مسارات ووسائل فلسطينية ممكنة لتجاوز ما يسمى بـ «صفقة القرن»

د. عبدالعاطى محمد –

بعد أن كشف صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن ملامح خطة الإدارة الأمريكية للسلام مع إسرائيل المعروفة بصفقة القرن، ومطالبته المجلس المركزي برفضها، أصبح البحث عن بدائل سياسية لها والتحرك المكثف والذكي لاستهلاك الوقت، والصبر على رفضها، هو أفضل المسارات التي يتعين على الفلسطينيين التحرك من خلالها لإفشالها، أو تجاوزها بسلام على الأقل.
الملامح والأسباب التي طرحها عريقات وضمنها تقريره للمجلس في اجتماعه الأخير برام الله، صححت كثيرا من المعلومات الملتبسة التي أحاطت بهذه الصفقة منذ تداول الحديث عنها في بدايات وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وقد جاء الالتباس من التسمية ذاتها حيث إن الصفقات تعني مقايضة أشياء ببعضها البعض أو المساواة بين الأطراف والفائز هو من ينجح في الحصول على أكبر المكاسب الممكنة. وإن كان ذلك مفهوما وربما مقبولا في عالم التجارة، فإنه بالتأكيد ليس واردا في عالم السياسة حيث المتعارف عليه هنا هو العمل بأسلوب التسويات لا الصفقات حتى لو جاءت مجحفة، وفرق كبير بين الاثنين. ولا شك أن تعبير الصفقة كان محببا لدى ترامب رجل الأعمال الشهير، ومثيرا للغاية من حيث طابعه الإعلامي لكونه يثير الشكوك ثم يرفع من درجة السخونة والجدل حوله وسط كل المعنيين وبوجه خاص وسط الرأي العام عربيا كان أم أجنبيا وذلك بدوره مادة محببة وشيقة لدى وسائل الإعلام.
وفي إطار الالتباسات التي أحاطت بصفقة القرن ما تردد عن تنازلات متبادلة في الأراضي الفلسطينية والعربية المحيطة، ومشروعات بديلة للدولة الفلسطينية، وتفعيل المزيد من التطبيع مع إسرائيل وتوسيع أطرافه العربية. والأنباء التي ترددت بهذا الخصوص ملأت الأوساط الإعلامية العربية والأجنبية حتى باتت تكون أمرا حقيقيا. ولكن كل ما جاء في تقرير عريقات حول هذه الصفقة، وأخذا في الاعتبار أن العهدة عليه هو فيما نسب إليه، لم يتضمن شيئا مما يدخل في نطاق المقايضة أو حتى المساومة ولا العناصر المشار لها سلفا التي أثارت قلقا شديدا في أوساط الرأي العام العربي وكانت مادة خصبة للاتهامات المتبادلة. وما ورد هو تكرار للمطالب الإسرائيلية المعروفة منذ عدة سنوات أو بالأحرى العمل على إقرار ما أفرزه واقع الاحتلال كما هو قائم بصورته الحالية واعتباره أمرا مشروعا!.
هكذا فإن كل ما تعلق بوصف الصفقة ما هو إلا خطة سياسية شأنها شأن كل الخطط السياسية التي قدمتها الإدارات الأمريكية السابقة يمكن قبولها أو رفضها أو تعديلها كغيرها مما سبق. وقد التصق وصف الصفقة بها لأن إدارة ترامب (بجانب أن الوصف محبب إلى قلبه) طرحتها باعتبارها حلا نهائيا ناجزا لمشكلات عملية السلام في المنطقة.
تفاصيل الخطة نشرت في أكثر من وسيلة إعلامية عربية، أي أنها متاحة للكافة، وبما أنها جاءت على لسان مسؤول رفيع مثل عريقات وأصبح تقريرها وثيقة فلسطينية ضمن وثائق مؤتمر المجلس المركزي لمنظمة التحرير، يتعين التعامل معها على أنها القول الفصل في حقيقة مضمون ما روجته المصادر الأمريكية على أنه صفقة القرن. الخطة من 11 بندا تشمل القضايا الأساسية في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وتنص على ضم المستوطنات الكبرى بالضفة إلى إسرائيل، وإعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، والاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية، وأن يعترف العالم بإسرائيل وطنا قوميا لليهود وبدولة فلسطين وطنا قوميا للفلسطينيين، وتسمح إسرائيل باستخدام الفلسطينيين لمبانٍ في أسدود وحيفا ومطار اللد ولكن تحت سيطرتها الأمنية وكذلك فيما يتعلق بالمعابر الدولية، وإقامة ممر آمن بين الضفة وعزة. وفيما يتعلق بالقدس فهي عاصمة إسرائيل، وتضمن الأخيرة حرية العبادة للجميع على أن يبقى الوضع القائم كما هو. وأما عاصمة دولة فلسطين فتكون جزءا صغيرا قريبا من القدس هو «أبو ديس»! وفيما يتعلق بالحدود تتضمن الخطة حدوث انسحاب تدريجي من مناطق فلسطينية مع إعادة تموضع القوات الإسرائيلية خارج «أ» و «ب» بالضفة مع إضافة أراضٍ جديدة الـ «ج»، وتعلن دولة بهذه الحدود بشكل مؤقت. وأما المياه والأجواء فتكون تحت السيطرة الإسرائيلية (دون الإجحاف بحاجات دولة فلسطين). وتتكفل دولة فلسطين بإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين. وأخيرا فإنه بالنسبة للأمن تحتفظ إسرائيل بقواتها بطول نهر الأردن والجبال الوسطى وبصلاحيات الأمن القصوى والتوصل إلى مفهوم أمني مشترك للدولتين كشركاء في السلام، وإيجاد تعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي.
وبنظرة بسيطة على كل ما تضمنته الخطة الأمريكية، فإنها لا تقيم دولة فلسطينية في الحقيقة، وإنما مجرد حكم ذاتي للفلسطينيين أبديّ كما قال عريقات أو بتعبير آخر وضع حل مضمونه دولة بنظامين أي دولة واحدة هي إسرائيل ولكن بنظامين أحدهما للإسرائيليين والآخر للفلسطينيين تماما مثل نظام الفصل العنصري (الأبارتهيد). هي خطة تجسد الأمر الواقع الراهن الذي أفرزه الاحتلال وتشرع لبقائه ، وليس تحقيق سلام عادل ودائم ينصف الطرف الفلسطيني. أي أن إدارة ترامب تبدو هكذا شديدة الوفاء للموقف الإسرائيلي أكثر من أية إدارة أمريكية سابقة. وما عزز ذلك، اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل وعزمها نقل السفارة الأمريكية إليها، وأنها عازمة على الاعتراف بضم الكتل الاستيطانية خلال شهرين أو ثلاثة، فقط تريد ضما بنسبة 10% بينما تريد حكومة نتانياهو ضم 15%.
من الطبيعي والأمر كذلك أن ترفض السلطة الفلسطينية هذه الخطة – الصفقة جملة وتفصيلا لأنها لا تقيم دولة فلسطينية ، ثم لا تحقق سلاما دائما وعادلا. ولكن السؤال الذي يتم طرحه دائما في مثل هذه الحالات يتعلق بالمسار السياسي الذي يتعين أن تعمل به السلطة لإزاحة هذه الخطة أو إفشالها. هنا فإن المتاح من المعلومات يشير إلى توجهين واضحين أحدهما هو التنسيق مع الاتحاد الأوروبي لترسيخ المسار المعروف وهو تفعيل حل الدولتين لا حل الدولة الواحدة كما تريد إدارة ترامب، وتعظيم الدعم الأوروبي للطرف الفلسطيني، وذلك في ضوء عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على هذا التوجه الأمريكي، وهو ما ظهر على الأقل بالنسبة لعدم موافقته على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبالنظر إلى تباعد المواقف والرؤى بين الطرفين الأوروبي والأمريكي حاليا في عديد من الملفات الدولية وخصوصا الملف الفلسطيني. وكذلك دفع المزيد من الدول الأوروبية للاعتراف بقيام دولة فلسطين. ومعروف أن هناك 9 دول أوروبية اعترفت بفلسطين من بين 28 دولة هي عدد أعضاء الاتحاد، ومعظم الدول الباقية ترى أن ذلك يجب أن يأتي كجزء من تسوية سلمية وتركز السلطة الفلسطينية حاليا (بعد واقعة القدس) على استبعاد الطرف الأمريكي كوسيط في المفاوضات في حالة العودة إليها وإحلال أوروبا بدلا منه. وفي بروكسل حيث اجتمع محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مع فيدريكا موجريني وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي قال عباس إن الطريق الوحيد للوصول إلى سلام مع إسرائيل هو المفاوضات بمشاركة وإشراف دولي، وأوروبا شريك حقيقي للسلام في المنطقة ونطالبها بالاعتراف بدولة فلسطين. وردت المسؤولة الأوروبية مؤكدة دعم الاتحاد للمطالب الفلسطينية في أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين ودعت إلى الحديث بحكمة وإحساس بالمسؤولية (في إشارة ضمنية إلى عدم ارتياح دول الاتحاد للموقف الأمريكي الأحادي الجانب).
الضغط بتحويل مسار المفاوضات من حالة الثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية الوسيط الأمريكي، إلى حالة الجماعية الدولية وبدور فاعل لأوروبا، ليس هو الورقة الوحيدة، وإنما هناك التصرف المباشر تجاه الطرف الأمريكي نفسه حيث الضغط في الفناء الخلفي لإدارة ترامب لمنعه من المضي قدما تحقيق رؤيته بخصوص ما يسمى بصفقة القرن. وبهذا الصدد نشرت صحيفة معاربف الإسرائيلية مؤخرا تقريرا عن لقاء جمع في لندن بين جون كيري وزير الخارجية السابق وحسين آغا المقرب من الرئيس عباس، وفيه حث كيري على أن يصمد الفلسطينيون طويلا ولا يرضخون لضغوط ترامب، وأن يعملوا على تقديم خطة بديلة إيجابية، وألا يركزوا على مهاجمة الإدارة الأمريكية وإنما على ترامب نفسه وتحميله مسؤولية التدهور القائم للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وأعرب كيري عن استعداده لدعم خطة سلام بديلة لصفقة القرن متعهدا بتجنيد دعم دولي لها. والفكرة هنا هي أن ترامب من الوارد إلا يكمل مدته الرئاسية بالنظر إلى المشكلات التي تلاحقه داخليا وتحديدا من الديمقراطيين ثم فإن أفضل الطرق هي الصبر واستهلاك الوقت إلى أن يغادر ترامب السلطة، إذا حدث ذلك ، وتختفي معه صفقة القرن. ومن جهة أخرى فإن نتانياهو هو المعني شخصيا بهذه الصفقة لإنفاذه سياسيا في إسرائيل أو بالأحرى لضمان استمراره في السلطة، وإذا ما استمرت ضغوط ترامب وتم نقل السفارة خلال عامين من الآن فإن ذلك سيضمن لنتانياهو النجاح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وعليه إذا ما لم يكن ترامب موجودا في هذه المدة فإن مصير نتانياهو هو خسارة الانتخابات.