د. كهلان: المسلمون عليهم أن يبذلوا الغالي والنفيس حفظا لمقدساتهم وعزهم وكرامتهم وشرفهم

الشبهات التي تثار حول القدس واهية.. وهي أضعف من أن يرد عليها –

الـدلالات القـــرآنيــة.. بعيــدة عمــا وقــع فـيــه البعـض من الشــبهــات والأباطـيـــل –
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني –
فـنـّد فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة الشبهات التي تثار حول القدس والمسجد الأقصى، واصفا إياها أنها واهية ضعيفة، إلا أن الترويج لها من قبل أعداء هذه الأمة وتلقي بعض ضعاف الإيمان وجهلة العقول لها هو الذي يستدعي الرد عليها وإلا فإنها اضعف من أن يرد عليها . وأوضح فضيلته في لقائه لبرنامج سؤال أهل الذكر، أن الدلالات القرآنية بعيدة كل البعد عن المعنى الذي يذهب إليه هؤلاء، وأن ذلك الوهم الذي سرى اليهم ما هو إلا لجهل أو سوء مقاصد أو لوقوعهم ضحايا لشبهات وأباطيل يروج لها الأعداء.

وقال فضيلته : إن الأرض لأهلها، وأهلها كما هو ثابت تاريخيا إنما هم العرب الكنعانيون، ثم توالت هجرات وحصل اعتداء على القدس وعلى بيت المقدس انتهاء بالرومان الذين عاثوا فيه الفساد وقد حررها منهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والوثيقة العمرية خير دليل على ذلك ، وأن على المسلمين واجب الحفاظ على هذه المقدسات وأن يصونوها وأن يبذلوا الغالي والنفيس حفظا لها وإرساء لحقوقها وحفظا لعقيدتهم وإيمانهم ودينهم، وحفظا لكلمتهم وعزهم وكرامتهم وشرفهم.. نقرأ المزيد من هذا اللقاء في السطور التالية :

 

ربما تستثار نفوس المسلمين في مواطن كثيرة فتلقى أصداء متقطعة ومختلفة التأثير لكن القدس فضاء المسجد الأقصى له شأن آخر أوجد الاعتداء عليه حالة من الحزن والألم والردود الموحدة عند المسلمين من مختلف طوائفهم ولغاتهم ، ما المكانة التي وضعها الإسلام للمقدسات ؟ ونريد أن نخصص القدس والمسجد الأقصى بالذكر؟.
القدس وما تشتمل عليه من المسجد الأقصى معلم من معالم هذه الرسالة الخاتمة لهدايات النبوات السابقة الوارثة لميراث الرسالات التي بعثها الله تبارك وتعالى في العالمين، فهي قضية دينية لأن الله تبارك وتعالى جعل قبلة المسلمين الأولى في دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الى بيت المقدس، فالله تبارك وتعالى حينما قال : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة اشهرها من طريق البراء ابن عازب انه صلى الى بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وورد في بعض الروايات ستة عشر شهرا وفي بعضها سبعة عشر شهرا، ونصت الرواية على أنه صلى الى بيت المقدس ثم صلى شهرين بعد الهجرة حتى جاء أمر الله تبارك وتعالى في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فكون المرحلة التأسيسية الأولى التي رسخت فيها العقيدة وانبعث فيها نور الحق يؤمر فيه المسلمون بأن يتجهوا الى بيت المقدس في صلواتهم فهذا له من الدلالة الإيمانية الحضارية ما لا مزيد عليه، وتأكد هذا في حادثة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حادثة الإسراء والمعراج وقد نص الله تبارك وتعالى على ذلك في قوله سبحانه : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فجعل ربنا تبارك وتعالى المسجد الأقصى صنو المسجد الحرام، وهذا الارتباط واضح بين معالمه ظاهرة لأن البيت الحرام هو القبلة الجديدة التي استقر المسلمون عليها بأمر الله تبارك وتعالى وهي أشد البقاع حرمة عند الله تبارك وتعالى، والمسجد الأقصى هو القبلة الأولى وقد اجتمعا في حادثة الإسراء والمعراج وهذه الدلالة الإيمانية ظاهرة أيضا لا تخفى على أحد ولذلك فان بيت المقدس قضية إيمانية هي من حرمات هذا الدين، ومن علامات الإيمان فيه، وهي قضية جامعة للمسلمين من الجوامع الكلية التي تبعث فيهم عوامل الانبعاث الإيماني والاستجابة لأمر الله تبارك وتعالى بصون هذه المقدسات وحفظها وحمايتها وبتقديسها كما أمر الله تبارك وتعالى وبأداء حقوق أهلها اليهم جميعا بمختلف ما ينتسبون إليه من ملل وشرائع لأن أهل هذا الدين ورثوا ميراث النبوات السابقة فألزمهم الله تبارك وتعالى بأن يحفظوا هذه المقدسات وان يصونوها من عبث العابثين وأن يمنعوا عنها أيدي الطغاة المتكبرين وأن يحرروها من دنس كل من تسول له نفسه أن يعتدى عليها، وحينما ننظر في هذه الآيات القرآنية نجد أن الأمر الأول المتعلق بقبلة المسلمين الأولى ورد في سياق تذكير هذه الأمة بما تنتسب إليه وبالمكانة التي بوأها إياها ربها تبارك وتعالى حينما قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، قال بعدها: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ) وكذا الحال حينما ننظر الى سورة الإسراء وما ورد فيها من بيان لمكانة هذه الأمة ولمعالم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولموقفه من اتباع ملل سابقة وكتب سماوية سابقة فان ابتداء هذه السورة بـ(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، كل هذه العوامل تؤكد على أن هذه المقدسات لها حرمات عظيمة بالغة وأن على المسلمين واجب حفظ هذه المقدسات وأن يصونوها وأن يبذلوا الغالي والنفيس حفظا لها وإرساء لحقوقها وحفظا لعقيدتهم وإيمانهم ودينهم، وحفظا لكلمتهم وحفظا لعزهم وكرامتهم وشرفهم.

طيب فضيلة الشيخ هذه المكانة التي تحدثتم بها عن المسجد الأقصى وعن القدس الشريف بشكل عام هناك من ينازع فيها ويرى أنه الأحق بها، ويستشهد بآيات من القرآن الكريم تدل على أن له حقا تاريخيا فيها، من مثل قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، وهناك مجموعة يرون أن هذا الطرح أصبح موجودا عند المسلمين أنفسهم وأن حقا تاريخيا ربما يمتلكه الآخرون لكي تكون القدس من نصيبهم أيضا؟
هذا طرح جهلة لا يفقهون معاني آيات الكتاب العزيز فإن هذه الآية الكريمة في سورة المائدة إنما وردت في سياق بيان ما امتن الله تبارك وتعالى به على بني إسرائيل، فالنبي موسى عليه السلام حينما خاطبهم وذكرهم بنعم الله تبارك وتعالى في الآية السابقة في قوله سبحانه : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، حيث قدم بذكر ما امتن الله عز وجل به عليهم لأن هناك تكليفا يؤمرون به وهو أن يدخلوا هذه الأرض فقد كتب الله تعالى لهم دخولها لأداء واجب عبادي فيها ولزيارة المقدسات فيها، كما نقول: إن الله تبارك وتعالى كتب علينا الحج – أي ألزمنا – موضحا أنه حينما يحج المسلم الى بيت الله الحرام فهل يعني هذا انه يتملك في مكة المكرمة أو انه يؤدي واجبا افترضه عليه ربه تبارك وتعالى، فمعنى قوله سبحانه وتعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي كتب لكم دخولها، وكتب لكم دخولها إنما هو لتخفيف ما نيط بهم من تكليف لدخول هذه الأرض أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وإصلاحا فيها وأداء لواجبات تعبدية لله تبارك وتعالى فيها، لا للاستقرار والسكنى أو لغمط حق أهلها فيها، وحتى لا يحتج احد بأن الإلزام والفرض في كتاب الله عز وجل حينما يأتي بالفعل «كتب» فانه يرد معدى بـ«على» فإننا نجد في قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا).. مع أن هذه الصيغة يراد بها أي ما كتبه علينا ربنا تبارك وتعالى من مشاق وابتلاءات وفتن نواجهها لكن في سياق التخفيف والتيسير أن كل ذلك بتقدير من الله تبارك وتعالى وبتيسير منه سوف يتمكن هذا المبتلى من مواجهة هذه المصاعب ولذلك فان السياق القرآني ودلالة هذه الآية بعيدة كل البعد عن هذا المعنى الذي يذهب إليه هؤلاء وما سرى اليهم هذا الوهم إلا لجهل أو سوء مقاصد أو لوقوعهم ضحايا لشبهات وأباطيل يروج لها الأعداء، فتارة يدعون أن هذا الحق إنما هو موجود في كتبهم السماوية ومرة يقولون إنه في كتاب الله عز وجل في حين انه لا في الكتب السابقة ولا في كتاب الله عز وجل أي في القرآن العظيم ما يمكن أن يؤدي الى هذا المعنى.. مبينا فضيلته القول: كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» وفي بعض الروايات المسجد الأقصى في إيليا، وقد ذكرت رواية البراء ابن عازب في حادثة تحويل القبلة فانه ينص على أن القبلة في بيت المقدس، فهل فات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في القدس حقا لسوى أهل هذا الدين، هذه الرسالة الخاتمة حتى يجعله من المساجد التي تشد إليها الرحال؟! وحتى يكون مسراه وأولى القبلتين اللتين أمر الله تبارك وتعالى نبيه وأمته من بعده أن يتجهوا إليها؟ لا يعقل هذا الكلام، وإنما هو كما قلت: إما ان يكونوا ضحايا، أو أن يكونوا قاصدين لتشويه حقائق ثابتة مستقرة أو أن يكون ذلك ناشئا عن جهل.

هناك أيضا أمران يتعلقان بهذا الموضوع.. نحن نريد أن نناقش هذا الموضوع من الناحية العلمية حتى نجفف المنابع التي تجعل حقوقا للآخرين، أولا: يقول البعض بأن القدس وفلسطين بشكل عام لم تكن للمسلمين أصلا وإنما كانت فيها ديانات أخرى ومن بينها الديانة النصرانية فجاء المسلمون واستلموا تلك المعمورة، وأصبحت من نصيبهم يديرون فيها الشؤون ويتركون لبقية الملل الأخرى الفرصة في أداء عباداتهم، فهم يقولون الآن جاء الدور لنا الآن نريد ذلك المقدس لنا وسندير الأمور بالنسبة للمسلمين وهذا ورد على لسان بعض المسؤولين في خطاباتهم.
أولا الأرض لأهلها، وأهلها كما هو ثابت تاريخيا إنما هم العرب الكنعانيون، ثم توالت هجرات وحصل اعتداء على القدس وعلى بيت المقدس انتهاء بالرومان الذين عاثوا فيه الفساد حررها منهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والوثيقة العمرية خير دليل على ذلك، فالأرض لأهلها هم سكانها، هم أصحاب الأرض، هم أصحاب الحقوق، وما تشيرون إليه في السؤال ينقسم الى أمرين اثنين: أن هناك حقا تاريخيا وأن هناك حقا دينيا، ولنبدأ بما يتعلق بالحق الديني، أما ما ورد في كتاب الله عز وجل فأمره واضح بيّن لكن لنسأل عالم اليوم منذ متى وهم يسمعون لنصوص دينية ؟ ومتى أصبح هذا العالم المعاصر يصيخ السمع لنصوص دينية – بقطع النظر هذه النصوص الدينية – أليسوا اليوم يشرّعون أسوأ أنواع الانحطاط الأخلاقي؟! بعيدا عن هدايات ما تنص عليه مللهم وشرائعهم وكتبهم مع تحريفها إلا أنها فيما يتعلق بالأخلاق الإنسانية والقيم المجتمعية وما يتناسب مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا زالت هذه الكتب مشتملة على قيم وأخلاق وآداب دينية رفيعة لكنهم يطّرحون ذلك كله ويفصلون بين الدين والسياسة في كل مناحي حياتهم وفي إدارة شؤون حكمهم، فهذا من التناقض الواضح، وإنما يبررون به دعاوى باطلة لا أساس لها من الصحة ولمّا ندخل بعد في فحص هذه النصوص الدينية التي يستندون إليها، وإلا فإن الباحثين المتخصصين اثبتوا بطلانها وانه لا دليل فيها البتة.
وأضاف فضيلته قائلا: لم يكن لهؤلاء وجود إلا في فترة أنبياء الله تعالى داود وسليمان عليهما السلام، مشيرا الى أن أقل مدة ذكرها المؤرخون هي فترة حكم داود وسليمان عليهما السلام وهي تزيد على السبعين عاما بقليل، ومن توسع قال: جاء ملوك وقضاة يديرون شؤون بني إسرائيل لما لا يزيد عن أربعمائة وثلاثين عاما، وإلا فقد كانوا غرباء حلوا بهذه الأرض ثم جلوا منها، إذن ليس هناك نصوص دينية، فنبينا إبراهيم عليه السلام وبنص القرآن الكريم انه: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وكذلك في نصوصهم الدينية وحتى الآن في سفر التكوين أن إبراهيم أو ابراهام كان غريبا في أرض كنعان، وانه حتى لما ماتت امرأته سارة ما وجد لها أرضا يدفنها فيها فاشترى البقعة التي دفن فيها زوجه منهم، وهذا النص لا يزال موجودا الى اليوم بل يذكرون حتى القيمة التي اشترى بها الأرض.
وأوضح فضيلته القول: انه فيما يتعلق بالنصوص الدينية كما قلت: ان عالم اليوم يتنكر للدين أصلا، لاسيما في مجال السياسة ويصرحون بذلك، فكيف في هذه القضية يأتون ويقولون إن هناك حقا دينيا ؟!، وهم في ابسط فيما هو واضح صريح متفق عليه في الشرائع والملل السماوية من قيم وأخلاق حاكمة لأخلاق الناس ضابطة لهم موجهة لهم محققة لمعاني الفطرة يتنكرون ويتنكبون عنها ويتعامون ويتصاممون، فكيف يأتون الى عالم السياسة الذي لا يقبلون فيه ان يكون للدين فيه مدخل أبدا؟! ويقيمون أنظمة الحكم وأنظمة إدارة الأمور على أساس هذه المبادئ ثم يأتون ويدّعون هذه الدعوى. أما تاريخيا فأيضا كما تقدم لم يكن هناك حق لهم ولا لغيرهم إنما هي لأهل البلاد ولذراريهم من بعدهم وهم العرب الكنعانيون وهذا واضح في أسماء البلدان قديما وحديثا، وفي استقرار أهلها فيها وفي دحرهم لمن أتى غازيا وان طالت مدة احتلاله لأرضهم إلا أن التاريخ يثبت انهم أجلوا أو انه أجلي عنهم من جاءهم محتلا غاشما معتديا عليهم.

هل نستطيع القول إن المسلمين هم الأجدر الآن من حيث مبادئهم على إدارة شؤون القدس وتنظيم الحياة الدينية فيها؟
أولا تقدم أن المسألة ليست مجرد اختيار من المسلمين وإنما هو تكليف من رب العالمين، ومرد ذلك الى أن هذه الرسالة الخاتمة هي وارثة للنبوات السابقة لهداياتها ومراشدها ولذلك فإن المسلمين هم الوحيدون الذين حفظوا حقوق أهل الملل الأخرى الى يومنا هذا، فهناك كنائس للنصارى ووثيقة سيدنا عمر بن الخطاب حينما فتح القدس اكبر شاهد على ذلك، وهناك طوائف لليهود وهم السامريون في فلسطين وهناك زوار ومهاجرون يأتون من مختلف الملل والأديان التي ينتسبون إليها، وحفظ المسلمون لهم حقوقهم، فهذه الأمة مؤهلة لذلك أصلا بإرثها لملة إبراهيم الخليل عليه السلام وبتكليف الله تبارك وتعالى لها ان تحفظ حقوق الآخرين، ولذلك كانوا هم الذين يرفعون البغي والعدوان عن المظلومين أيا كانوا، ولم يحصل ذلك في فلسطين فقط ، وإنما في مختلف البلدان التي حصل فيها اضطهاد أو ظلم بشهادة اليهود انفسهم ففي الكثير من المؤلفات التي كتبوها ذكروا كيف آوى المسلمون اليهود من بطش من جار عليهم واعتدى عليهم، ولذلك فان معالجة المسلمين اليوم لهذه القضية لابد ان تنبع أيضا من دينهم حتى لا يجوروا على غيرهم، أو أن يستبد بهم رنح الانتقام والثأر لأن الله تبارك وتعالى أمرهم بالعدل فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

أيضا طرحت قضية أخرى مع إثارة هذا الموضوع الآن واستثارة عواطف المسلمين يتعلق بالمسجد الأقصى وانه ليس في فلسطين، إنما هو في منطقة واقعة بين الطائف ومكة.. هل يتماسك هذا الرأي أمام الأدلة الأخرى؟
هذا رأي سفهاء أذلة منهزمين، هم تلاميذ لـ«مردخاي كيدار» وهو مستشرق يهودي في جامعة بار إيلان وكان هو أول من أثار هذا الموضوع ثم قلده بعض السفهاء ممن ينتسبون الى هذه الأمة وكلامه متهافت – هو يزعم انه نقله عن الواقدي في المغازي – وكلام الواقدي واضح صريح لا يحتاج الى كثير بحث في تبين معناه ودلالته فعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فإنه وقف في الجعرانة ومكث فيها حسب رواية الواقدي ثلاث عشرة ليلة، أو اكثر أو اقل، ثم لما قفل عائدا فانه أحرم لأن الجعرانة ميقات أحرم بالعمرة فقال الواقدي: عند المسجد الأقصى الذي هو تحت الوادي، وأما المسجد الأدنى فقد بناه رجل من قريش وبنى الى جانبه حائطا، فهو هنا يتحدث عن مكانين، الأدنى والأقصى، أي الأقرب والأبعد، ولذلك نجد في كتاب الله عز وجل في قصة بدر: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) فالأقصى والقصوى أي الأبعد والبعدى، والأدنى أي الأقرب، فالواقدي هنا يصف الموضع الذي احرم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول المسجد الأقصى الذي هو تحت الوادي، فسنفهم في هذا السياق طالما تبين لنا مصدر هذا التشويه نعلم انه يراد به فعلا رسم أباطيل وشبهات، وقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى ان من بني جلدتنا من يستجيب لمثل هذه الأصوات، وقال: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) فهؤلاء ممن بين لنا ربنا تبارك وتعالى حقيقتهم وكشف لنا بواطنهم.
وأشار الى أن القرآن الكريم نص على أن الإسراء كان الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، وهذا الوصف لا يصدق على الجعرانة ثم أن بين الجعرانة وبين مكة المكرمة – حسب نص كيدار – مسافة لا تزيد عن عشرين كيلومترا فما المستغرب أن يخرج مسافر راكبا أو حتى راجلا من مكة الى مسافة عشرين كيلومترا ثم يرجع الى مكة؟ ما هو المستغرب في ذلك؟ وكيف لأهل مكة أن ينكروا؟ وكيف يرتاب بعض ضعاف المسلمين في حادثة الإسراء أن لو كانت في الجعرانة في هذا الموضع؟!. موضحا أن رسول الله صلى الله عليه ويسلم ينص على أن بيت المقدس الذي هو في إيليا وهي القدس، وهكذا فهم المسلمون عبر القرون، وهكذا استقرت الحقيقة، فمثل هذه الشبهات واهية ضعيفة إلا أن الترويج لها من قبل أعداء هذه الأمة وتلقي بعض ضعاف الإيمان وجهلة العقول لها هو الذي يستدعي الرد عليها وإلا فإنها أضعف من أن يرد عليها.