الترويض المتبادل بين واشنطن ومجلس الأمن

د. عبدالعاطى محمد –

خلال فترة قصيرة خاضت الولايات المتحدة معركتين دبلوماسيتين مع مجلس الأمن، الأولى على خلفية قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص وضع القدس حيث رفض المجلس القرار، والثانية بخصوص الوضع الداخلي في إيران حيث عجزت الولايات المتحدة عن دفع المجلس للتدخل. وكلاهما يصلحان عنوانا لمرحلة من الترويض المتبادل أو صراع الإرادات بين الطرفين.
الحدثان شغلا الاهتمام العالمي لما لهما من تأثير على استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط ولأنهما مؤشران عمليان على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية بعد أن تم إعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي استقبلتها الدول الأخرى الكبرى بقدر من القلق والتحفظ وفي حالات أخرى بالاستياء، إلا أن وجود مجلس الأمن طرفا في كل منهما واتخاذه الموقف المخالف لما كانت تهدف إليه الولايات المتحدة طرح إشكالية جديدة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الطرفين في المرحلة الراهنة، حيث التباين الواضح في قراءة التطورات الساخنة التي يشهدها عالم اليوم, ورغبة كل منهما في أن يفرض إرادته على الآخر ليس فقط دفاعا عن المبادئ كما يراها كل منهما، وإنما بالأساس عن المصالح والرؤية السياسية لهذه التطورات.
من حيث المبادئ كان مجلس الأمن محقا إلى حد كبير عندما أجمع 14 عضوا من أعضائه الـ15 على رفض قرار ترامب الذي تضمن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وذلك دفاعا من المجلس عن مصداقيته الدولية ومسؤوليته في حفظ السلم والأمن الدوليين، خصوصا أن له قرارات واضحة جدا في هذا السياق وما كان على الإدارة الأمريكية أن تتجاوزها. ولكن المجلس ذاته لم ينصف القضية الفلسطينية منذ عام 1948، ولم يتصدى عمليا (وفقا لميثاق الأمم المتحدة) للممارسات الإسرائيلية العدوانية المتواصلة منذ ذلك الوقت، ولم ينه الاحتلال الإسرائيلي، ولم يقم بواجبه الذي يمليه عليه الميثاق في الأزمات الأخرى المعاصرة سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن. في كل ما سبق احتكم مجلس الأمن لتوازنات القوى الدولية والمصالح المرتبطة بها أو للواقعية السياسية لا للمبادئ.
ولأن هذه الواقعية السياسية ذاتها بما هي عليه من إجحاف في التعامل مع قضايا المنطقة، لم تجد أذانا صاغية داخل مطبخ الإدارة الأمريكية انتفض مجلس الأمن ضد قرار ترامب تمسكا بإرادته الدولية من ناحية، وممارسة ضغط سياسي قوي على الإدارة الأمريكية لترويض سياستها الخارجية الجامحة من ناحية أخرى. ومن المؤكد أن بقية أعضاء مجلس الأمن كانوا يدركون جيدا أن الولايات المتحدة ستستخدم حق الفيتو، ومع ذلك أصروا على اتخاذ موقف صارم ضدها حتى لا يصبح قرار ترامب سابقة دولية تبرر للآخرين انتهاك القواعد الدولية، ولكي تتراجع واشنطن مستقبلا عن رؤيتها للعالم وقضاياه الساخنة. ومن المنطلق نفسه، أي الترويض وفرض الإرادة، وليس القطيعة والمواجهة «الصفرية»، جاء قرار الجمعية العامة حاملا موقف مجلس الأمن نفسه الذي تركز على عدم الاعتراف بأن يكون لقرار ترامب شرعية على أرض الواقع (لا تغيير في وضع القدس قبل الحل النهائي). وكان بإمكان الجمعية العامة أن تزيد على هذا الموقف بأن تعلن عدم استمرار الدور الأمريكي في عملية السلام بحكم أنه لم يعد حياديا بل منحازا لإسرائيل، ولكنها لم تفعل وتركت الباب مفتوحا للدور الأمريكي، لتنتهي قصة المواجهة في مجلس الأمن بخصوص هذه القضية إلى أنها عنوان لمرحلة من صراع الإرادات والترويض المتبادل بين الطرفين.
الموقف ذاته تكرر في واقعة الدعوة الأمريكية لمجلس الأمن للتدخل في الأوضاع الداخلية الإيرانية ولكن مع الفارق. وقد اتخذت القصة هذه المرة أيضا طابع الدفاع عن المبادئ من حيث الظاهر والمعلن سواء من جانب الإدارة الأمريكية أو من جانب الأطراف الدولية الأخرى الأعضاء في المجلس، بينما هي مشهد جديد لصراع الإرادات والترويض المتبادل بين المجلس والولايات المتحدة في ظل رئاسة الرئيس ترامب.
الإدارة الأمريكية استندت إلى الميثاق وحالات دولية سابقة لتبرير دعوتها هذه، وفي المقابل رد المعترضون بتفنيد الحجج الأمريكية. الفقرة الأولى من المادة الرابعة والعشرين من ميثاق الأمم المتحدة التي تحدد مهمة مجلس الأمن تقول: (رغبة في أن يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعا فعالا، يعهد أعضاء تلك الهيئة إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدولي ويوافقون على أن هذا المجلس يعمل نائبا عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات).
وتقول الفقرة الثانية: (يعمل مجلس الأمن، في أداء هذه الواجبات وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها والسلطات الخاصة المخولة لمجلس الأمن لتمكينه من القيام بهذه الواجبات مبينة في الفصول 6 و7 و8 و12 (تشير إلى الإجراءات بهذا الشأن). وقد تعمد واضعوا الميثاق أن يجعلوا الصياغة فضفاضة وغير محددة تماما لكي يفسحوا المجال للأعضاء في تحديد ما يعد تهديدا للسلم والأمن الدولي وفقا لظروف كل مرحلة وطبيعة كل أزمة أو تهديد. وقد استقر العرف الدولي على مؤشرات محددة لما يمكن أن يعد تهديدا للأمن والسلم الدولي كوقوع الحرب بين دولتين أو أكثر أو حدوث إبادة جماعية في حالة ما إذا كان الموضوع مرتبطا بحرب أهلية في دولة ما. ولم تستطع الولايات المتحدة توفير الأغلبية المطلوبة لعقد جلسة يتم فيها مناقشة الوضع الداخلي الإيراني واتخاذ موقف دولي بخصوصه واقتصر الأمر على جلسة تقدم فيها بعض الأعضاء بإفادات عن الوضع فقط. وكان المطلوب هو الحصول على موافقة 9 أعضاء من الـ15 عضوا لتقرير عقد جلسة أم لا بوصفه قرار إجرائي لا موضوعي، وهو ما لم يتحقق.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد بررت طلبها بأن الوضع الداخلي الإيراني يهدد الأمن والسلم الدولي استنادًا لتفسيرها هي، وبنظرة إلى الصياغة الفضفاضة للمادة المتعلقة بمسؤوليات مجلس الأمن، يستطيع صانع القرار الأمريكي بأن يدافع عن رؤيته بالإشارة إلى حالات سابقة بررت التدخل من المجتمع الدولي كالاستشهاد بما حدث مثلا في سوريا حيث هددت أزمتها الداخلية الأمن والسلم بالمنطقة، وهنا قالت نيكي هيلي مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن إن ما جرى في إيران يمكن أن يكرر فيها الحالة السورية. ويمكن له أيضا أن يرجع إلى الماضي البعيد نسبيا مستذكرا حالة البوسنة والهرسك (الحرب بين 1992 و1995).
ولكن أيا من هذه الأمثلة لا تنطبق من قريب أو بعيد على الوضع الداخلي الإيراني الذي دفع واشنطن للطلب من مجلس الأمن التدخل. فقد جاءت الاضطرابات شأنا داخليا محضا ولم يظهر منها ما يؤشر على أنها تمتد بآثارها إلى الدول المجاورة، ولكل ذلك كان من الجلي أن الطلب الأمريكي لن يجد أذانا صاغية عند بقية الأعضاء في مجلس الأمن حتى أنه لم يكن بالإمكان مجرد عقد جلسة لاتخاذ موقف.
وقد اعتبر المندوب الروسي الطلب الأمريكي إساءة لاستخدام مجلس الأمن من جانب الولايات المتحدة، وهو تقدير صحيح من حيث المبادئ لأنه يدفع بالمجلس إلى تصرف ليس من مهامه، وتساءل هو ومندوب فنزويلا: أين ما يهدد الأمن والسلم الدولي في الموضوع الإيراني؟!. ولكن هذه الواقعة تبدو أكثر دلالة من واقعة القدس فيما يتعلق باتساع المسافة بين رؤية الولايات المتحدة لسياستها الخارجية ورؤية الدول الأخرى الكبرى في مجلس الأمن في التعامل مع التطورات الساخنة المعاصرة، وأشد تعبيرا عن مرحلة الترويض المتبادل للمواقف والسياسات بين واشنطن ومجلس الأمن. الولايات المتحدة تنظر للعالم الخارجي الآن على أنه عالم موحش بالنسبة لها ممتلئ بالمخاطر والتهديدات، وعليه فإنها لا ترغب في مد جسور التعاون المتبادل. باتت تخشى من دول ومصادر عديدة تعتبرها خطرا على أمنها القومي سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، وتركز على تحقيق التفوق في التنافس الدولي الراهن. وبما أن الأمر كذلك فلم يكن مستغربا أن يشهد مجلس الأمن هذا التباعد في التقديرات والمواقف بين واشنطن وبقية الأعضاء، فكل منهما يريد ترويض الآخر بما يجعله يستجيب لإرادته ورؤيته للعالم.