التحكيم ومعضلة تعدد العقود

د. عبد القادر ورسمه غالب –
Email: awghalib@hotmail.com –

ينطلق التحكيم في العادة من واقع فكرة تضمين العقد المبرم بين الأطراف بندا يتناول «شرط التحكيم» والتفاصيل المرتبطة به. وهذا البند، يتم وضعه خصيصا لتوضيح نية الأطراف المبدئية في اختيار اللجوء للتحكيم كبديل للفصل في المنازعات التي قد تطرأ بينهما خلال تنفيذ العقد المبرم بينهما. وبذا يكون ما تضمنه هذا العقد في «شرط التحكيم» هو بداية الانطلاق نحو التحكيم إذا دعت الحاجة عند نشوء أي خلاف بين الأطراف الموقعة على العقد. والعقد شريعة المتعاقدين، ويتم التعامل بين الأطراف وفق شروط العقد التي تم إدراجها بعد الاتفاق عليها.
بالنسبة لإجراءات التحكيم، فإن هذا الأمر واضح جدا خصوصا في ما يتعلق بالأطراف المتنازعة وشروط العقد المبرم بينهم، ويكون التحكيم بين هذه الأطراف ويتم وفق نيتهما الصريحة الواردة «عيانا بيانا» في العقد. ولكن، قد تظهر بعض الحالات التي تستدعي إضافة عقد أو عقود أخرى للتحكيم الجاري. وهي عقود خارجية ومستقلة عن العقد الأولي موضوع التحكيم.
هذه النقطة، الخاصة بإضافة عقد آخر جديد على العقد الأساسي للتحكيم أو ما يعرف بتعدد العقود، اعتبرتها محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية من النقاط الشائكة نوعا ما. ولقد أفادت المحكمة بأن شرط التحكيم بصفة عامة يختص بذلك العقد المبرم، ولكن قد تطرأ حالات يجوز فيها إضافة عقد جديد مستقل للتحكيم بالرغم من أنه يعتبر طرفا «غريبا» على العقد الذي يتم التحكيم بموجبه. وهذا قد يحدث مثلا، عندما يتفق أطراف العقد صراحة على إضافة العقد الجديد للتحكيم أو عند توفر بينة كافية توضع أنهم قد يرغبون في هذه الإضافة وذلك من واقع الأمور المرتبطة بتنفيذ العقد.
ونلاحظ أن محكمة التحكيم طبقت هذا التوجه في قضية شركة «ويست لاند» البريطانية والخاصة بالنزاع المعروض على التحكيم بين هذه الشركة و«الهيئة العربية للتصنيع الحربي» و«الشركة العربية البريطانية لصناعة الهليكوبتر» التي سبق أن أنشأتها كل من مصر والسعودية والإمارات وقطر لتصنيع نوع من طائرات الهليكوبتر الحربية. وفي هذه القضية تناولت محكمة التحكيم عدة مسائل مهمة تتعلق بالتحكيم، ولكن ما يهمنا هنا موضوع تعدد العقود في تحكيم واحد.
في هذه القضية المقامة من شركة «ويست لاند» البريطانية تم إبرام عدة عقود مع الشركة لتصنيع طائرات الهليكوبتر ومنها عقد مع «الهيئة العربية للتصنيع الحربي» وكذلك عقد مع «الشركة العربية البريطانية لصناعة الهليكوبتر».
وعند حدوث خلافات بين الأطراف، تقدمت شركة «ويست لاند» البريطانية للتحكيم وقررت محكمة التحكيم السماح بالسير في إجراءات تحكيم واحد يضم شركة «ويست لاند» من جهة و«الهيئة العربية للتصنيع الحربي والشركة العربية البريطانية لتصنيع الطائرات» من الجهة الأخرى وذلك بالرغم من أن العقود التي تناولتها المحكمة متعددة ومنفصلة لكنها مبرمة بين الشركة وهذه الأطراف.
ولجأت المحكمة لهذا القرار، كما تبين، استنادا إلى تطابق فقرات العقود المتعددة ونية الأطراف المنحصرة في تنفيذ مشروع واحد.. هذا مع العلم، أن «شروط التحكيم» في هذه العقود المبرمة غير متطابقة تماما وبها بعض الاختلافات، ولكنها جميعها تشير صراحة للجوء للتحكيم في غرفة التجارة الدولية ووفق نظامها التحكيمي.
ولقد اتبعت محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية نفس هذا المنهج في قضية أخرى تتعلق بثلاث شركات فرنسية كان لديها عقود متعددة مع «هيئة الطاقة الإيرانية» و«الهيئة الإيرانية العامة للاستثمار» بخصوص تقديم تمويل وإنشاء مفاعلات نووية في إيران.
وجميع هذه العقود المتعددة المبرمة بين هؤلاء الأطراف تتضمن شرط اللجوء للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية. وعند نظر التحكيم قررت المحكمة السير في التحكيم وفق أحد العقود المبرمة ولاحقا رأت إضافة العقود الأخرى لنفس التحكيم وذلك لتشابهها في الغرض وتوفر نفس النية لتنفيذ المشروعات.
ومن الجدير بالذكر أن هذا القرار المتعلق بالسير في التحكيم وضم عقودا متعددة لنفس النزاع، تم نقضه بواسطة محكمة التمييز الفرنسية ولكن محكمة التمييز في مجمل حكمها لم تستبعد تماما إمكانية ضم عقود متعددة في نفس التحكيم الجاري وذلك بناء على رغبة الأطراف أو بما قد تراه «هيئة التحكيم» من انطباق نية الأطراف والحقوق المترتبة على هذه العقود المتعددة حيال التحكيم الجاري أمامها. وفي هذا تحد كبير لهيئات التحكيم، لأنه يتطلب المزيد من الحرص حتى لا تتعرض القرارات النهائية للنقض بواسطة المحاكم القضائية المختصة.
من الواضح أن هذا الموضوع المتعلق «بتعدد العقود» لا يخلو من بعض المشكلات وخاصة القانونية لأن كل عقد يعتبر قائما بذاته وله خصوصيته وكينونته. ولكن قد يكون طرح هذا الموضوع أمام هيئات التحكيم أمرا لا بد منه خاصة في المشاريع المشتركة ذات الأطراف المتعددة التي يتداخل فيها العمل والمهام لدرجة لا يمكن فصلها عن بعض إلا بعملية جراحية دقيقة جدا.
وعلى المحكم أو هيئة التحكيم في مثل هذه الحالات بذل المزيد من الجهد المهني ودراسة الأمر بعناية والتعامل معه بمهنية وحرفية فائقة، خاصة وأن تداخل التجارة البينية واتحاد المشروعات أصبح من الأمور التجارية الحتمية والضرورية … وهكذا مع تطور التجارة والأعمال قد تتشعب وتتداخل الأمور المرتبطة بالتحكيم مما يستدعي الوقوف التام والتركيز الدقيق والهمة العالية من كل من له علاقة بصناعة مهنة التحكيم.
طبعا الأمر قد يكون سهلا، نوعا ما، بالنسبة لتعدد الأطراف والإدخال والتدخل في القضايا المدنية بالنسبة للمحاكم القضائية لأن قوانين الإجراءات المدنية والمرافعات تحدد وتتضمن فقرات واضحة بالنسبة لتعدد الخصوم والإدخال والتدخل أثناء سير الدعوي … وكذلك الأمر بالنسبة لتدخل أو إدخال طرف ثالث أثناء التنفيذ لعلاقته بالتنفيذ أو لحفظ حقوقه من الضياع بسبب التنفيذ..
ومثل هذه الإجراءات قد لا تكون موجودة أو غير واضحة في قوانين وأنظمة التحكيم وإجراءات مراكز التحكيم، وعند مجابهة هذه الأوضاع فإن الأمر يتطلب من المحكم أو هيئة التحكيم بذل الجهد والاجتهاد في اتخاذ القرارات الضرورية التي تضمن سير التحكيم بما يحقق العدالة الناجزة لجميع الأطراف.