د. فتحي بوعجيلة: العلم والبحث والتأطير هي العاصم من الكثير من المآسي التي نراها اليوم

تراثنا كتب لما بعد لحظتنا.. وعلينا أن نتعمق فيه بمنهجية علمية وننفي المغالطات التاريخية عنه –
حاوره:  سالم بن حمدان الحسيني –
أكد د. فتحي بوعجيلة أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة بالجمهورية التونسية أن العلم والبحث والتأطير هي العاصم من الكثير من المآسي التي نراها اليوم.. مشيرا إلى أن هناك بعض الشباب اليوم محشوة أدمغتهم بكلام غير صحيح تاريخيا وغير صحيح علميا، وغير صحيح منهجيا، وان الشباب الذي يخطئ منهجيا وعلميا ومعرفيا وتاريخيا هذا لن يفعل إلا جرائم معرفية علمية وأنا دائما أؤمن بأن العلم والبحث والتأطير هي العاصم من الكثير من المآسي التي نراها اليوم.

وأشار إلى أن الأفكار الناشئة عن جهل والتي وصلت إلى حد المواجهة الدموية وإلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح وإتلاف الممتلكات هي حماسة هوجاء.
وأضاف: تراثنا كتب لما بعد لحظتنا.. والاختلافات بين المدارس الفكرية المختلفة أغزر وأعمق من أن نتصور.. مؤكدا أن «نظرية المؤامرة» هي حقيقة نسبية إلا أن السياسة والعصبيات القبلية لعبت في تلويث تراثنا الإسلامي الناصع، ولذلك ظهر ما ظهر وخفي ما خفي، وبقي ما بقي، واندثر ما اندثر.. وعلينا كباحثين أن نطّلع وأن نتعمق في دراسة تاريخنا، وأن يكون على علم بكل هذا.. نقرأ المزيد من هذا اللقاء مع الدكتور فتحي في الجزء الأول من الحوار التالي:

بداية يحدثنا الدكتور فتحي بوعجيلة معرفا بنفسه فيقول: اسمي فتحي بوعجيلة من جمهورية تونس متحصل على شهادة الدكتوراة في اللغة والأدب والحضارة العربية، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة، وأنا مالكي المذهب أشعري العقيدة، وحصل لي شرف علمي أني أثريت ثقافتي المالكية الأشعرية بالتراث الإباضي الزكي وأرجو من الله ان أكون قد أصبت الحسنيين.
وأضاف: صدرت لي حتى الآن خمسة كتب وهي: أطروحة الدكتوراة في تيسير التفسير للعلامة محمد بن يوسف اطفيّش، أما الإصدار الثاني فهو «قضايا الحديث النبوي في فكر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور»، أما الكتاب الثالث فسميته «ثورة النخبة الإصلاحية التونسية واقعها.. وأفكارها، وراهنيتها»، تناولت فيه ثلاثة أعمال تونسية أثارت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي شيئا من الجدل في تونس، الأول هو «الخيال الشعري عند العرب لأبي القاسم الشابي» والثاني: «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد والثالث: «روح التحرر في القرآن» للشيخ الزعيم عبدالعزيز الثعالبي.
أما الكتاب الرابع فعنوته بـ: «الإباضية التونسيون.. وأثرهم في الثقافة الوطنية مدخل الى دراسة الآخر المحلي» وتناولت في هذا الكتاب ثلاث شخصيات إباضية جربية تونسية: الشخصية الأولى سالم بن يعقوب صاحب «تاريخ جزيرة جربة» وسعيد بن تعاريت صاحب «المسلك المحمود في معرفة الردود» وسليمان الجادوي عميد الصحفيين التونسيين صاحب ثلاث جرائد تونسية صدرت قبل الاستقلال وقد توفي سنة 1945م قبل الاستقلال بسنتين، وهي: الجريدة الأولى جريدة هزلية نقدية سماها «أبو نواس» وجريدة «المرشد» والثالثة: «مرشد الأمة» وقد تناولت اثر هؤلاء الثلاثة في الثقافة الوطنية التونسية، والحمد لله صدر لي قريبا كتاب في بيروت عنوانه : «التأويلية الإباضية.. المنهج والإجراء» وكان مركز البحث فيه هو كيفية قراءة الإباضية للقرآن من حيث الاستنباط ومن حيث وضع أصول العقيدة خاصة وكذلك الفقه بصفة اهم، الى جانب عدد من المقالات البحثية التي نشرت في عدد من الصحف والمجلات التونسية والعربية، الورقية منها وكذلك الإلكترونية.
أما عن اهم المصادر التي استعان بها في تأليف كتاب «التأويلية الإباضية.. المنهج والإجراء» فقال: لقد أشرت في المقدمة الى ان هذا الكتاب يأتي ثمرة اطلاع أوسع مقارنة بأطروحتي ففي الكتاب الأول الذي ذكرته لك تناولت مسألة التأويل، كيف يأوّل الإباضية النص القرآني كغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى لكن وقتها ربما كانت المصادر أقل من التي وصلت إليها منذ سنوات، ولذلك من بين المصادر التي اعتمدتها «كتاب الوضع» للجناوي الإباضي النفوسي الليبي وكتاب «زيادات الكدمي على كتاب ابن المنذر» وأيضا كتاب: «الجامع لابن بركة» و«شرح النيل» للشيخ اطفيش وكذلك كتاب «تيسير التفسير» و«قناطر الخيرات» للجيطالي وبعض كتب الشيخ نور السالمي كـ «مشارق أنوار العقول» واعتمدت كذلك من المراجع الحديثة كتاب «جواهر التفسير» لمؤلفه سماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي الى جانب «كتاب الجامع الصحيح» للشيخ الربيع بن حبيب وهناك مصادر أخرى حاولت ان اجمع المراجع القديمة وكذلك الحديثة.
أما عن أسباب الخلافات الحاصلة بين المسلمين مصادرها وتداعياتها، وعن رأيه في نظرية المؤامرة التي يقول بها البعض في هذه الخلافات القائمة بينهم اليوم فيقول: ابدأ بما أشرتم إليه أولا، مسألة المؤامرة على الفكر الإسلامي وعلى الواقع الإسلامي اليوم فأقول: نعم هناك نسبة من العدو الخارجي وهي ما يسمى عند البعض بـ«نظرية المؤامرة»، نعم نحن نقول بهذا نسبيا، فهم يتبعون نظرية «فرّق تسد» فحينما تفرّق المسلمين وتزع بينهم الضغائن والأحقاد والنزاعات والنعرات وتحيي بينهم الخلافات والعصبية المذهبية القديمة لسنا قادرين حتى على خوضها، فليس لدينا حتى البضاعة العلمية حتى نملأ أماكننا في هذه المواجهة أو في هذه المعركة، فمع الأسف الشديد الكثيرون ليسوا واعين بهذا.. مشيرا الى ان النعرات المذهبية القديمة الكلامية تلك كان لها رجالها – حتى وان كان لنا موقف منها – فان أصحابها كانوا على معرفة موسوعية في اللغة والأدب والبلاغة والتاريخ والأصول وفي الفلسفة والمنطق لكن اليوم الجهل يضاف إليه التعصب هو السائد في هذه الخلافات، لكن في الحقيقة دائما نلوم أنفسنا فلابد ان نظر إلى ذواتنا وإلى واقعنا، ولا نهتم بأننا مستهدفون – حتى وإن كنا كذلك – ولكن حتى لا تبقى تلك الشماعة التي نعلّق عليها إخفاقاتنا فلنبرر فشلنا المعرفي والفكري بأسباب خارجية.
وفي الحقيقة ما أراه متأكدا وضروريا وملحا هو أن نتعمّق في معارفنا وان نغوص في تراثنا الإسلامي، مشيرا إلى اختلافنا في العقائد وفي المذاهب وفي الأحكام الفقهية لا يمكن ان نتصوره، وأنا بقدر ما أتوغل في الكتب أقول: نحن لم نفهم تراثنا، ولم نعرف منه شيئا، ولم نصب منه إلا طرفا بعيدا عن العمق، وتراثنا هو تقدمي اكثر مما نتصور.

دور الباحثين

وأضاف: تراثنا كتب لما بعد لحظتنا هذه.. أقول هذا وأتحمل مسؤوليتي، تراثنا القديم كأنه كتب لمن يأتي بعدنا.. وأقصد بهذا ان الاختلافات التي كانت بين مذاهب أو ربما اتجاهات المدارس الفكرية المختلفة أغزر وأعمق من أن نتصور، فضلا عن الاختلافات في المذهب الواحد، فخذ مثلا المذهب الواحد وانظر كم اختلفوا فيما بينهم، وهذه الاختلافات ليس في الفروع فحسب بل حتى في الأصول، وكل قال وصرح برأيه، صحيح انه حدث في التاريخ «الغربنة» لأسباب ربما سياسية أو ما سمي بالمركز والهامش فهناك علماء سلطان وعلماء آخرون ربما في صف المعارضة ثم هناك موازين قوى حكمت، وهناك أشياء كتبت وصنفت وأشياء غيّبت، وهناك أشياء وقع إشهارها، وأشياء وقع تغييبها عمدا، ولذلك ظهر ما ظهر وخفي ما خفي، وبقي ما بقي، واندثر ما اندثر.. وهكذا لعبت السياسة من جهة ولعبت موازين القوى من جهة ولعبت ربما العصبيات القبلية كذلك من جهة ولعبت أسباب كثيرة في ان يكون هذا كلام مشهورا معروفا وهذا مهجورا.. لكن الباحث حينما يغوص لابد ان يكون على علم بكل هذا، ونحن فعلا نُكبر العلماء الذين صرحوا بآراء منصفة، لو قلتها اليوم أنت للناس لوقع تكفيرك لكن أصحابها كانوا أعلاما، كانوا علماء وكانوا فقهاء.. نعم وقع ربما تهميشهم أو تضئيل دورهم أو وقع حصرهم في الزاوية كما يقال، مقابل فقهاء آخرين هذا حصل، لكن هذا لا يعني أننا لا نطّلع على هذا وذاك، فنحن ليست مهمتنا ان نشهر رأيا غريبا أو شاذا، ولكن دورنا كباحثين ان نعرف وان نتعلّم وان نتعمق وهذه في نظري اهم ما يمكن ان يحصّن به شبابنا اليوم، فشبابنا اليوم فكره فقط وقف عند السنة والبدعة، وقف عند السلف الصالح وربما الخلف في نظره الطالح، جملة وتفصيلا.

الهوية التونسية

وأضاف: اليوم هذه النظريات التي تقول بالسلفية وتقول بالسنة هي لا تفقه معنى السلف، ولا تفقه معنى السنة، ولو اطلعت وعرفت وتعمّقت في الأشياء لوجدت ان كل المسلمين سنيون، وربما العكس لو نظرت من جانب آخر لوجدت ان ما ينعتون بالسنة قد ابتدعوا في كثير من الأشياء، والعكس صحيح، إذن انت اليوم كشاب حينما تنفخ – كما يقال – نفخة واحدة في تراثنا وتقول لا، أنا سآخذ السنة، فأنت عن أي سنة تتحدث، ثم عن أي سلف تتحدث، انت الذين تبكيهم تأسست مذاهبهم من قديم، على سبيل المثال لو تكلمنا عن الإباضية – وهذا ليس كلامي أنا بل هو كلام من قبلي وكل العارفين والدارسين – ان الإباضية سبقت المذاهب السنية والتاريخ يشهد بهذا، وهم في تونس منذ منتصف القرن الأول الهجري، ولذلك أنا دائما أقولها إن الهوية التونسية مثلا هوية مزدوجة مالكية أشعرية وكذلك إباضية، وقد قلتها في اكثر من مقال وذكرتها في بحوثي ولا أزال أدافع عنها، وأقولها قناعة شخصية، ومبدأ علميا أقوله.. مشيرا الى ان الخيار السياسي موجود في تونس منذ سنوات هو ان الهوية التونسية مالكية أشعرية مغاربية، ربما كان ذلك اختصارا ذا منافع، ولكن في الحقيقة عند التحقق وعند التعمق لا يكفي ان تقول إن الهوية التونسية هوية أشعرية مالكية، لابد ان تقول إباضية كذلك، وكما قلت: إن جزيرة جربة مكتبتها اليوم وهي المكتبة البارونية التي تحتوي على المخطوطات والمؤلفات عندما تطلع على عراقة الإباضيين في تونس تدرك عراقة هذا المذهب في تونس.

مغالطات تاريخية

وأشار إلى أن بعض الشباب اليوم محشوة أدمغتهم بكلام غير صحيح تاريخيا وغير صحيح علميا، وغير صحيح منهجيا، وان الشباب الذي يخطئ منهجيا وعلميا ومعرفيا وتاريخيا هذا لن يفعل إلا جرائم معرفية علمية وأنا دائما أؤمن بأن العلم والبحث والتأطير هي العاصم من الكثير من المآسي التي نراها اليوم، فإذا لم يكن لدينا شباب مؤطر منذ سنواته الأولى في تعلمه من الكتّاب الى المدرسة، الى المعهد أو الى الجامعة فإننا سنتعب فيما بعد في الاعتماد على هذا الشباب، فالشباب الذي لا يجد حاضنة معرفية صحيحة تعرف الأولويات وتعرف ما يُقدّم وتغربل من التراث ما يفيد الحاضر وتقرأه قراءة جديدة، قراءة موسعة، قراءة معمقة، قراءة شاملة، لا قراءة عرجاء كما يقال سيجنح الى أفعال يظنها من الإسلام وهي في الحقيقة ليست من الإسلام في شيء.. مشيرا الى ان هذه الأفكار الناشئة عن جهل وصلت الى حد المواجهة الدموية وإلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح وإلى إتلاف الممتلكات، فكلها حماسة هوجاء.