علينا أن نغير طريقتنا في الكلام عن كوريا الشمالية

واشنطن بوست – يوجين روبنسن –
ترجمة : أحمد شافعي –
أملي في العام الجديد ألا تخطئ الولايات المتحدة وتضل طريقها فتتسبب في حرب مأساوية لا داعي لها. وأكثر ما أخشاه هو أن إدارة ترامب قادرة على فعل هذا تحديدا.

أعترف أنني لم أنتبه بالقدر الكافي إلى الخطاب الكارثي المتزايد من الإدارة بشأن تهديد كوريا الشمالية النووي. ولست أتكلم هنا عن تغريدات الرئيس ترامب التي يطلق فيها على كيم يونج أون لقب «رجل الصواريخ الصغير» مستهزئًا فيها بوزنه. إنما أعني تصريحات مسؤولين من قبيل إتش آر مكمستر، مستشار الأمن الوطني للرئيس ترامب، الذي لا يشتهر ـ خلافا للرئيس ـ بثرثرته الخالية من المعنى.
لقد قال مكمستر في منتدى الدفاع الذي أقيم الشهر الماضي إن احتمال الحرب مع كوريا الشمالية «يتزايد كل يوم». وأعلن في محفل عام آخر أن «الوقت ينفد» أمام التوصل إلى حل سلمي. وقال في حوار مع شبكة سي بي إس «إنني لا أعتقد أن بوسعنا التسامح مع هذه المخاطرة» المتمثلة في امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية مع صواريخ بالستية متطورة.
الأمر المنذر بالخطر هو أن الوضع الذي يرى مكمستر أنه لا يمكن التسامح معه هو الوضع القائم فعليا اليوم. وفي حين أنه يحذر من نفاد الوقت المتاح للتوصل إلى حل سلمي لإنهاء الوضع الراهن، فإنه يقول أيضا إنه «لا يمكن إقامة مفاوضات في ظل الأوضاع الحالية».
وأخشى أن الولايات المتحدة ـ في ظل هذا الخطاب الإطلاقي ـ تستبعد الخيارات الواقعية للسلام وتضعنا على طريق قد ينتهي بنا بلا رحمة إلى الحرب.
لن يفلح تهديد مهما بلغ حجمه في حمل كيم يونج أون على تسليم أسلحته النووية لأنه ينظر إليها باعتبارها سياسة أمن. ولقد رأى مواطنو كوريا الشمالية الرئيس الليبي معمر القذافي والرئيس العراقي صدام حسين يتخليان عن طموحهما النووي، فانتهى الحال بكليهما بين مخلوع ومقتول. وكيم يونج أون لا ينتوي أن يرتكب نفس الغلطة.
لقد أجرت كوريا الشمالية أول اختبار لأسلحتها النووية بينما كان جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة، وأجرت أربعة اختبارات في أثناء وجود باراك أوباما في الحكم، وأجرت اختبارا آخر في أثناء ولاية ترامب. وبقيت سياسة الولايات المتحدة ثابتة طوال تلك الفترة: فهي سياسة تحذيرات وعقوبات ومزيد من التحذيرات ومزيد من العقوبات، ومحاولات لإجراء محادثات متعددة الأطراف، وبقيت السياسة عقيمة بصورة لافتة.
فما نفع أن يقول مكمستر إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتسامح مع ما تتسامح معه فعليا؟ إن لدى كوريا الشمالية أسلحة نووية وصواريخ بالستية بعيدة المدى، وربما تكون أو لا تكون قادرة على تركيب رأس نووي في صاروخ وإطلاقه بدقة. ولو أن الولايات المتحدة شنت هجوما لمحاولة تدمير هذه الأسلحة أو الاستيلاء عليها، فمن شبه المؤكد أن نظام كوريا الشمالية سوف يستطيع الرد بما يسفر عن مصرع الآلاف أو ربما الملايين.
أنني أفهم السبب الذي جعل كل إدارة في الولايات المتحدة غير راغبة في أن تكون هي الإدارة التي قبلت حقيقة انضمام كوريا الشمالية إلى النادي المقصور على الدول ذات الترسانات النووية. لكن هذه في الحقيقة مسألة أمر واقع. وعلى ترامب ومستشاريه أن يتعاملوا مع الواقع كما هو بدلا من تعاملهم مع الواقع كما يحلو لهم أن يكون.
على مكمستر وغيره أن يحددوا وضع كوريا الشمالية باعتباره خطرا يجب تحسينه وأن يتوقفوا عن الكلام الذي يجب ادخاره للحظة الأزمة التامة. فالخطر أمر قابل للتعامل معه بمرور الوقت. في حين تقتضي الأزمة رد فعل فوريا، وفي الوقت الراهن ما من خيارات جيدة.
يحسب لوزير الخارجية ريكس تيلرسون أنه يحاول تهدئة الأجواء. بل إنه اقترح البدء في محادثات مع كوريا الشمالية بدون شروط مسبقة، وإن سارع البيت الأبيض بالقضاء على تلك البداية. ومن المؤكد أن تيلرسون هو المصيب في ما تدفعه إليه غريزته: لنلتزم الهدوء، ولنكف عن الصياح، ولنبدأ في الكلام.
إن الحل الواضح هو نوع من الصفقة الناجمة عن تفاوض، صفقة تجمد برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية عند مستويات معينة. وهذا يعني قبول الإدارة بما تقول حاليا أنه غير مقبول، ولكنه يجنبنا الوصول إلى ما لا يتصوره العقل: المجزرة التي لن تترك بيونجيانج وحدها، بل وكثيرًا من سول، وربما طوكيو، خرائب ينبعث منها الدخان.
ينبغي على شخص ما أن يذكر ترامب أنه تعهد في حملته الانتخابية بإنهاء دور أمريكا كشرطي العالم الوحيد. لقد سمح الرئيس منذ توليه السلطة بإسلام نفسه لقيادة الجنرالات المحيطين به: مكمستر، ورئيس الأركان جون إف كيلي ووزير الدفاع جيم ماتيس، وهذا أمر جيد بصفة عامة. ولكنني قلق من الطريقة التي يتكلم بها الجنرالات عن كوريا الشمالية.
ويجب أن يذكر أحد الكونجرس بمسؤوليته الدستورية. فالكونجرس -وليس الرئيس- هو المخول بإعلان الحرب، وبمد خط هذه السلطة، يصبح الكونجرس هو المخول أيضًا بتجنب الحرب.
على الجميع أن يخفضوا من درجة الحرارة ويبدأوا الحديث بطريقة عقلانية عن الأهداف القابلة للتحقيق. فما من شك في أن هناك خطأ ما، حين لا يكون خطاب بيونج يانج أقل استفزازا إلى الحرب من الخطاب الذي نسمعه من واشنطن.