بوادر التعافي والسير نحو تجاوز التحديات المالية

أحمد بن سعيد كشوب –
رئيس قطاع الاستثمار للأسواق المالية – الشركة العمانية لتنمية الاستثمارات «تنمية» –
إن وضع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يتطلب توفير قانون خاص لها، وإيجاد آلية لتوحيد كافة الجهود التي تقوم بها الجهات الحكومية والخاصة حتى تحقق الأهداف المرجوة منها. ويمكن ذلك من خلال مجلس إدارة تشترك فيه كل المؤسسات الداعمة.

إن واقع الاقتصاد العالمي يتجه نحو التعافي الحذر من خلال تحسن مؤشرات قطاعات الاستثمار والصناعة والتجارة الدولية، وهذا يساهم بلا شك في تعزيز الثقة في نمو الاقتصاد العالمي، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي من المنتظر أن يصل معدل النمو العالمي في عام 2018 إلى 3.7% ولكن رغم ذلك مازال هناك ضعف لدى الكثير من الاقتصاديات بسبب الظروف الجيوسياسية وتراجع النمو والعجوزات، والتذبذب في بعض العملات الرئيسية مثل اليورو وفي سلع استراتيجية مثل الذهب، كما ستشهد أسعار النفط تقلبات كثيرة وربما تكسر حاجز 70 دولارًا للبرميل.
مع كل تلك المعطيات ورغم عدم وضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد العالمي الا أن السلطنة تمكنت من تحقيق نجاحات عدة، أولها عبور ثلاث سنوات من الأزمة بسلام من خلال إدارة العجلة الاقتصادية والمالية بحكمة، والمحافظة على مؤشرات أداء جيدة، وهذا ما ساعدها في الانتقال لعام الخروج من عنق الزجاجة بحكمة، حيث من المتوقع تحقيق معدل نمو إيجابي للاقتصاد بنسبة 3% من خلال تحسن أسعار النفط وتحسين البيئة الاستثمارية والتنويع الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق تم وضع أهداف الموازنة العامة وهي البرنامج المالي التنفيذي السنوي لأهداف الخطة الخمسية وتم تقدير الإيرادات والنفقات وتوقعات العجز في موازنة 2018 والتي تهدف لتحقيق عديد من الأهداف الاستراتيجية أهمها:

أولا: الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة ويتمثل ذلك في مجموعة من العناصر منها الاستدامة المالية وتقليص المخاطر واحتواء مستوى العجز عند المستويات الطبيعية بما لا يتجاوز 10% من الناتج المحلي، والمحافظة على مستوى السيولة المحلية عبر التركيز على الاقتراض الخارجي وتنشيط الإيرادات غير النفطية ورفع مساهمتها في إجمالي الإيرادات العامة، مع استمرار السياسات التي تستهدف الحد من تنامي الدين العام.

ثانيا: رفع معدل النمو الاقتصادي
تحقيق معدل نمو 3% وضبط معدل التضخم على النحو الذي يحافظ على مستوى دخل الفرد، وتوفير الاعتمادات المالية لكافة الوحدات الحكومية، والحفاظ على مستويات المصروفات الاستثمارية بما يعزز عملية التنويع الاقتصادي، مع تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والاهتمام بتوفير الدعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ثالثا: استقرار المستوى المعيشي للمواطنين
حيث تم تخصيص 3.9 مليار ريال عماني لقطاع التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية والتوظيف والتدريب من خلال الصندوق الوطني للتدريب.
وتعتمد تقديرات الموازنة للعام الجاري على تقدير متوسط لسعر النفط عند 50 دولارًا، وتم رفع تقديرات الإنفاق العام إلى 12.5 مليار ريال بزيادة 800 مليون ريال عن الإنفاق المتوقع في 2017، وبناء على تقديرات سعر النفط فان إجمالي الإيرادات التقديرية هي 9.5 مليار ريال بزيادة تبلغ 3% عن الإيرادات المتوقعة في موازنة 2017، ولا تزال إيرادات النفط والغاز تمثل 70% من الإيرادات العامة، وغير النفطية تمثل 30% منها 16% من الضرائب والرسوم الجمركية، وتم احتواء العجز المالي المتوقع عند 3 مليارات ريال عماني ، وهو ما يمثل مستويات اقل من العجز المسجل خلال سنوات أزمة تراجع النفط، لكن في ظل تراكم الدين العام والعجوزات وخدمة الدين عبر سنوات الأزمة فإننا بحاجة إلى إدارة مالية متخصصة في إدارة الدين العام بحيث يمكن تجنب أي تأخير أو تأجيل للالتزامات المالية خاصة مع كون السلطنة لم يحدث لها أن تأخرت في دفع أي التزامات، ونؤكد على انه رغم بوادر التعافي الآن إلا أنه يجب تخصيص جانب من الفائض ليغطي كافة الالتزامات تجاه الغير..
لقد تم التركيز وبطريقة شبه جازمة من قبل الحكومة على أن المسؤولية القادمة في تعزيز النمو وتوفير فرص العمل تقع على القطاع الخاص من خلال تقدير مساهمته بنحو 60% في تنفيذ البرامج الاستثمارية، وفي إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص تم إطلاق مجموعة من المبادرات منها بناء وتطوير الكفاءات الوطنية تعزيز بيئة الأعمال وتطوير الإطار المؤسسي والتشريعي وقد تم اختيار مجموعة من المشاريع في إطار البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي «تنفيذ»، وهي القطاعات الخمسة السياحة التعدين الصناعات التحويلية النقل والخدمات اللوجستية والثروة السمكية.
إن إيجاد قطاع خاص فاعل يحتاج الإسراع في إصدار كثير من التشريعات والقوانين، منها قانون الشركات التجارية وقانون الاستثمار وقانون القوى العاملة وقانون الإفلاس، لهذا أرى تشكيل لجنة عليا ترفع تقاريرها لمجلس الوزراء حول كل ما يتعلق بمتطلبات القطاع الخاص مع التوافق على مهلة محددة للانتهاء من كل المتطلبات بحكم أن هناك دراسات ومقترحات تم استعراضها من خلال مختبرات تنفيذ وغرفة تجارة وصناعة عمان.
وفي نفس السياق يعد تفعيل برنامج التخصيص مهم جدًا لزيادة مشاركة القطاع الخاص وكذلك تعزيز مفهوم الادخار والاستثمار لدى المواطن والأهم تعزيز وضع سوق مسقط للأوراق المالية من خلال خلق سوق اكثر جاذبية، وما تم تحقيقه من خلال نتائج مختبرات تنفيذ لشيء مشرف حيث تم التوصل إلى إطلاق 91 مشروعًا ومبادرة، ويأتي دور تنفيذ في التسهيل والتمكين من تحقيق ذلك، حيث شمل مشاريع ومبادرات مباشرة منها مركز للبحوث الصناعية مصنع لتصميم القوارب، والبرنامج الوطني لتطوير القيادي في القطاع الخاص، والمركز الوطني للتشغيل، وإنشاء صناديق الاستثمار العقاري، وتطوير وتحديث نظام استثمر بسهوله. كما اننا بحاجة إلى إعادة مراجعة للاستثمارات الحكومية في الداخل والخارج ويمكن تنظيمها من خلال إنشاء مجلس أعلى للاستثمار، ويتم دمج كافة الاستثمارات تحت ذلك المجلس شاملا الشركات ذات الاختصاص ويتم دعمه بأفضل الكفاءات البشرية والمالية والفنية.
كما أن وضع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يتطلب توفير قانون خاص لها وإيجاد آلية لتوحيد كافة الجهود التي تقوم بها الجهات الحكومية والخاصة حتى تحقق الأهداف المرجوة منها.
ويمكن ذلك من خلال مجلس إدارة يشترك فيه كل المؤسسات الداعمة. كما يتطلب إطلاق قانون الجمعيات الاستهلاكية في كل محافظات السلطنة وفق احدث القوانين وتعد الجمعيات إحدى أدوات الدعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كمنافذ تسويقية والتوزيع كما تعد الجمعيات أحد أهم أدوات الاستثمار للمواطنين ومحاربة التجارة المستترة.
وفيما تمت الإشارة إليه من أهداف وخطط وأرقام لا بد من وضع ضوابط وبرامج وتقييم محكم وضبط كافة بنود الإنفاق وخاصة الجارية فيما يتعلق بالبنود التي يمكن التحكم فيها، وتنفيذ ذلك يعد ضمانه لتحقيق الأهداف، ومما يدعو للتفاؤل أنني أجد أن هناك وضوحا وتناغما بين ما تبقى من الخطة التاسعة والرؤية المستقبلية عمان 2020 وبين ما يعمل عليه المجلس الأعلى للتخطيط ووحدة متابعة التنفيذ والأداء وبين ما هو معتمد في الموازنة العامة للدولة، كما أن التزام وزارة المالية بميزانية البرامج والأداء المالية يعد في غاية الأهمية.