ربما: الأفعال أولى بالمعروف

د. يسرية آل جميل –
dr.yusriya@gmail.com –

مدخل:
(نحن لا نرتب الأشخاص في قلوبنا.. المواقف تفعل ذلك)

لا أعرفُ ما السبب الذي مِن أجله دائماً ما نُسأل: أيُّ الناسِ أقربُ إليك؟ والذي غالباً ما تنحصرُ إجاباتنا عليه في دائرة الأمِ والأب والأهلِ والأصدقاء، ولعلها الفِطرة التي جُبلت عليها النَفس البشرية في ترتيبِ أولويات العِلاقات الإنسانية المُحيطةِ بدائرتنا، إذ لمْ توجد بَعد معايير مُحددة، وأدوات مُعينة نستطيع استخدامها لقياس مدى قُرب أو بُعد فردٍ مُعين مِن دائرة المُحيط الذهني والإدراكي في علاقتنا مَعه.
وحدها فقط المعرفة، ومعها قليلٌ مِن العاطفة، هي التي تُساعدنا في حقيقةِ الأمرِ على ترتيبِ الآخر نحونا، أو في داخل دوائرنا المغناطيسية التي تُقدم لنا الدَعم المُسبق في ذلك. وأقصد بالدوائر المغناطيسية: مجموعة من الحلقات الموضوعية غير المترابطة، التي تُنظِّم الشَكل الوثيق في حدود الطبيعة البشرية لعلاقاتنا داخل المجتمع، بدءاً من نُواته وحتى المجتمع ذاته، حيث يجلس كُل منا في مُنتصفِ ثلاثِ دوائر غير مرئية، تُحيط بنا، ولا نسمح باختراقها إلا للشخص الذي نُحبه فقط، وننزعجُ كثيراً إذا تمَّ اقتحامُ أحدها من قِبل أشخاصٍ غيرَ مرغوبٍ فيهم.
أما الدائرة الأولى فتبعد حوالي نصف متر عن جسم الإنسان، أي بامتداد الساعد فقط وهي ما أسماهُ العُلماء (بالمنطقة الحميمية) والتي لا نسمح لغير الأحباب وأقرب الأقرباء بالاقتراب منها {الأم، الأب، الإخوة و الأخوات، الأبناء، الأقارب}، فهي منطقة المشاعر الفياضة، التي تلغي أي وجود لأي خِصم غير مرغوب فيه ضمن هذه الطبقة.
والدائرة الأوسع من ذلك، والتي تبعد حوالي متر وربُع من جسم الإنسان، أي بامتداد ذراعٍ كامل، وهي ما يسميها العلماء بـ(منطقة الصداقة)، والتي يقع فيها {الأصدقاء، والجيران، وزُملاء العَمل}، أي أولئك الذين نتعامل معهم بشكلٍ غير رسمي، وهي الدائرة التي يُسمح فيها لهذه الطبقة بالمُصافحة، والمُخاطبة والرؤية الشاملة بكل بساطة، مع ملاحظة عدم الاقتراب من المنطقة الحميمية والعكسُ صحيح.
أما أوسع الدوائر فهي (منطقة العامة) التي تبعد عن جسم الإنسان أربعة أمتار، وهذه الدائرة تمثل المنطقة الاجتماعية التي تشمل من يحيطون بِنا مِن الغُرباء، الذين يتواجدون حولنا في الشارع والأسواق والحدائق، مِمن لا يثيرون أدنى اهتمام بالنسبةِ لنا.
وعلى كلٍ فالمرء فينا يُمكن أن يُشبِّه دوائره المغناطيسية هذه بالمياه الإقليمية، أو الحدود الفعلية التي ترسمها الدول بين بعضها البعض، فلا يُسمح لأي سبب اقتحام أفرادٍ لدائرة غير التي صُنِّفوا فيها، خاصةً من الطبقة الأدنى إلى الأعلى، وهذا ما يُمكن أن نُطلق عليه بالعامة «احترام الخصوصيات».
مع ذلك فأنا أرى مع كل ما سبق: أن الأشخاص لا يختارون ترتيب أنفسهم، وتحديد مواقعهم منا.. قرباً وابتعاداً، فكم من أخٍ ليس بأخ، وكم من غريب لم تلده أمك، المواقف وحدها تفعل ذلك وتعيد الصياغة من جديد، المواقف وحدها تضع النقاط فوق الحروف، وتعطي كل فرد حجمه الحقيقي، فأحسنوا تركَ الأثر.

-إليه حيثما كان:
أعرف إنك بقلبي.. ما لغيرك مكانك.