الحاجة إلى جهد جماعي

طالب بن سيف الضباري  –
كاتب وصحفي –

ستظل قضية الباحثين عن عمل، مسألة مستمرة ومتجددة طالما وجدت هناك مؤسسات تعليمية وتدريبية يتخرج منها سنويا الآلاف من الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة على معظم المهن والتخصصات، وسيكون سوق العمل بجميع مفرداته هو الواجهة المستهدفة، والمولدة لفرص العمل على اعتبار أن القطاعات الأخرى، وأعني هنا بالدرجة الأولى القطاع الحكومي، ستتقلص فرص العمل فيه مع التقدم التقني والتكنولوجي في تقديم الخدمة، فالعمل الذي يقوم به عشرة موظفين سيقتصر مستقبلا على جهاز أو آلة تختزل كل ذلك، وبالتالي إذا لم تستعد الحكومات خاصة في المنطقة المحيطة بنا جغرافيا، ستجد نفسها أمام معضلة وتحد كبيرين لن تنفع معه الاجتهادات التي تقوم بها حاليا، أو تقتصر على جهة معينة، وستكون هي المعنية بتوفير فرص عمل من خلال طرق وأساليب وأدوات غير مقنعة لدى الكثير من المراقبين أو المحللين الاقتصاديين بل حتى أفراد المجتمع في بعض الأحيان.
وعمان ليست استثناء من هذه القاعدة، فهي على مدى السنوات الماضية تحاول من خلال قناة واحدة ممثلة في وزارة القوى العاملة بعد أن شحت فرص العمل في القطاع العام مواجهة هذا التحدي وهذه الأعداد من الباحثين عن عمل مستخدمة ما تملكه من أدوات تتمثل في نسب التعمين المفروضة على القطاعات ومعظمها غير محققة، وإيقاف الاستقدام لبعض المهن بين الحين والآخر، وعلى فترات متفاوتة؛ لتأمين فرص عمل للباحثين عنه من أبناء الوطن، سواء تلك المرتبطة بأجر، أو من خلال العمل الحر والتشغيل الذاتي إلى جانب الحظر على البعض في حال عدم الالتزام بتحقيق نسب التعمين.
إلا أن هذه الأدوات لم تعد فعالة بشكل كاف، لعدة أسباب أهمها: هشاشة الأعمدة التي يرتكز عليها القطاع الخاص، غير المرتبط بالحكومة، وهو الذي في مجمله لا يولد الفرص التي يبحث عنها الباحث عن عمل، وتؤمن له على الأقل الحد المعقول من الامتيازات التي يطمح لها، وهي بيئة العمل الآمنة والمستقرة، فالقطاع الخاص شئنا أم أبينا مختطف في غالبه من القوى العاملة الوافدة، تحت ما يسمى بالتجارة المستترة التي منحت الصلاحية من قبل المواطن نفسه؛ لكي تمارس إدارة دفته كيفما تريد، في ظل قناعة لا تزال مسيطرة على الكثير من أفراد المجتمع بأن الوافد لا يزال هو الأقدر على تقديم الخدمة له من حيث رخص ما يقدمه، فضلا عن الغياب الذي يسجله المواطن إلا ما ندر للقيام بهذا الدور، والاتجاه إلى البحث عن فرصة العمل المريحة التي يحصل من خلالها على أجر شهري كان كفيل بكسبه أضعاف المرات لو تخطى حاجز الخوف من الإقدام على العمل الحر، صحيح هناك نماذج وطنية ناجحة إلا أنها تبقى محدودة قياسا بأعداد الباحثين عن عمل وما يقابلها من أعداد الوافدين الذين يقومون بتقديم مختلف الخدمات التي تندرج تحت هذا المصطلح.
ومع أن وزارة القوى العاملة بما تتبعه حاليا من إجراءات لتوليد فرص العمل قبل وبعد قرار مجلس الوزراء بتوفير 25 ألف فرصة عمل قادرة على تشغيل الأعداد الحالية من الباحثين عن عمل، إلا أن انتقائية العديد من الباحثين عن عمل للفرصة التي تتوافق مع طموحهم المستعجل سواء من حيث الأجر أو حجم الشركة أو المكان أو بيئة العمل، والأهم من ذلك أن انتظار الوظيفة الحكومية يعمل على بطء حركة التشغيل، وتضاعف الجهود التي تبذل في تراجع مؤشر الباحثين عن عمل المسجلين لدى الهيئة العامة لسجل القوى العاملة، فإذا أصر الباحث على مثل هذه الانتقائية، ولم يدرك تبعاتها على الوطن، ويؤمن أن الأفضل الانتظار حتى يتم الوصول إليه يحتاج إلى بعض التضحيات والقبول بالأقل كما فعل آخرون ونجحوا، ستتضاعف المشكلة وستجد الحكومة نفسها وهي تعمل حاليا بأسلوب ممنهج لمعالجة طويلة الأمد لقضية الباحثين عن عمل أمام أبعاد اقتصادية أخرى تؤثر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، على اعتبار أن هناك من يروج لأن تكون معالجة هذا الملف نفسها تلك التي حدثت في 7 أعوام، وتلك في الحقيقية بعيدة عن الواقع، فضريبة تلك المعالجة لا تزال الحكومة تدفعها حتى يومنا هذا، سواء من خلال الإنفاق المرتفع في الأجور أو تكدس الموظفين وضعف الإنتاجية.
إن التغيير المنتظر لقضية الباحثين عن عمل لا شك مرهون بالملفات التي تحملها اللجنة الوزارية التي شكلها مجلس الوزراء الموقر مع بداية العام المنصرم برئاسة معالي السيد وزير الداخلية وعضوية عدد من وزراء الجهات المعنية بشكل مباشر بهذه القضية التي بطبيعة الحال أولى نتائجها توفير 25 ألف فرصة عمل في القطاعين العام والخاص تشغر خلال ستة أشهر، إلى جانب ملفات عدة لها علاقة مباشرة بالتشغيل من بينها الإحلال، وتأمين اقتصاد قوي يؤمن فرص عمل تواكب الزيادة السنوية المتوقعة من مخرجات التعليم الجامعي الذي بدأ يقلب مؤشر أعداد الباحثين عن عمل المسجلين لدى سجل القوى القوى العاملة من الدبلوم العام فأقل إلى المؤهل الجامعي بشقيه الدبلوم وما فوق الدبلوم العام والبكالوريوس، إلا أن هذه الملفات إن لم تجد أولا التعاون بين جهات الحكومة نفسها، وثانيا بينها وبين أصحاب رؤوس الأموال، والباحث عن عمل، ودعم المجتمع، سيبقى الملف الرئيسي يدار بنفس الأسلوب من نفس المؤسسة، وستجد الحكومة نفسها أمام أفواج متكررة من الباحثين عن عمل.
وعلى الجانب الآخر -وهذا للمستقبل- إذا ما أردنا أن نؤسس لباحث عن عمل لديه من القناعة والإيمان بقيمة العمل المهنية وليست المادية في مراحله الأولى فلا بد من أن نبدأ من المنهاج الدراسي من الصف الأول، عبر غرس قيمة العمل والاهتمام بتطوير القدرات لدى الطالب، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي الكليات والجامعات التي آن لها أن تكون تخصصاتها مواكبة لما يحتاج إليه سوق العمل من مهن وتخصصات فنية ومهنية، وتلك المرتبطة بالجانب التكنولوجي، على اعتبار أن معظم التخصصات التي تسمى بالتخصصات الإنسانية أصبح الإقبال عليها نوعيا ونادرا، ويجب ألا ننسى بطبيعة الحال التركيز على توجيه النشء إلى الأعمال الحرة التي يؤسس لها من خلالها كيانه التجاري المستقل، ويسهم من ناحية أخرى في بناء اقتصاد وطني قوى ينسجم وتلك الاقتصاديات العالمية مثل أمريكا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول التي يعتمد اقتصادها على المؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة.