاستراتيجية الدفاع الوطني الجديدة، الأمر الذي يعني أن ما أعلنه تليرسون هو تفصيل لما طرحته الاستراتيجيتان. ما الذي تقوله سياسة أمريكا السورية الجديدة ؟ تطرح أنها لن تكرر خطأ ما تعتبره خطأ أمريكا في العراق، عندما سحبت قواتها قبل الأوان فأفسحت المجال أمام نمو التنظيمات الإرهابية. وبالتالي ستحافظ على وجودها العسكري في سوريا، ضمانا لتحقق ثلاثة أهداف. قطع الطريق أمام عودة التنظيمات الإرهابية، ومحاصرة النفوذ الإيراني في سوريا، وتأمين انتقال سياسي يقود لتأسيس سلطة نخبة حاكمة جديدة في إطار نظام جديد. مشددة على أنها لن تساهم في عمليات الإعمار للمناطق الخاضعة للسلطة السورية، ولن تشجع أي أطراف دولية على المشاركة فيها. وإذا أردنا فهم الدلالة الكاملة لما سبق، علينا الرجوع لقائمة الأعداء التي حددتها استراتيجية الأمن الأمريكية . فعلى قمتها سنجد روسيا، كخطر مباشر على المدى الراهن والمنظور، تليها كوريا ثم إيران. وعلى قمتها أيضا سنجد الصين، كعدو أكثر خطورة من روسيا ولكن على المدى المتوسط والبعيد.
انطلق التطور الثاني من تركيا بإطلاقها لعملية عفرين العسكرية في 20 يناير. تطرح التحليلات المنشورة تفسيرين للتدخل العسكري التركي.
تفسير أول متوافق عليه يضع القرار في سياق السياسة التركية تجاه المسألة الكردية. على مدى عقود من الصراع الضاري، رفضت تركيا تماما أي دعاوى للأكراد الأتراك تنتهج مسارات للحكم الذاتي. ورغم التقدم الحقيقي في إدماج الأكراد في المشاركة السياسية في تركيا ، لايزال قطاع واسع منهم رافضا لهذا المسار الإدماجي. ومن شأن هذا ان يخلق حساسية تركية عالية، تجاه أي كيان كردي على درجة من الاستقلال الذاتي يقع على حدودها الجنوبية. وتضاعفت تلك الحساسية بفعل أمرين. رؤية تركيا لحزب الاتحاد الديمقراطي، كامتداد لحزب العمال الكردستاني التركي. وتصورها لوجود خطط ضمنية تسعى للربط بين مناطق السيطرة الكردية في شمال شرق سوريا، والجيوب الكردية الأخرى على حدودها السورية الجنوبية، سعيا نحو خلق ممر متصل يصل الى البحر المتوسط.
وتفسير ثاني لا يرفض التفسير الأول، لكنه يضيف إليه وجود صفقة تركية – روسية. وفقا لهذا التفسير، الذي طرحه « مهند حاج على» في مقالة على موقع كارنيجي، سمحت روسيا لتركيا باجتياح عفرين مقابل تهاون تركيا مع المقاتلين السوريين في سعيهم للسيطرة على مدينة « ابو الدهور» وقاعدتها الجوية الاستراتيجية مما سيفتح المجال أمام السيطرة على أدلب، علاوة على سيطرتهم على الجانب الشرقي من خط حديد الحجاز القديم الذي سيمكنهم من السيطرة على الطريق السريع الرابط بين جنوب حلب ودمشق، وسيمنحهم هذا ميزة في المعارك القادمة مع هيئة تحرير الشام وحلفائها في أدلب. وهو نفس ما يراه مايكل يونج في تحليل آخر لكارنيجي، لكنه يضيف وجود سوابق لهذه المساومة، ففي 2016 سلمت روسيا جرابلس غرب الفرات لأردوغان مقابل شرق حلب.
ما هو الموقف الأمريكي من عمليه عفرين؟ تبدو كأنها وقعت بين مطرقة الحليف التركي الكبير وسندان الحليف الكردي الصغير، وان الحل المنطقي هو التضحية بالحليف الصغير. غير ان المشكلة ان الحليف الصغير، يكاد ان يكون حليف أمريكا المحلي الوحيد الموثوق في قوته وانضباطه وولائه، القادر على منحها قوة عسكرية برية مباشرة في أي مواجهات قادمة داخل الساحة السورية.
لكنها أيضا لا تستطيع ان تتجاهل مخاوف حليفها التركي المشروعة، أوالتضحية بشبكة العلاقات الاستراتيجية الكثيفة الرابطة بينهما. وهو ما يطرح ضرورة المساومة. مساومة يكسب الأكراد السوريون في ظلها شكلا من الاستقلال الذاتي ، وتضمن للأتراك القدرة على تحجيم هذا الشكل بما يجعله تأثيره على الأكراد الأتراك محدودا، وبالتالي تحافظ واشنطن على حليفيها الكردي والتركي. سياق تجريبي بطبيعته، وصعب التحقيق، ولا يضمن احد نجاحه، وفي كل الأحوال سينتقص من القدرة السورية على الخروج من الأزمة.