أفكار وآراء

حالات تغيير المحكم

31 يناير 2018
31 يناير 2018

د. عبد القادر ورسمه غالب -

بعد بداية إجراءات التحكيم المؤسسي قد تطرأ بعض الظروف التي تستوجب تغيير أو إحلال المحكم . هذه الظروف قد تعود لطبيعة النزاع نفسه أو للأطراف المتنازعة أو لأسباب تتعلق بالمحكم. ومهما كان السبب ومبرراته الا أن طبيعة التحكيم المستعجلة تستوجب اتخاذ الإجراءات السريعة لتكملة عملية التغيير أو الإحلال حتى يستمر التحكيم لنهاياته وفق الفترة الزمنية المقررة قانونا.

أولت محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية بباريس اهتماما خاصا بإجراءات هذا التغيير وحالاته وما يجب أن يتم لإحداث التغيير، ولقد أفردت مواد معينة وعدلتها في نظامها للتعامل مع تغيير المحكم. أكثر الحالات التي يتم فيها تغيير المحكم تعود لأسباب متعلقة بالمحكم نفسه لأنه قد يتوفى أثناء سير إجراءات التحكيم، أو قد يتعرض لمسائل أخري يجد نفسه فيها مضطرا لتقديم استقالته لأسباب شخصية كالمرض مثلا أو لأسباب مهنية أو غير ذلك، أو قد يتبين عدم مقدرة المحكم في القيام بالتحكيم أو فشله الواضح مما يدل على عدم وجود المقدرة الفنية اللازمة أو مخالفة الأنظمة المتبعة مما يضطر أطراف النزاع للمطالبة بالإنهاء الفوري لمهمته بسبب عدم المقدرة أو غير ذلك.

ففي مثل هذه الحالات، واستنادا علي النظام، يجوز لمحكمة التحكيم وبوازع من نفسها التدخل لتغيير المحكم. وبموجب هذا التغيير والإحلال يجوز لمحكمة التحكيم إعادة تشكيل «هيئة التحكيم» لملاءمة التغيير الذي حدث وكذلك توضيح الإجراءات المترتبة على التغيير مثل المدة المقررة لتكملة التحكيم والمكان والزمان وخلافه.

وهناك نقطة اجرائية هامة لها علاقة بالتغيير والاحلال، وهي تتعلق بالسؤال حول هل يتم اتباع نفس طريقة التعيين السابقة أو اتباع طريقة جديدة عند اعادة التعيين بسبب التغيير والاحلال ؟ وهنا تم تعديل نظام محكمة التحكيم لمنحها الحق في اتباع نفس الطريقة السابقة. ولكن بالنسبة للقوانين والأنظمة الأخرى، نلاحظ فراغا وقد يكون من الأنسب الاشارة لنقطة كيفية اعادة التغيير والاحلال من ضمن شروط التحكيم حتى تكون الرؤية واضحة.

من المسائل التي تستدعي اعتبارا خاصا من محكمة التحكيم تلك الحالات التي يتقدم فيها المحكم باستقالته للأسباب التي يراها وآثار هذه الاستقالة على مجريات التحكيم، وهل تقوم المحكمة بنفسها بقبول هذه الاستقالة أو أخذ موافقة أطراف النزاع ؟ وقد يكون الأمر سهلا وسريعا خاصة اذا اتفق أطراف النزاع علي مبدأ الاستقالة – أو انهاء مهمة المحكم – ولكن عدم الاتفاق فيما بينهما يتطلب من المحكمة الحرص والعدل في الاجراءات التي تتخذها، مع ضرورة الاهتمام بعامل الزمن حتى يتم انجاز الأمر سريعا.

في المطالبة بالتغيير، قد تحدث بعض الحالات المستعصية خاصة اذا رأى أحد أطراف النزاع ومن وجهة نظره أن المحكم غير ملائم، وقد يطلب هذا الطرف تغيير أو احلال المحكم لتلك الاسباب التي يراها من منظوره ولتحقيق مصلحته. في مثل هذه الحالة الفردية، يجب ألا تذعن المحكمة أو المحكم لرأي هذا الطرف خاصة وأن رأيه عديم الأثر ولا يتم تغيير المحكم بسبب «مزاج» أحد أطراف النزاع انطلاقا من مبادئ الاستقلال والحياد.

ولكن في جميع الأحوال، يجوز لهذا الطرف القيام باتخاذ اجراءات «رد» المحكم لإحداث التغيير أو الاحلال بعد استنفاد وقبول اجراءات الرد، وكما يتبين فان «الرد» ضروري في مثل هذه الحالات لأنه أمر مختلف تماما عن المطالبة بالتغيير أو الاحلال.

ووفق قوانين التحكيم وأنظمة المراكز المؤسسية يجوز لأي طرف المطالبة برد المحكم، وهناك اجراءات معينة يجب اتباعها في حالة طلب «رد» المحكم وانهاء خدماته. ومن الممارسة نلاحظ حالات عديدة يطلب فيها أحد الأطراف تغيير المحكم الذي قام هو باختياره لعضوية هيئة التحكيم، خاصة اذا شعر منه بعدم منح أي اعتبار خاص له، وهذا يتم من واقع عدم تفهم مهمة المحكم ودوره في هيئة التحكيم ومسعى تحقيق العدالة.

يجوز للمحكم، بصفة عامة، تقديم استقالته وعند قبولها بالطبع يتم التغيير والاحلال. ولكن هل يجوز للمحكم تقديم استقالته في أي وقت والمطالبة بتغييره واحلاله ؟ خاصة اذا وصل التحكيم لمراحل متقدمة ونهائية أو أن تقديم الاستقالة قد يكون «متعمدا» ومن غير «حسن نية» ويسبب أضرارا بالتحكيم أو أحد الأطراف أو حتى مركز التحكيم.

ولمعالجة هذا الوضع فان نظام تحكيم محكمة غرفة التجارة يشترط نظر المحكمة في أمر الاستقالة واصدار قرار محدد بشأنها، وهذا يعني عدم نفاذ أثر الاستقالة الا بعد قرار المحكمة. وهنا نلاحظ اختلافا واضحا مع قانون «تحكيم اليونسيترال النموذجي» الذي لا يشترط الحصول على قرار بقبول الاستقالة أو الموافقة عليها حتى تصبح الاستقالة سارية، بالرغم من بعض المحاولات بتعديل القانون النموذجي في هذا الخصوص الا أنها لم تنجح استنادا الى مفهوم أن القانون النموذجي يضع إطارا عاما ويترك التفاصيل لاتفاق وارادة الأطراف.

وهناك حالات واضحة تبين أن الاستقالة تمت لأسباب جوهرية وبدون تعمد للإضرار بأي طرف، وهذا مثلا في حالة المرض الذي يؤثر علي كفاءة أعمال المحكم وغيابه المتكرر بسبب المرض، أو اذا حدث تغيير مهني لا يتيح للمحكم مواصلة الاستمرار في التحكيم كتعيينه في وظيفة لا تسمح له بمباشرة التحكيم أو لأي أسباب أخرى تؤدي لانتفاء الحياد أو الاستقلال، أو اذا تم نقله خارج البلد أو ارتحل لأسباب مبررة، أو لأن الأطراف اتفقوا على وقف السير في التحكيم لمدة طويلة لا يقبلها المحكم، أو لأن أحد الأطراف تقدم بإجراءات رد المحكم ورأي المحكم الاسراع وتقديم استقالته بنفسه نظير هذا الاجراء، أو المحكم تعرض للتهديد بالأذى الجسماني أو الترهيب بواسطة أحد الأطراف أو ممثليه .. وهذا يحدث..

وفي مثل هذه الحالات المذكورة أعلاه يتم تغيير واحلال المحكم للأسباب التي قدمها، وعلى المحكمة في مثل هذه الحالات النظر في أمر الأتعاب وكيفية تحديدها بما يتماشى مع الجهد الذي بذله المحكم فعليا.

وهناك حالات تستدعي ضرورة قبول استقالة كل أعضاء هيئة التحكيم ووقف كل العمل وما يترتب على ذلك من أمر التحكيم في مجمله. هذا يحدث عندما يلجأ جميع أعضاء هيئة التحكيم للاستقالة معا وذلك لشعورهم باستحالة سير التحكيم لازدراء وعدم تعاون الأطراف أو ممثليهم عبر قيامهم بسوء معاملة الهيئة أو تهديدها ، أو احداث أمور تجعل السير بالإجراءات شبه مستحيل والجو أصبح غير مهيأ للعمل وتم فقد روح التعاون والمصداقية والالتزام والاحترام... وطبعا، هنا سلطة المحكم أو هيئة التحكيم تختلف عن المحاكم لأن القضاة لهم الحق في اتخاذ اجراءات فورية خاصة عند الازدراء أو عدم احترام المحكمة وفق تقدير القاضي.

ومن الجدير بالذكر أن محكمة التحكيم، في بعض الحالات، وافقت على قبول الاستقالة الجماعية لهيئة التحكيم استنادا علي المبررات التي رأتها وفق تقديرها، والقانون يمنح محكمة التحكيم هذا الحق التقديري. وهنا يجب على المحكمة توضيح الموقف بالنسبة للتحكيم وكيفية التعامل معه بسبب ما حدث وأدى لقبول الاستقالة الجماعية لهيئة التحكيم.

التحكيم قد يتعرض للمفاجآت غير السارة ومنها حدوث أي من الحالات أعلاه، الطوعية أو القسرية، التي تستدعي التغيير والاحلال. ولهذا قطعا آثار سلبية جمة على التحكيم وربما تخدشه خدشا كبيرا يؤثر على مردوده ومصداقيته.

وهنا نعتقد أن الدور الشخصي للمحكم مهم لدرجة كبيرة وكذلك هيئة التحكيم حيث في يدهم الحرص على العمل بإخلاص وتجرد حتى اكمال المهمة. هذا يتطلب روح المهنية وطول البال والترفع عن الصغائر وضرب المثال للآخرين بغرض التماسك معا من أجل رسالة التحكيم السامية تحقيقا للعدالة.