العالم علي صفيح ساخن !!

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
مع دخول العالم العام الجديد 2018 تبدأ التساؤلات والتطلعات إلى إيجاد مناخ يسوده السلام والاستقرار وحل النزاعات الإقليمية من خلال الحوار وإيجاد آليات بعيدا عن لغة القوة والوعيد ورغم هذه الأماني الإنسانية التي يشترك فيها العالم كقيم ومبادئ، إلا أن الصورة لا تبدو كذلك، فليس هناك علاقة بين الزمن والصراعات، إلا فيما يخص تلك التمنيات والتطلعات نحو عالم بعيد عن الشرور.

الأزمات الإقليمية

منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية التي حصدت أكثر من خمسين مليون إنسان، وقيام منظمة الأمم المتحدة التي قامت على أسس أخلاقية وقانونية تجنب العالم ويلات الحروب، ورغم وجود مجلس الأمن بأعضائه الخمسة الدائمين وتوقيع الدول الأعضاء على ميثاق هذه المنظمة التي تهدف إلى الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، إلا أن الأحداث التي عايشها العالم على مدى أكثر من نصف قرن أثبتت أن الأنانية وحب السيطرة لا تزال مترسخة في الذهن البشري خاصة من القوى الكبرى.
حيث اندلعت عشرات الحروب الإقليمية خاصة في الشرق الأوسط، ولعل أكثرها دموية هي الحرب العراقية –الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980 – 1988) والحرب الأفغانية، بفعل التدخل السوفييتي السابق في أفغانستان عام 1979، وبعد اندحار القوات السوفييتية في الثمانينات من القرن الماضي جاء التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تحت مسمى الحرب على الإرهاب، ثم جاءت حروب الخليج التي انتهت بغزو أمريكي مدمر ضد العراق عام 2003، علاوة على الحرب الأهلية في لبنان، والحروب الأهلية أيضا في عدد من الدول الإفريقية، ثم جاءت موجة جديدة من الحروب، حيث تمثل الحرب في اليمن الشقيق واحدة من أشد الحروب قسوة، حيث تصاحبها مخاطر المجاعة وأمراض الكوليرا وغيرها التي يعاني منها الملايين من الشعب اليمني الشقيق، دون وجود إشارة محتملة للحل السلمي، حتى الآن على الأقل.
و على ضوء هذه الصورة القاتمة للوضع العربي والتشرذم غير المسبوق الذي يسود العالم العربي، فإن الوضع السياسي في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا يعد في غاية الخطورة مع انطلاق العام الجديد 2018م، فالتوتر بين إيران والولايات المتحدة متواصل علاوة على استمرار الحرب في اليمن، وقرار الرئيس الأمريكي الجائر بالاعتراف بمدينة القدس الفلسطينية المحتلة كعاصمة للكيان الإسرائيلي علاوة على التصريحات المثيرة لرئيس كوريا الشمالية التي قال فيها موجها الرسالة إلى واشنطن بأن مفاتيح القوة النووية لبلاده تتواجد في مكتبه، ورغم التصريح الرمزي إلا أن الوضع في منطقة جنوب شرق آسيا يثير القلق.

المنطقة العربية في مفترق طرق
الوضع العربي هو في أسوأ حالاته حيث الأزمة الخليجية تراوح مكانها دون حل، حتى الآن، وغموض كبير لمستقبل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، رغم عقد القمة الأخيرة في دولة الكويت الشقيقة، بمشاركة كل الدول الأعضاء فيه، ولعل من أبرز العوامل التي زادت من حدة الأزمة، هو الدور السلبي لبعض وسائل الإعلام في المنطقة، وهذا خطأ فادح في الواقع.
الحرب في اليمن وصلت إلى حد الكارثة الإنسانية والمنظمات الحقوقية والمنظمات الإنسانية والمدنية وتقارير الأمم المتحدة تشير إلى ضرورة وقف هذه الحرب بأسرع ما يمكن، وهي التي كان ضحيتها بالأساس من المدنيين اليمنيين من أطفال ونساء أبرياء، كما أن الوضع الإنساني أصبح في غاية الخطورة، ومن هنا لا بد من العمل من أجل الإسراع في وقف إطلاق النار، وإطلاق عملية تسوية سياسية بين فرقاء الحرب على ضوء المحددات والقرارات الشرعية ووجود تنازلات متبادلة تحافظ على ما تبقى من مقدرات هذا البلد العربي الشقيق وعلى وحدته أيضا.
الولايات المتحدة ومن خلال سياستها الجديدة أصبحت لا تساعد على إنهاء النزاعات، ودخلت هي الأخرى في معارك مع المجتمع الدولي، حول موضوع القدس وكانت هزيمتها الدبلوماسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال التصويت واضحة، رغم تهديدها الغريب ضد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
ومن هنا فإن العالم يعيش انحدارا في قيمه، من خلال الخلافات العميقة في أكثر من منطقة، حيث أصبح العرب في حالة غير مسبوقة من التشرذم؛ لأسباب وعوامل كثيرة ومعروفة أيضا.
فالقضية الفلسطينية تحاصر من قبل واشنطن وإسرائيل، وهناك ضعف عربي واضح، رغم التصويت في الأمم المتحدة، وهناك حديث متواصل عن صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، فيما يسمى بالوطن البديل للشعب الفلسطيني والإشارات في هذا الاتجاه تتواصل حتي من قبل الصحافة الإسرائيلية، علاوة على موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يتحدث عنه بعض الساسة والمعلقين في تل أبيب، ومن هنا فإن العالم العربي هو بالفعل في مفترق طرق، وإذا لم تتجاوز الدول العربية خلافاتها، وتشعر بالمسؤولية تجاه مصالحها وشعوبها، فإن النتيجة ستكون مؤلمة ومحزنة، لأجيال الأمة العربية على ضوء التصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين الدول العربية.

الحوار العربي- الإيراني
لا شك أن وجود علاقة جيدة بين طهران والدول العربية سيكون مدخلا إيجابيا للتخلص من هذا التوتر والتهديدات القائمة بين إيران وبعض الدول العربية وإذا حدثت حرب، أو صراع مسلح لا قدر الله، فإن الجميع خاسر، وكل الأطراف جربوا الحروب الخليجية المختلفة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ونتائجها الكارثية على مقدرات شعوب المنطقة، ومن هنا فإن المنطق السياسي يفرض إطلاق الحوار بين الجانبين، وأن يتم كشف كل ملفات الخلاف على طاولة النقاش، فالولايات المتحدة جلست مع فيتنام على طاولة الحوار في باريس لإنهاء واحدة من أقسى الحروب الإقليمية،
وبدون ذلك الحوار فإن تجار السلاح في الغرب والشرق جاهزون لبيع السلاح واستنزاف الموارد العربية، كما يحدث الآن، فدول المنطقة هي الأكثر شراء للسلاح وكل المصانع في أمريكا وأوروبا وروسيا تواصل العمل على حساب التنمية والتحديث والانطلاق العربي إلى عالم التقنية وبناء الإنسان.
إن بقاء التوتر في المنطقة سواء بين إيران وبعض دول الخليج وأيضا وجود الأزمة الخليجية دون حل، وتواصل نزيف الحرب في اليمن، سوف يشكل مناخا خطيرا قد يدفع بالمنطقة إلى حرب إقليمية طاحنة، وعندها ستحل الكارثة وتبدأ الخطة الأمريكية الكبري، وهي تقسيم المنطقة، من خلال الفوضي المبدعة والشرق الأوسط الجديد الذي من شانه إيجاد كيانات صغيرة وضعيفة.

جنوب شرق آسيا النووية

التوتر والتصريحات الملتهبة بين قادة كوريا الشمالية والولايات المتحدة تعبر عن أزمة حقيقية تتجاوز البلدين، حيث إن كوريا الجنوبية واليابان تشعران بقلق متواصل جراء التجارب الصاروخية لبيونج يانج التي تجاوز بعضها الأراضي اليابانية، وهو مؤشر خطير، ومن هنا فإن واشنطن لا بد أن تحمي حلفاءها في منطقة شهدت حروبا عديدة، في كوريا في عقد الخمسينات من القرن الماضي، وفي فيتنام والفلبين ولاوس، وفي اليابان نفسها خلال الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنابل النووية الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، فأعداء الأمس أصبحوا اليوم حلفاء، والهاجس النووي لا يزال حاضرا، خاصة من قبل طوكيو التي اكتوت بناره.
كوريا الشمالية تستفز واشنطن بشكل متواصل، خاصة بعد خطاب الرئيس ترامب في الأمم المتحدة الذي تعهد فيه بتدمير ذلك البلد الآسيوي، وهو تصريح خطير لرئيس دولة عظمي، ومن هنا كان رد بيونج يانج قاسيا حول إطلاق القوة الصاروخية النووية باتجاه الأراضي الأمريكية في مظهر لتحدي القوة، ولعل تصريح كيم جونج خلال الأيام الماضية الذي قال فيه إن أزرار القوة النووية موجودة على مكتبة، قد أثار قلق العالم، ومن هنا فإن إطلاق موسكو لمبادرة إجراء حوار أمريكي- كوري شمالي هي خطوة روسية في الاتجاه الصحيح.
وربما يجتهد العالم سياسيا في تكرار نموذج الاتفاق النووي الإيراني على الوضع في كوريا الشمالية، مع إيجاد بنود تتماشي وسياق الأزمة في جنوب شرق آسيا، حتي لا يحدث الأسوأ عند وجود أي خطأ بشري من قبل أحد الأطراف كما يحدث عادة عند اندلاع الحروب الكبرى.
ومع تزايد أهمية الأمم المتحدة بعد تصويت الجمعية العامة ضد قرار الرئيس الأمريكي ترامب فإن المنظمة الدولية لا بد أن تخترق تلك الملفات سواء فيما يخص قضية الصراع العربي-الإسرائيلي، أو إيجاد حوار عربي- إيراني أو دفع الحلول السلمية في سوريا واليمن وليبيا ومواصلة الحرب على الإرهاب، بعد نجاح العراق في دحر داعش، وبدون هذا التوجه السلمي وإطلاق قيم الحوار والسلام والتسامح بين الدول المختلفة سياسيا فإن العالم سيكون بالفعل على صفيح ساخن خلال هذا العام.