مشاكل عمل الخريجين كما طرحتها دراستان ميدانيتان

د. صلاح أبونار –

وفقا لإحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ، وصلت نسبة المواطنين العمانيين في الشريحة العمرية الأقل من 20 عاما إلى 45% من المواطنين، وارتفعت في الشريحة الأقل من 25 عاما الى 56%. وهو ما يعني وفقا للمعدلات العالمية أن عمان من أكثر المجتمعات شبابية في العالم.
ويعني ذلك ارتفاع نسبة العمانيين في سن الشباب (18-29)، وبما أن سن الشباب هو سن الالتحاق بقوة العمل، فهذا يقود الى ارتفاع معدل نمو قوة العمل.
وكان من الطبيعي أن يولد هذا الارتفاع طلبا استثنائيا علي العمل. ولكن في حالتنا اكتسب هذا الطلب مزيدا من القوة الضاغطة، مصدرها مساهمة الجهاز التعليمي الأساسية في تكوينه وبالتحديد قمته : الجامعات. فنحن هنا أمام طلب في مصدر أساسي منه ذو طبيعة نوعية، تكون عبر عملية استثمار تاريخي وثقافي ممتدة ، ويرتبط عضويا بالفئات الوسطى العمانية الجديدة بدورها الاجتماعي المحوري، ويتصل بعمل المؤسسات العمانية الأساسية لعملية إنتاج المعرفة العلمية وقدرتها على التجذر.
يشهد هذا الطلب الآن نقصا في عرض العمل . وبالمقارنة ببقية مصادره يواجه المصدر التعليمي الجامعي ، درجة أعلى من نقص العرض. ماهو مصدر هذا النقص؟ هناك دراسات وتحليلات كثيرة في هذا الصدد، أهمها فيما نتصور تلك التي سعت لاكتشاف آراء أطراف المشكلة، من خلال مسوح ميدانية منهجية.بماذا تخبرنا تلك المسوح ؟ سنختار منها دراستين لافتتين.
نشر ياسر علي وموفق النصير وفاروق العاني وفردوس خان ولطيفة البادي، والأربعة يعملون في جامعة صحار ، بحثا بالانجليزية بعنوان «التشغيل في القطاع الخاص العماني : اقتراب قطاعي من أجل التعمين»، في مجلد 2017 من دورية « مراجعات الإنسانيات والعلوم الاجتماعية» . سعى البحث لرصد عقبات التعمين في قطاعات : السياحة وتجارة الجملة والتجزئة والإنشاءات، من خلال استكشاف آراء أربع فئات : الشباب الباحث عن العمل، والعمانيون العاملون في تلك القطاعات، وأرباب العمل، والمسؤولون الرسميون المختصون.
أكدت عينة الباحثين عن العمل التفضيل التقليدي للشباب العماني للعمل في القطاع الحكومي . فقد أشار 84.8% منهم الى تفضيلهم للقطاع العام ، مقابل 12.6% فضلوا القطاع الخاص، و2.6% فقط فضلوا مجال المشاريع الحرة. لكن الأخطر أن البحث يخبرنا، أن 78.8% منهم لم يفكروا في العمل بالقطاع الخاص . ماذا يعني ذلك؟ في جانب منه يعبر عن قناعة مسبقة ناتجة عن معلومات وخبرة عامة. ولكن في جانب آخر يعبر عن عدم الرغبة في الاستكشاف وبناء معرفة ذاتية. وفي معرض تفسير هذا الانحياز أشاروا بنسب متفاوتة، للأسباب المعروفة: ساعات عمل أطول، وإجازات ومرتبات ومكانة أقل، وغياب للتأمين الاجتماعي.
غير أن آراء العاملين العمانيين في القطاع الخاص تدخل تعديلات لا يستهان بها على الصورة . فهي تخبرنا أن الإقبال عليه يزداد رغم عدم الرضا عن شروط عمله . فقد عبر 66.6% من العينة عن نيتهم في الاستمرار في الوظيفة ، و 34.4% عن نيتهم تركها . وتراوحت سنوات عمل 3.2% منهم ما بين 10-15 سنة ، ارتفعت الى 25.8% ما بين 5-10 سنوات، وقفزت الى 71% أقل من خمس سنوات.
ولكن هذا لا يعني رضاهم التام عن شروط عملهم . هناك تكرارهم للنقد التقليدي للأجور والمكافآت والتأمينات. لكنهم يطرحون نقدا من نوع آخر، فهم غير راضين عن تقدمهم المهني، و يشعرون انهم لا يحظون بدعم قيادات مؤسساتهم ، وينتقدون نمط تدفق المعلومات من أعلى الى أسفل الذي يضعف من قدرتهم على المبادرة والترقي .
ينتقد أرباب الأعمال نظام حصص التعمين. فهو يفرض عناصر لا تمتلك المواصفات المهنية المطلوبة ، حسبما يقولون ، في حين أنهم ملزمون بإعداد كوادرهم وفقا لأحدث التطورات ، حتى يمكنها المحافظة على كفاءة الأداء في تعاملاتها العالمية. ويعتبرون جزءا من القوى العاملة الملزمين بها عليهم عمالة غير حقيقية ، ويرى بعضهم انه من الأفضل التبرع بأجر هؤلاء لصندوق سيادي – أهلي مهمته إيجاد مشاريع توفر فرص عمل للعمانيين. ويشكوا أغلبهم من ضعف التنسيق مع مؤسسات التعمين، والذي ينتج غياب الوعي بالمواصفات المهنية التي يحتاجونها، وتعقد وصعوبة التعامل مع الجهات الإدارية تبعا لتعددها و إيقاع عملها.
جاءت آراء المسؤولين الحكوميين لكي توازن وتستكمل آراء أرباب الأعمال. اذ يعترف مسؤولو التعليم ان مؤسساتهم تخرج أعدادا تفوق قدرة السوق الاستيعابية، وأن مؤهلات خريجيهم الفنية لا تتوافق تماما مع احتياجات السوق. لكنهم أيضا يشددون على سعيهم لتدارك النقص . فقد أدخلت وزارة التعليم العالي مقررا دراسيا يتعلق بالعمل الحر ومهارات إدارته، وهو ملزم لكل مؤسسات التعليم العالي، ثم أدخلت وزارة التربية والتعليم نفس المقرر في مناهج الصف التاسع . وقامت كليات العلوم التطبيقية بجامعة نزوي ، بإدخال برنامج تدريب صيفي لطلابها للتدريب في المؤسسات الصناعية الموازية لتخصصاتهم، ضمانا لملاءمة إمكانياتهم لاحتياجات السوق.وفي ردهم على الانتقادات بضعف التنسيق مع القطاع الخاص، يشيرون الى وجود ممثلين للقطاع الخاص داخل كل الهيئات الاستشارية التعليمية،حيث يمكنهم معرفة كل ما يريدون، وطرح انتقاداتهم واحتياجاتهم.
كتبت هاجر حمدان السعيدي رسالة ماجستير بعنوان « فرص العمالة أمام خريجي الاعلام الرقمي من كليات العلوم التطبيقية بعمان»، مقدمة لجامعة اوكلاند 2013. تناولت وضع خريجي دفعتي 2010 و2011 من كلية العلوم التطبيقية بجامعة نزوى، من خلال استطلاع آراء اربع فئات: طلاب دارسون، ومتخرجون، و أكاديميون عاملون في التخصص، ومهنيون عاملون في المجال المهني.
يواجه خريجي الاعلام الرقمي نقصا عاليا في فرص العمل المناسبة لتخصصهم. وعلى سبيل المثال من ضمن 12 خريجا شكلوا عينة الدراسة، تمكن طالب واحد من العمل. ماهي الأسباب ؟ تباينت الآراء تبعا للفئات المبحوثة.
فيما يتعلق بالخريجين أعرب 66.7% منهم، عن اقتناعهم انهم لا يمتلكون المهارات اللازمة للصناعة، وقال 81.8% انهم لم يجدوا دعما كافيا من كليتهم في بحثهم عن الوظيفة، وأعرب 54.5% عن شعوره أنه غير مجهز جيدا للوظيفة. وفي معرض تفسير ذلك أوردوا الأسباب التالية : غياب التناسب بين التعليم وصناعه الاعلام، وعدم كفاءة الأساتذة ، والتقدم التقني السريع للصناعه خلال فترة الانتظار، وان الصناعة لا تعرف شيئا عن تخصصاتهم الجديدة، وأن معارفهم نظرية أساسا وينقصها الجانب العملي، وعدم معرفتهم بمتطلبات الصناعة وإهدارهم لوقتهم في برامج تدريبية لا يحتاجون مهنيا لها.
جاءت آراء الطلاب لتؤكد ، وتفصل الأسباب التي أوردها الخريجون. وكان أهمها أن أعوام التخصص غير كافية للإعداد للعمل، لإن التخصص يتم في آخر عامين من خمسه أعوام . وانهم يتعلمون مقررات كثيرة، ذات طبيعة نظرية وتفتقر للجوانب العملية التي تستلزمها الممارسة المهنية.
أنارت آراء المهنيين القائمين على أمر صناعه الاعلام الرقمي جانبا مهما من المشكلة. اذ انهم يعتبرون العامل الأساسي وراء انخفاض معدل تشغيل الخريجين هو حجم الصناعة ذاتها. هي أصلا صناعة شابة وصغيرة الحجم ، وقدرتها على استيعاب الخريجين محدودة جدا، في مواجهة عددهم المرتفع ، حسب رأيهم. وحتى في حدود تلك القدرة يجد القائمون على أمرها صعوبة في توظيف الخريجين الشباب. فهناك مهارات عملية وتقنية معينة تحتاجها الصناعة بشدة، لكنها لا تجدها متوفرة لدي القطاع الأكبر منهم، وما يجدونه معارف نظرية أساسا. ثم يحملون الكليات والطلاب مسؤولية هذا النقص.
فالكليات لا تتواصل بانتظام مع الصناعة، والتواصل لا يحدث الا عندما يأتي الطلاب بحثا عن عمل . وبالتالي لا تعرف الكليات ومعها الطلاب، شيئا عن خصوصيات مجال عملهم، ولاعن احتياجاتهم الواقعية، وفي المقابل لا يعرفون شيئا عن برامج الكلية ومسارت تدريبها لطلابها.
والطلاب من جهتهم لا يبذلون المجهود الكافي، لتطوير قدراتهم وامتلاك المهارات المطلوبة للعمل، حتى يمكنهم المنافسة على الفرص القليلة المتاحة.
ولكن للأساتذة رأيا آخر، فهم يرون أن برامجهم الدراسية جيدة ودولية المعايير، ومصممة لتلبية الاحتياجات المحلية، وأن الكلية مجهزة تقنيا بما يتيح فرص عملية متقدمة للتدريب، وأن الأساتذة يستوفون المعايير الأكاديمية الدولية. وفي المقابل يعترفون بنقطتي ضعف أساسيتين. الأولى: ضعف صلاتهم الاتصالية بالصناعة ، وبالتالي ضعف متابعتهم لاحتياجاتها، وضعف قدرتهم على تقديم طلابهم إليها.
والثانية هي : ضعف صلاتهم التشاورية مع طلابهم، بما يمكنهم من تطوير قدراتهم، والاختيار السليم لتخصصاتهم، وفهم احتياجات السوق وبالتالي فتح المجال المهني أمامهم .
ونحن اذا حللنا مسار تحليلات الدراستين السابقتين يمكننا الخروج منهما بنتيجة مضمونها أن مواجهة المشكلة يجب أن تجرى عبر ثلاثة مسارات متمايزة ومتكاملة:
مسار تنموي ينزع صوب استكمال مهام التنمية في بعديها الاقتصادي والإنساني، بما يضمن تحقيق اقتصاد حديث ومتنوع ومتوازن، واستكمال بناء القدرات البشرية العمانية القادرة على الإدارة الكفؤة والكاملة لكل قطاعات مجتمعها. ومسار قيمي وثقافي يسعى نحو تأصيل قيم المواطنة الاجتماعية في عمق الثقافة الوطنية.
هذه القيم وحدها هي القادرة على إقناع طالب العمل العماني على قبول انخفاض أجور القطاع الخاص، مقابل ان يتمكن من التعلم واكتساب الخبرة والسيطرة علي مؤسسات بلادة الاقتصادية. وهي وحدها القادرة علي دفع أرباب العمل الى الالتزام الطوعي والمخلص بسياسات قد تكون ماسة بمصالحهم المباشرة مثل حصص التعمين، والابتعاد عن تفضيل القوى العاملة الوافدة لكونها منخفضة التكلفة. وهي أيضا القادرة على تجذير روح الإبداع والتفاني العلمي والمتابعة للمستجدات والانغماس في التدريب والتجريب داخل الطلاب.
إلا ان مشكلة المسارين الأول والثاني ، انهما في حاجة لمدى زمني طويل نسبيا حتى يؤتيا ثمارهما، وحتى ذلك الحين لابد من المسار الثالث قصير الأمد. وهو مسار يقوم على المسؤولية المشتركة بين أطراف المشكلة الثلاثة، وإقامة منظومة مرنة فعالة بينهم للحوار، وتبادل المعلومات والخبرات ، واتفاق جماعي على أن دور الدولة الأساسي في حل المشكلة لم يعد توفير الوظائف بل رسم خطط الحلول وضمان الالتزام الأدبي والقانوني بها، والتفاوض وإعادة التفاوض حول السياسات المتبعة على ضوء المتغيرات ونتائج الممارسة، والشجاعة في انتهاج الإصلاح الجزئي للسياسات المعتمدة مثل سياسات التعليم.