حتى لا تبتلع إسرائيل القدس الشرقية

د.فالح حسن الحمراني –
كاتب من العراق يقيم في موسكو –
Sanin777@hotmail.com –
تسارع إسرائيل بشتى الوسائل إلى استثمار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها، لفرض واقع جديد على جغرافية المدينة وتزوير تاريخها العريق. وعجلت الكنيست الإسرائيلية وصادقت مؤخرًا في جلسة بالقراءة الثانية والثالثة على تعديل ما يسمى بقانون «القدس – عاصمة إسرائيل» لعام 1980 وتجاهلت كافة التحفظات عليه حتى في إسرائيل نفسها. ويقضي التعديل بأنه لا يكفي وكالسابق بالتصويت بأقلية طفيفة (61 نائبًا) في الكنيست من أجل القيام بأية تغيرات في وضع القدس أو وضع أي جزء منها في إطار اتفاقية مع جهات خارجية، تحت أية سلطة غير إسرائيلية إلا بموافقة الغالبية العظمى أي 80 عضوًا في الكنيست. ومن الصعب ان نتصور حشد 80 نائبًا في ظل أية حكومة إسرائيلية يسارية كانت أم يمينية، لدعم أو إحباط هذا القرار أو ذلك. وفي ظل توازن القوى الحالي في إسرائيل وميول الشارع المؤيد لليمين المتطرف، فقد حسمت تل أبيب لنفسها قضية «القدس الموحدة» المزعومة كعاصمة لإسرائيل وغير قابلة للنقاش!.

وصوت لصالح التعديل الاستفزازي 64 نائبًا وضده 51، فيما امتنع نائب واحد عن التصويت. وبهذا فإن إسرائيل اتخذت خطوة جديدة تجاوزت بها القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية والمطالبة الدولية بعدم استباق اتفاقات الحل النهائي التي يجب ان تتم فقط مع الجانب الفلسطيني، التي ترتسم خلالها خارطة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية (وفقا لقرار منظمة الأمم المتحدة) وتخطيط الحدود بين الدولتين: إسرائيل وفلسطين. وتجاهلت إن المجتمع الدولي ينظر إلى الجزء الشرقي من القدس على أنه فلسطيني وأنه محتل بصورة غير مشروعة، وهو ما ينعكس في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. إن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل يضع حدا لآمال الفلسطينيين في إقامة دولتهم.
إن الوضع المترتب على ذلك يستدعي من الدول العربية والإسلامية، وكل من يحترم القانون الدولي، التحرك بأسرع ما يمكن، وعدم وضع المسألة في صندوق البروتوكولات والانشغالات بالشؤون الخاصة، فإسرائيل تراهن على أنها تؤسس لوضع كافة الأطراف المعنية بهذا المستوى أو ذاك في قضية القدس «أمام الأمر الواقع». وتقوم من طرف واحد بخصخصة المركز الروحي العالمي الذي تمثله القدس.
ونحن إذ ننطلق من أن كافة العواصم والأمم العربية والإسلامية والعالم المسيحي معها معنية بوضع القدس، وأنها ساعية بمصداقية وجدية لإحباط الخطط الإسرائيلية الخطيرة، فنرى أن الخطوة الأولى التي ينبغي أن تتخذ على هذا الطريق: هو العمل العربي /‏‏ الإسلامي المشترك وبدعم من القوى الخيرة بهذا الاتجاه. إن الوضع يتطلب أن تتحول قضية القدس الشرقية إلى ساحة للقاء بين الجميع، لكونها قضية تستحق أن توضع فيها الخلافات بين دول العالم الإسلامي ومن ضمنه البلدان العربية جانبًا، والعمل على تخفيفها أو تجفيفها، أو حتى الإبقاء عليها، ولكن إظهار العقلانية والمرونة والتلاقي كأخوة وأشقاء وأبناء دين واحد وقضية واحدة حينما يدور الكلام عن مسالة القدس الشرقية وضياعها. وهذا ممكن وضروري. إن إتاحة الفرصة لإسرائيل لابتلاع القدس الشرقية، سيعود على الجميع آجلا أم عاجلا بالكوارث وتخلق تهديدا للهوية العربية/‏‏ الإسلامية/‏‏ المسيحية وحرمانها من واحدة من مقدساتها ومكون من تراثها الأصيل. وبالتالي تنسحب على المجالات الأخرى: السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي والاقتصاد والتطوير المستدام…الخ.
وفي ظل هذا الوضع من المفترض تكثيف الدعم للسلطة الوطنية الفلسطينية. إن بمقدور دول العالمين العربي والإسلامي وبالتكاتف، ان تعوض للسلطة الوطنية عن المساعدات المالية التي أوفقتها الإدارة الأمريكية، بل وزيادتها بما من شأنه أن يتيح للعمل الفلسطيني المقاوم لتهويد القدس ان يكون أكثر حيوية وفاعلية وان تكون مؤثرة وملموسة. علاوة على شد أزرها في مساعيها الدبلوماسية وانضمامها إلى المنظمات الدولية وفي كل خططها الأخرى ذات الصلة بإحباط خطط إسرائيل.
وفي هذا الإطار من المهم إحياء عمل لجنة القدس «المؤسسة العربية/‏‏ الإسلامية» التي انبثقت عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1975، وترأسها المغفور له العاهل المغربي الملك الحسن الثاني، وكانت مهمتها حماية القدس الشريف، من خلال التصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية إلى طمس الطابع العربي الإسلامي للقدس. ولكن وفي إطار التطورات يمكن ان تضاف لها برامج وأهداف جديدة. إن لجنة القدس بهيئتها المتجددة، يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في تنظيم التحرك العربي /‏‏ الإسلامي على مختلف الاتجاهات، وتوسيع نشاطها ليشمل العمل على إحياء الاهتمام العالمي بتسوية المشكلة الفلسطينية، ومن المفترض توسيع قوام المؤسسة وتنويع أنشطتها بما في ذلك عقد المؤتمرات والندوات في الساحات العالمية، على مختلف المستويات، حيث ستلعب الطاقات العربية/‏‏ الإسلامية كل في مجالها لتحقيق أهداف موحدة.
وتلوح المواجهة بين إسرائيل والعالمين العربي والإسلامي غير متكافئة، وثمة أسباب موضوعية وذاتية لهذه الظاهرة. إن تجاوز هذا الوضع يتطلب توسيع جبهة المواجهة مع تل أبيب. وضمن هذه المساعي من الضروري بمكان منح القضية بعدًا دوليًا وكسب أكبر عدد ممكن من الدول التي تتعاطف مع القضية الفلسطينية أو التي تنطلق من احترامها للقانون الدولي وضرورة الالتزام وتطبيق قرارات مجلس الأمن، فضلا عن الدول التي تصوغ مقارباتها من قضية القدس من منطلقات دينية، واعتبار المدينة مركزا روحيا لممثلي الأديان السماوية الثلاثة وليس فقط لأبناء الدين اليهودي.
إنَّ الوضع المترتب يستدعي تنقية الأجواء الإقليمية المتفاقمة من أجل قضية مدينة القدس الشرقية، وإعادة النظر بالعلاقات العربية بإيران وبتركيا وتحسينها وشحنها بروح التعاون البناء، وتفعيل أدوار الدول الإقليمية الأخرى لاسيما باكستان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها، للتحرك بروح تضامنية واحدة. والاستفادة الى حد كبير من مواقف الصين وروسيا المتعاطفة مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة، واحترامهما للقانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ودعمهما التسوية الشرق أوسطية على أساس الدولتين بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. والأهم هو أن توضع كافة القرارات العربية/‏‏ الإسلامية والدولية بشأن القدس الشرقية موضع التنفيذ لا أن تبقى حبرًا على ورق وتروح في مهب الريح ، كما حدث من قبل.