الخوالدي: الصحبة أمر فطري يحتاجه الإنسان

فائدتها نفسية واجتماعية –
متابعة:  سيف بن سالم الفضيلي –
أكد فضيلة الشيخ خالد بن سالم الخوالدي عضو هيئة التدريس بكلية العلوم الشرعية أن الصحبة أمر فطري واحتياج إنساني وفائدتها نفسية واجتماعية، وأن الله جل وعلا جعل الإنسان محتاجا الى الآخرين حتى يستقر الوجود الإنساني في هذا الكون ويستمر هذا الوجود للقيام بمسؤولية الخلافة.

وشدد الخوالدي على أن مسألة حسن الخلق واختبار الشخص المراد مصاحبته لا بد أن يهتم به وكذلك تخبّرِهِ في دينه وفي عقله فهي شروط لا بد من تحققها في الصاحب.
وحذر الخوالدي في الجزء الأول من محاضرته عن «دستور الصحبة» من أن كثيرا من الناس فيما يتعلق بشأن الصحبة يرتكبون أخطاء ويتجوزون في الكثير من العلاقات فيها.
مشيرا إلى أن هذه التجوزات وهذه الأخطاء ربما تلحق في كثير من الأحيان الضرر بكثير منهم ولذا كان على الإنسان أن يكون دقيقا فيما يتعلق بهذا الأمر عارفا ما له وما عليه فيه، ضابطا له وفق قواعد راسخة متينة وأسس واضحة بينة يستطيع من خلال ذلك أن يستفيد من هذا المعنى الراقي أمورا تنفعه في أمور دينه وأمور دنياه ويتجنب أي أمر ربما يلحق به الضرر.
ونبه إلى أن جنوح الإنسان إلى التوحش والانطواء والنفرة من الناس يعتبر صورة من صور اختلال الشخصية.

تحدث الخوالدي بداية عن الصحبة: هذه اللفظة جليلة تحمل الكثير من المعاني السامية ولربما يقع كثير من الناس فيما يتعلق بشأن الصحبة في كثير من الأخطاء ويتجاوزون في الكثير من العلاقات فيها.
وهذه التجاوزات وهذه الأخطاء ربما تلحق في كثير من الأحيان الضرر بكثير منهم ولذا كان على الإنسان أن يكون دقيقًا فيما يتعلق بهذا الأمر عارفًا ما له وما عليه فيه، ضابطًا له وفق قواعد راسخة متينة وأسس واضحة بينة يستطيع من خلال ذلك أن يستفيد من هذا المعنى الراقي أمورا تنفعه في أمور دينه وأمور دنياه ويتجنب أي أمر ربما يلحق به الضرر.

لماذا يحتاج الإنسان إلى الصاحب؟ هل بالضرورة أن يجد الإنسان صاحبا؟

يقول فضيلة الشيخ: الله تعالى خلق الإنسان كما يقال مدنيا بطبعه اجتماعيا بفطرته فالإنسان بطبعه هو شخص بحاجة إلى غيره، نمط حياته طريقة حياته طريقة تعاطيه مع هذه الحياة تستوجب منه أن يتفاعل مع كثير من الناس لتلبية احتياجاته ورغباته.
فالإنسان- كما هو معلوم- يحتاج إلى من يعلمه إلى من يصنع له طعامه إلى من يبني له بيته إلى من يخيط له ثوبه وهكذا الإنسان لا يستطيع أن يأتي بكل ما يحتاج إليه.
وأضاف: الله جل وعلا جعل الإنسان محتاجًا إلى الآخرين حتى يستقر الوجود الإنساني في هذا الكون، ويستمر هذا الوجود للقيام بمسؤولية الخلافة.
ويتفرع عن كون الإنسان اجتماعيا بفطرته أن الإنسان بطبعه يحتاج إلى الإيناس وإلى زوال الوحشة عنه حتى انه يذكر أن اسم الإنسان مشتق من الاستئناس، ويحتاج إلى من يستطيع أن يبوح له بأحواله وأموره ومن هنا كان جنوح الإنسان إلى التوحش والى الانطواء والى النفرة من الناس صورة من صور اختلال الشخصية بل هي حالة مرضية يحتاج الإنسان معها إلى علاج حينما يبتعد الإنسان عن دنيا الناس لأن هذه الحالة ليست حالة صحية أو طبيعية، لذلك فإن الإنسان له مطالب نفسية تحتم وجود الصاحب له.
وأوضح فضيلة الشيخ: هنالك جوانب عملية تحتم وجود الصاحب له، والإنسان، وهو يشق غمار الحياة ويخوض تجارب الزمن بحاجة إلى عضد يسانده والى من يتحمل معه الأعباء والى من يقف معه في الملمات والى من يشد عضده في الأزمات وهذه الأمور بلا شك أن الصاحب يقوم بها باقتدار هذا جانب.
ويضيف: وجانب آخر من الجوانب العملية أن الإنسان بحاجة إلى من يبين له أخطاءه ويوضح له عيوبه ويبين له نواقصه وهذا الجانب جانب يحتاج الإنسان فيه إلى شخص صادق قادر على أن يقوم بهذه المسؤولية وخير من يقوم بذلك الصاحب وبجانب هذا وذاك أيضًا الإنسان بنفسه لديه نواقص كثيرة سواء في التجربة أو في الخبرة أو في الجوانب العقلية أو في الجوانب النفسية أو في الجوانب البدنية، ليس هناك شخص يحتوي هذه المجالات إلا الأنبياء الذين هم أكمل الخلق. فهو يحتاج إلى من يكمل هذا النقص سواء العلم أو الفهم أو التفكير أو التجربة وهذا كله خير من يقوم به الصاحب الصالح.
بالإضافة إلى انه أيضًا من الناحية العملية يحتاج إلى من يتعاون هو وإياه في إكمال الأعمال وفي القيام بالمسؤوليات وفي تحمل الشدائد والأزمات وخير من يقوم بذلك عنده الصحاب. إذاً الإنسان يحتاج إلى الصاحب فطرة.
ويشير فضيلته إلى أنه قد يقول قائل: الإنسان لديه أهل «أب وإخوة وأبناء» وهذه علاقة قارة وله عشيرة وأسرة هذه العلاقة بلا شك أنها علاقة يحتاج الإنسان إليها ولا يستغني عنها، لكنها في الحقيقة هي ارتباط قهري ليس للإنسان دخل فيه أو قدرة على الاختيار فيه أو تغييره وليس بالضرورة أن يوجد في هذه الارتباطات القهرية كافة احتياجات الإنسان فقد لا يجد الشخص مع أبيه كافة ما يحتاج إليه من احتياجات نفسية أو احتياجات عملية ولا يجد كذلك ربما مع أخيه في النسب كافة الاحتياجات التي يحتاج إليها قد يكون هنالك تباين حتى في الأفكار في الشخصية في الطبيعة مع انه أخوه وهكذا بالنسبة للبنوة.
اذا تحقق هذا التوافق والتعاضد فلا شك انه أمر حسن أن يجد الإنسان أبا وصاحبا في الوقت نفسه أخا نسبيا وهو صاحب في الوقت نفسه ذلك هو الفضل المبين.
وهذه العلاقات يستفيد الإنسان منها إلى حد كبير ولكن ليس بالضرورة أن يجد الإنسان فيها كل ما يناسبه من المشاكلة والتطابع.
بل قد يجد في شخص ليس لصيقا به في النسب من الطبيعة والأفكار والأخلاق الجوانب التي تناسبه ويحس انه يستفيد منها ويأنس بها ربما أكثر حتى من إخوانه النسبيين وهذا أمر معروف لا يجادل فيه أحد.

ما الذي ينبغي للإنسان أن يحرص على استحضاره واستقصاء وجوده حينما يريد أن يختار صاحبا يرتضيه ويحقق له المطالب من الحاجة إلى من يقف بجانبه من يشاركه في مشاعره وفي أحلامه وفي طموحاته ومن يعينه أيضا في الجوانب العملية فما الذي على الإنسان أن يهتم بوجوده في الشخص الذي يختاره ليكون صاحبًا له؟

ينبه الشيخ الخوالدي: نحن نتكلم عن صاحب مصطفى ومختار ولا نتكلم عن الإخوة الإنسانية العامة لأن الإنسان يحتاج إلى أن يعامل الناس جميعا بالحسنى ويتعامل معهم لأي سبب من الأسباب، قد يتعامل معه بسبب زمالة دراسة أو بسبب زمالة وظيفة أو زمالة رحلة أو طبيعة عمل أو اهتمام معين هذه أمور طبيعية أو تعامل في بيع أو شراء أو إلى ما إلى ذلك والإنسان لا يستغني عن الإحسان إلى الناس «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن» «وقولوا للناس حسنا» نحن لا نتكلم عن هذا.
نحن نتكلم عن الصاحب المختار وعلى أساسه لا بد أن تتحقق فيه أمور حتى تختاره صاحبا لك؛ أولها أن يكون عاقلًا، فالعقل سمي عقلا لأنه يعقل ويحجز صاحبه عن المساوئ والشخص العاقل يتعامل مع الأمور بوعي يتعامل مع الأحوال باعتدال وموازنة ويضع الأمور وفق موازينها الصحيحة سواء فيما يتعلق بالتصرفات أو الأعمال أو التعامل مع الناس، ولذلك يسعد الإنسان حينما يجد صاحبًا عاقلًا؛ لأنه يضيف عقل صاحبه إلى عقله.
أما الشخص الأحمق فإنه شخص بعيد تمام البعد عن الاعتدال والموازنة في فهم الأمور والتعامل معها والوعي بها فهو شخص تافه الفكر لا تستطيع أن تسترشد منه بشيء.
ولذلك قال بعض العلماء عداوة العاقل أهون عليك من مودة الأحمق أو الجاهل، فعداوة العاقل أقل عليك في الضرر من مودة الأحمق الجاهل. لأن الأحمق ربما يريد نفعك فيلحق بك الضرر يسلك في مسلك وهو يريد في ظنه وفي تقديره الأعوج انه يريد نفعك فيلحق بك الضرر بينما تجد الشخص العاقل حتى في حال عداوته وضرره يحجزه عقله عن التعدي فيه، فالشخص العاقل إذا ما عاد، عاد بعقله تخرجه معاداته عن عقله؛ لأنه يزن الأمور بموازين العقل فحتى في معاداته لك لن يخرج عن دائرة التعقل أما الشخص الأحمق فإنك لا تأمن بماذا سوف يفاجئك ولا تحسب ما سوف يأتيك من قبله لان ليس هنالك موازين يزن بها تعاملك معه لا في المودة ومن باب أولى أيضًا في العداوة.
ثم تطرق فضيلته إلى الأمر الثاني وهو «الدين»، من اهم الأمور التي يحرص الواحد منا على تحققها في الشخص الذي يصاحبه أمر الديانة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا على ذلك وينبهنا على خطورة الشخص المنحرف فيقول «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» ويقول «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ويقول مبينًا خطورة ومضرة الصاحب السيئ «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة» في كل حال الشخص السيئ ستجد منه المضرة والشخص الفاسق غير مؤتمن على حرمات الله وهو ربه الذي خلقه فسواه فعدله الذي بيده موته وحياته فكيف يؤتمن على حرمات العباد.
ويتساءل فضيلته: كيف يمكن أن يأمن الإنسان على نفسه حينما يجعل نفسه مصاحبًا لشخص منحرف، بل قد يكون هذا الشخص المنحرف سببا في انحرافه هو فالإنسان يتأثر بمن يخالط بمجرد النظر إليه وبسماع حديثه حتى ولو لم يأمره بمنكر أو ينهاه عن معروف.
مثلا أرأيت لو الشخص صاحب شخصًا فاحش اللفظ يأتي بالفحش وكأنه يشرب ماء يذكر العورات بأقبح ألفاظها ويسب الناس بأقذع الألفاظ واقبح الصفات، حتى ولو لم يتكلم هذا الشخص أو لم يأمر هذا الشخص صاحبه بشيء من الشر والفساد إلا هذا لكفى في إفساده.
فإن الإنسان يستبشع الفحش ابتداء، لو أن شخصًا سمع لأول وهله شخصًا آخر يتكلم بكلام فاحش بذيء إلا يستشنع ذلك الكلام منه أو يستقبحه؟ يستقبحه هذا أمر معروف؛ لكنه لو سمعه مرة أو مرتين وثلاث هل سيكون ذلك الاستبشاع والاستقباح لذلك الشر مثل الاستبشاع والاستقباح الذي كان عليه في المرة الأولى، أو يكون أقل؟ يكون أقل بلا شك. فكيف إذا كان يصاحب شخصا هذا ديدنه في الكلام، أولن يستهين الإنسان بالمعصية أو لن تهون في قلبه هذه المعصية أو لن يستشعر بأنه أصبح غير منكر لها -عياذا بالله- هذا بسماع الكلام فكيف إذا ما كلمه وهكذا إذا ما نظر إلى الشخص الفاسق ماذا سوف يرى؟ سيرى انتهاكًا للحرمات سيرى تعديًا للحدود، يصلي وهو يعبث في صلاته، يراه يشتري ويسرق، ويراه يبيع ويغش، الذي يراه أمامه حتى ولم يقر هذا الأمر بلا شك انه يؤثر في الشخص.
بل أن الصاحب السيئ الفاسق لن يكفيه أن يظهر فسقه لصاحبه بل سيعمل على جره إلى الفسق حتى يتخلص من وحشة الانفراد بالذنب ولا يريد أن يكون متفردًا في الذنب وإنما يريد أن يكون له شريك فيها حتى يأنس بتلك المشاركة.
يفسده ليذهب الوحشة الحاجز الذي يكون بينه وبين نفسه لان بين الخير والشر ستور، وحواجز لا يظنن الإنسان أن الذنب متاح للإنسان مباشرة بل أن بينه وبين الذنب حجب، ولكن الإنسان ينتهك تلك الحجب حجابًا بعد حجاب حتى يصل إلى الذنب هذه الحجب يسعى الصاحب الفاسق لإزالتها بينه وبين صاحبه حتى يشاركه فيما هو فيه.
إذا في الحقيقة أن الإنسان لا يستفيد من الصاحب الذي يكون فاسقا بل يستفيد من الصاحب الذي يكون دينا ولذلك لا بد أن يحرص على التزام الصاحب بدينه.
الأمر الثالث هو حسن الخلق، لا بد أن يحرص الإنسان على أن يكون الصاحب الذي يصاحبه حسن الخلق لا يكفي الدين مع سوء الخلق ولا يكفي العقل والدين مع سوء الخلق لان سيئ الخلق لا يطابع ولن تصل معه إلى بعيد وربما يبيعك بثمن بخس في أدنى مساومة.
ويذكر الخوالدي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حال التزويج كان يقول إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» ما قال من ترضون دينه فزوجوه ولكن قال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، أولا يلزم في الديانة أن يكون الإنسان حسن الخلق، الأصل أن يلتزم الإنسان بحسن الخلق، لكن قد يكون الإنسان مطبوعًا على بعض الأخلاق وراثة وتربية وتنشئة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يطبع المؤمن على الخلال كلها غير الخيانة والكذب» ليست من صفات المؤمن الخيانة وليست من صفاته الكذب، ولكن يطبع على خلال أخرى «أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا.
فيمكن أن تكون صفات هذا الشخص قد ورثها وجرت في الجينات كما يقال أو اكتسبها من خلال التربية يسوء بها خلقه مثلا قد يكون دينا لكنه شحيح ماسك للمال،سافر معك فيجب عليك أن تكفله، وسافرت معه فيجب عليك أن تكفله، وقد يكون جبانًا ليست فيه جرأة ولا شجاعة يوعدك أن تسيروا في مهمة من المهمات، ويرى الأمور غير مناسبة له فيهرب عنك في آخر لحظة ويتركك. أو مثلا شخص طبعه شرس لا يصاحب شخصا فيه طمع لا يعامل بالدينار والدرهم والمصالح مصلحته تقدم، هكذا تجد الخلال في بعض الأحيان في الأخلاق.
فالصاحب الذي تختاره صاحبًا لا بد من أن تتأكد من حسن خلقه مع ديانته، فحسن العقل لا يغني عن حسن الخلق؛ لان العقل هو ضبط وموازنة وحسن تدبير، لكن هذا التدبير كله هو يعرفه تمامًا إلا أن طبعه سيغلب عليه الهوى ويتبع هواه ولا يتبع عقله بسبب سوء خلقه.
مثلا العقل يرى أن هذا صاحب له حق عليه، وهو يمر بأزمة ويحتاج إلى أن أقف بجانبه، وقد وقف بجانبي مرات ومرات وأكرمني عدة مرات وعندي سعة لذلك فحسن التدبير يقتضي منه أن يقف بجانبه ويساعده لكن الطبع سيغلب عليه فيتبع في آخر الأمر الشح الذي فيه، ما دام فيه شح سيغلب على ذلك العقل فيتبع هوى الطبع ويركل تدبير العقل.
قد يكون عنده ديانة؛ ودينه يحجزه عن كثير من الشر، عنده عقل لكن فيه خصلة ذميمة من جبن مثلا تجد أنه يشخص لك الأمور ويوضح لك الطريق التي تسير فيها ويدبر لك الأحوال ويعدك بالتنفيذ ولكن حينما يحزب الأمر وتحتاج إلى أن تدخل في الأمر الذي انت بصدده «قال إني بريء منك» ويذهب عنك ولا يفيدك؛ لأنه جبان مضطرب مع أنه يكون صاحب ديانة وعقل.