خلط جديد للأوراق .. وتوصيات مهمة بلا آليات تنفيذ!

عماد عريان –

,, لاشك في أن الأزمة السورية قد تعرضت لخلط شديد في الأوراق والمواقف خلال الأسابيع القليلة الماضية، ليس فقط نتيجة تعدد منصات الحوار ما بين سوتشي وجنيف وغيرهما من مدن وعواصم عالمية، ولكن أيضا نتيجة العملية العسكرية التركية في عفرين بشمال سوريا والتي أوجدت تركيبة معقدة من المصالح المتداخلة وربما المتعارضة,,

حقيقة الأمر أنه لم يكن متوقعا من مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي الخروج بحلول غير تقليدية للمأساة السورية، ولم يعتبره الكثيرون إلا محاولة لحلحلة الأمور وتقريب المواقف، وقد خرج المؤتمر بالفعل ببعض المبادئ والتوصيات السياسية الجيدة والمهمة التي تصب جميعها في خانة التسوية السياسية النهائية المنشودة، ولكن غياب آليات التنفيذ تجعل من الصعوبة بمكان الحديث عن نهاية قريبة للأزمة، وقد اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مؤتمر الحوار الوطني السوري في«سوتشي» ناجحا كخطوة الأولى نحو التسوية، وأن النقطة الأهم تكمن في التمسك الصارم بالمبدأ الأساسي للقرار2254 لمجلس الأمن الدولي، والذي ينص على أن السوريين أنفسهم فقط هم من سيقررون مصير بلادهم، مشيرا إلى أن ما سعى إليه هذا المؤتمر هو تهيئة ظروف ملائمة من أجل ذلك، مشيدا بهذه الخطوة الأولى وأهميتها بشكل عام، وأوضح أن اتخاذ قرار في سوتشي بتشكيل لجنة دستورية ستضم مندوبين جرى اختيارهم في المؤتمر وستشمل أيضا ممثلين عن المجموعات التي غابت عن المؤتمر نظرا لأسباب مختلفة، لافتا إلى أن اللجنة الدستورية المشكلة ستعمل في إطار عملية جنيف، وأشار إلى أن تشكيل اللجنة الدستورية سيحال إلى الأمم المتحدة بالتوافق مع قرار 2254، وأن تنظيم عمل هذه الهيئة الجديدة التي ستقوم بإعداد الدستور السوري سيجري في جنيف.
المشاركون في مؤتمر الحوار السوري في سوتشي اتفقوا بالفعل على تأليف لجنة دستورية من الحكومة والمعارضة بغرض صياغة إصلاح دستوري، بحسب البيان الختامي وهو ما استقطب أيضا إشادة من المبعوث الدولي دي ميستورا الذي أكد إمكانية الاستفادة بتلك التوصيات على منصة جنيف. جدير بالذكر أن الخارجية الروسية حاولت تنظيم مفاوضات سابقة بين النظام والمعارضة في سوتشي في نوفمبر الماضي، لكنها لم تفلح بسبب رفض المعارضة آنذاك، والآن، وبينما أعلن الكرملين أن مقاطعة بعض فصائل المعارضة والأكراد وواشنطن وباريس لمؤتمر سوتشي لن تؤثر على أهميته، قلل الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في المقابل، من فرص نجاح المؤتمر في تحقيق اختراق كبير في المسار السياسي لحل الأزمة السورية، حيث قال:إن الجميع يدركون عدم حدوث تقدم فوري في التسوية السياسية من المؤتمر.
ولم يكن الطريق أمام المؤتمر سلسا أو ممهدا حيث شهد انطلاقة متعثرة ومتوترة بعد رفض ممثلين عن فصائل معارضة ناشطة في الشمال مغادرة المطار لدى وصولهم قائلين إنهم شعروا بالإهانة لوجود العلم السوري، وشعار الحكومة السورية، بينما تواترت الأنباء عن وجود خلافات بين موسكو وأنقرة والمبعوث الدولي دي ميستورا ، وصرح مصدر بوزارة الخارجية التركية بأن المعارضة رفضت المشاركة في المؤتمر على أن يمثلها الوفد التركي خلال المحادثات، وتسبب وجود العلم السوري و«غصن الزيتون» في رفض مجموعة من المشاركين المعارضين للرئيس السوري بشار الأسد جاءت جوا من تركيا مغادرة مطار سوتشي واشترطت المجموعة إزالة العلم وشعار الحكومة، ووضع علم المعارضة ذي النجوم الحمراء، وفور وصولهم إلى المطار عبر ممثلو فصائل مقاتلة ناشطة بغالبيتها في الشمال السوري وبينها الفرقة ١٣ المدعومة أمريكيا، عن رفضهم لشعار المؤتمر الذي يحمل صورة العلم السوري بنجمتين خضراوين!
وأجرى وزير الخارجية الروسية سيرجى لافروف اتصالات هاتفية مع نظيره التركي مولود تشاوش أوغلو لحل المشكلة، كما أعلنت الإدارة الذاتية الكردية عدم المشاركة في المحادثات، متهمة روسيا وتركيا بـ «الاتفاق» على الهجوم على عفرين، المنطقة الكردية في شمال سوريا التي تتعرض لعملية عسكرية تركية واسعة منذ حوالي أسبوعين ، ومن جانبها، ذكرت تقارير إخبارية أن بعض المشاركين في المؤتمر قاطعوا كلمة وزير الخارجية الروسي لافروف بالصياح متهمين موسكو بقتل مدنيين في ضربات جوية بسوريا، وحدثت المقاطعة أثناء بث وقائع المؤتمر على الهواء مباشرة في التلفزيون الروسي حيث اقترب حارسا أمن من رجل من الحضور وأشارا له بالجلوس والتزام الصمت، وقالت تقارير إن مشاركين آخرين في المؤتمر المنعقد في سوتشي وقفوا في الوقت ذاته ورددوا صيحات معربين عن دعمهم لروسيا .
وطلب لافروف من الوفود السماح له بإنهاء كلمته قائلا: إنهم ستتاح لهم فرصة الكلام لاحقا وقال لافروف خلال كلمته التي تلا فيها خطاب الرئيس فلاديمير بوتين دعا خلالها الأخير السوريين على الاتحاد وصياغة رؤية مشتركة لمستقبلهم، من أجل التغلب على الأزمة التي تمر بها بلادهم. وأضاف : «الظروف مهيأة لإغلاق صفحة مأساوية في التاريخ السوري، والسوريون وحدهم هم من يمكنهم تحديد مستقبل بلدهم»، وأشار لافروف إلى مشاركة ممثلين عن مختلف الجماعات العرقية والاجتماعية والسياسية في المؤتمر، وقدم الشكر لتركيا وإيران والأمم المتحدة على دعمهم لمحادثات السلام ، وقبل أن تحدث الخلافات حول مشاركة بعض فصائل المعارضة لم يتطرق البيان الختامي إلى مصير الرئيس السوري بشار الأسد، ويؤكد أن الشعب وحده يقرر مستقبله من خلال الانتخابات، ويعكس هذا الموقف بشكل عام موقف الحكومة السورية.
وفي السياق ذاته وبرغم ما تنطوي عليه من توترات ونذر تصعيد واحتمالات بإشعال مواجهة أمريكية تركية في الشمال السوري، لم تخل عملية «غصن الزيتون» التي تشنها تركيا منذ العشرين من الشهر الماضي ضد المقاتلين الأكراد في عفرين، من إشارات لتفاهمات تركية خفية مع نظام الأسد، برعاية روسية إيرانية، لتخفيف أعباء وتداعيات تلك العملية العسكرية على الجانب التركي وباقي الأطراف المنخرطة في الشأن السوري، بما يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى إعادة تعويم نظام الأسد، فهناك حديث عن صفقة تبرم بين أنقرة وموسكو ودمشق ، ترمي إلى أن تسلم تركيا إدلب وعفرين للأسد حتى يستعيد الأخير سيطرته على الشمال السوري مقابل إعادة وضع الأكراد السوريين لما كان قبل 2011 عبر تحجيم تطلعاتهم الاستقلالية والانفصالية التي تنامت بعد مشاركتهم في حرب «داعش» .
وبينما يستنجد الأكراد بنظام الأسد للانتشار في عفرين وصد الهجوم التركي، تتخوف أنقرة ، التي سحبت سبعة ألاف مقاتل من الجيش الحر من إدلب للمشاركة في عملية «غصن الزيتون»، من أن يستجيب الأسد لمطالب الأكراد ويتدخل لاقتناص إدلب، خصوصا مع انطلاق شائعات حول تفاهمات بين الأسد وموسكو وواشنطن وطهران لدعم المقاتلين الأكراد في مواجهة العملية التركية، بغرض إطالة عملية «غصن الزيتون» واستنزاف تركيا عسكريا ، وبرغم إظهار السلطات التركية رفضها للحوار المعلن مع الأسد، تعددت الروايات التركية غير الرسمية بشأن وجود اتصالات بين أنقرة ونظام الأسد ، فلقد ألمح السفير التركي لدى دمشق إلى وجود اتصالات بالكواليس بين أنقرة والنظام السوري على مستوى متوسط.
وقبل أيام، أعلن دوغو برينشاك القيادي السياسي التركي المعارض ورئيس حز«وطن» ، الذي زار حزبه العاصمة السورية أكثر من مرة ، ويتبنى موقفا مختلفا عن مواقف حزب العدالة والتنمية، في طريقة التعامل مع ملف الأزمة السورية، أنه على استعداد للقيام بدور ساعي البريد بين أنقرة ونظام الأسد، إذا ما طُلب منه ذلك، وقد ظهرت أصوات مشابهة في المعارضة التركية تدعو أيضا العقلاء في السلطة السياسية لعدم التصلب والتعنت في مواقفهم حيال نظام بشار الأسد، ومن جانبه، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم ، الذي سبق وأطلق رسائل انفتاحية حول ضرورة قبول النظام السوري طرفاً في التسوية ، أن أي تصور للحل في سوريا يتجاهل النظام ودوره ، سيصل إلى طريق مسدود، فالنظام حقيقة موجودة في سوريا واستبعاده من المفاوضات يعني استمرار الفوضى في سوريا.

وانطلاقا مما ذكر آنفا ، يبدو جليا مدى إخفاق المسارات السياسية المتعددة والمتناقضة في آن لتسوية الأزمة السورية في أن تؤتي أكلها ، بالتزامن مع استمرار اشتعال العمليات العسكرية على الأرض حتى بعد إعلان تقويض تنظيم «داعش» الإرهابي،غير أن اشتداد وطأة التفاعلات العسكرية، خصوصا بعد انطلاق عملية «غصن الزيتون » التركية في الشمال السوري ، والتي تنذر باحتدام المواجهات بين حلفاء الأمس ضمن التحالف الدولي المناهض للإرهاب ، من شأنه أن يفتح الباب أمام تسويات ناجزة تقود إلى إنفراجة وشيكة للأزمة السورية، وإن ظلت مجرياتها تدور في الخفاء أو من تحت الطاولة، لتستمر لعبة خلط الأوراق والمواقف مع غياب الآليات العملية الكفيلة بتنفيذ أي مقترحات سياسية عملية مهما كانت درجة أهميتها.