عطر: هل تؤمن بالمستحيل؟

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

المستحيل أن نعتقد أن هناك مستحيل، وهناك الكثير من الأمثلة البسيطة والمعقدة التي تجعلني أنفي المستحيل، وأتحدث بدلا عنه عن الصعوبات.
من المعروف أن الحياة ليست بنزهة، أو فرح لا نهائي، وليست بسعادة كما نحلم، بل هي محفوفة بالمغامرات والمفاجآت والنكسات والخسائر والنجاحات، خلطة صعبة المراس وغير مضمونة النتائج، ولكن هل هي ابنة المستحيل أم أن في قلب المستحيل يكمن الممكن؟ هناك قلوب لا تهاب الخوف ولا تخشى الموت أسوأ ما يحدث للإنسان، وأتحدث عن نهايته التي لا عودة منها، ومع هذا يقررون المضي قدما وتحدي الموت، أناس آمنوا أن المستحيل كلمة مرادفة للخوف فقرروا قهرها وتحديها، واتبعوا جملة بسيطة في حياتهم:” المستحيل خيار وليس واقع “
حين زرت “قصر موسى” في منطقة الشوف من سنوات شاهدت كيف قهر رجل واحد المستحيل، وقرر بناء حلمه من لاشيء، لا مال ولا دعم، مجرد حلم لطفل صغير نهره أستاذه وضربه على أصابع يديه لأنه وجده يرسم قصره، وسَخِر منه أمام رفاقه قائلا له: ”تريد أن تبني قصرا يا غبي؟” ولكنه شيّد قصره من غرفة واحدة، راح يزيد عليها ويجسد فيها حكايته، الى أن أصبح لديه قصر أحلامه الذي بنى له سورا مرتفعا وبوابة خشبية ضخمة وحوله الى متحف، ليؤكد ان الأحلام المستحيلة تقهرها الإرادة الحقيقية.
في مكان آخر من هذا العالم وفي قصة أخرى، لم يمنع فقدان البصر الذي أصاب الأديب العربي طه حسين من أن يدرس ويسافر ويعود، ليكون من أهم الكتاب العرب، وهناك ملايين القصص في الإنجازات العلمية والطب والجيولوجيا وفي العلوم النظرية والتطبيقية، وحتى في المشاعر والحب وقصص العشق التي تخطت وحاربت المستحيل حتى هزمته وحولته إلى ذكرى، فما حقيقة هذا المصطلح؟ وهل نحن نضخمه أم نستسلم له؟
في قراءة متأنية للواقع، سنجد أن كل ما حدث في تاريخ البشرية جمعاء، كان بمرحلة من المراحل يشكل المستحيل ويبدو ضربا من الخيال أو حالة من الجنون المستشري، فمن فكرة أن الأرض بيضاوية بدل أن كانت مسطحة، إلى فكرة أن الإنسان سيسافر إلى القمر والى كل ما بدا لم ولن يحدث، تحول الى نقطة تطور إنساني يقف عندها المختصون ليقولون ماذا بعد؟ رغبة منهم في قهر المستحيل، العقلانيون من الناس يتحدثون عن صعوبات ولا يؤمنون بالمستحيل، والبعض منهم تسكنه روح الهزيمة فلا يعرفون كيف يخرجون من القاع، والبعض غير آبه بما يحدث من حوله وكأنه غير معني، فكل شيء سيئ سيحدث لغيره، أما هو فيعتقد أنه بأمان.
أمام رفض فئة واسعة من الناس لكلمة مستحيل، يبدو غريبا أن الإنسان الذي عدل الخارطة الوراثية وتمكن من استنساخ البشر، وغاص وطار واخترع أقبح أنواع الأسلحة وأبشعها من عنقودية وذرية وجرثومية، الى كل التجارب التي تفوق توقعاتنا نحن العرب (آخر من يعلم على الأرض والذين نشبه الزوج الذي تخونه زوجته)، لم يستطع حكام العلم وصناعه وأبطاله المضمرون والمعلنون أن يقضوا على الخلية السرطانية التي تدمر أجسادنا كمرض عضال يقتل الملايين من البشر، الذين يخضعون لأبشع أنواع العلاجات، والتي يعاني مَن يتناولها أعراضا يفوق قبحها قبح المرض نفسه، هل نظرية القضاء على الفائض من سكان الأرض التي هي في تضخم سكاني مخيف إضافة إلى سوء في توزيع الثروات، يقابله جشع لا ينتهي من الفكر الاستعماري الحديث؟ وهل تجار الأدوية يبيعون دواء لمرض يعرفون سره؟ هل سنرى قريبا علاجا يرحم الموت البطيء، أم سيبقى الإنسان أسير تجار الموت وصناع المستحيل الذي يباع لنا لنا بأغلى الأثمان وأغرب الأحلام؟