احتمالات مفتوحة وسط «تجاذبات» خطيرة

محمد حسن داود –
,, بقدر ما كانت تسوية الأزمة الليبية في المتناول وباتت قاب قوسين أو أدنى,بقدر ما تحولت في الأيام القليلة الماضية إلى ما يشبه الهاجس نتيجة تحولات مفاجئة في المواقف السياسية وتجاذبات سياسية وإعلامية خطيرة قد تقود إلى هدم كل ما تحقق من جهود خلال السنوات الماضية ,,

الخوف الآن أن تعود ليبيا مجددا إلى نقطة الصفر ، لتدفع ثمنا باهظا من أمنها واستقرارها، نتيجة عوامل عديدة ومتشعبة تم تناول الكثير منها على هذه الصفحات في ملفات سياسية سابقة، وتم طرحها بالفعل على سبيل التحذير المبكر، من أنها قد تكون سببا في إجهاض العملية السياسية برمتها أو تعطيلها على أقل تقدير. وعلى رأس تلك العوامل الثغرات التي صاحبت الإعلان عن اتفاق الصخيرات يوم ميلاده قبل عامين حيث لم ينل الموافقة وقبول الإجماع اللازم لنجاحه من جميع الأطراف السياسية الفاعلة على الساحة الليبية. وبرغم ان الاتفاق في حد ذاته هو أساس الفترة الانتقالية المحددة، وصولا إلى صياغة عملية سياسية متكاملة من خلال الدستور والانتخابات البرلمانية والرئاسية بتوافق مجتمعي شامل، إلا أن هذه المرحلة الانتقالية طالت أكثر من اللازم وظل الانقسام السياسي قائما مابين الشرق والغرب، وسط تعثر محاولات تعديل اتفاق الصخيرات ما جعله في مهب الريح.
ولم تكن ثغرات«الصخيرات»في الغالب وحدها المسؤولة عن المأزق الراهن، ولكن ربما كان هناك عامل آخر ساعد على الوصول للمأزق الراهن ، متمثلا في تعدد المرجعيات والمنصات السياسية، إذا جاز التعبير ، فقد جمع زخم المفاوضات المستمر عواصم عديدة من الشرق إلى الغرب أفكارا واتفاقات متعددة ومتنوعة من أطراف ودول كثيرة، إلا أن جميع هذه المرجعيات والأفكار – رغم أهميتها وجديتها – شابها نفس عيوب وثغرات «الصخيرات» حيث افتقدت إلى الآليات التي يمكن من خلالها «فك» عقدة الأزمة القائمة، ووضع الأفكار المطروحة موضع التنفيذ الميداني بقبول وموافقة الأطراف كافة، فقد تعثرت تلك البرامج نتيجة اعتراضات تعكس في كثير من الأحيان انتصارا للمصالح الشخصية على حساب المصالح الوطنية..
وبينما تباينت الأهداف من جانب الأطراف الخارجية الفاعلة والمعنية بتسوية الأزمة، ما بين دعم طرف على حساب آخر ، أو السعي لتحقيق مصالح ومكاسب اقتصادية بعيدة المدى، بينما تعاملت أطراف أوروبية مع الأزمة من منطلق انتهازي بحت، لمنع الهجرة غير الشرعية، بكل الوسائل، دون الاهتمام الجدي بالتوصل لتسوية سياسية، فقدمت هذه الدول الحلول العسكرية لحصار الأراضي والسواحل الليبية لمنع تدفق المهاجرين، بل وظهرت أصوات أوروبية ـ على حد تأكيد مسؤول سياسي ليبي – تطالب بأن تستوعب ليبيا بمساحاتها الشاسعة وعدد سكانها المحدود الملايين من الأفارقة وتوطينهم في أراضيها وتوفير فرص عمل لهم بدلا من هجرتهم للدول الأوروبية!!
ومن الطبيعي في ظل طول الفترة الانتقالية وتعدد المرجعيات والبرامج وتعنت الأطراف وتشددها وغياب الإرادة السياسية الحقيقية نحو التسوية أن يحدث شيء من الجموح في المواقف المعلنة من الأطراف الفاعلة، من شأنها أن تربك المشهد بأكمله، وتجعل التطورات المستقبلية مفتوحة على كل الاحتمالات«الخطيرة»، ومن ذلك ما حدث بالفعل في الأيام الماضية، ففي خطوة اعتبرها البعض تصعيدية وصادمة ومن شأنها أن تزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في ليبيا، خرج قائد الجيش الوطني الليبي المشير خلفية حفتر – وبعد أيام من تأكيد مجلس الأمن الدولي على أن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات تحت رعاية الأمم المتحدة وبإشراف المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا، لإنهاء الحرب الأهلية الليبية، وشمل مختلف أطراف الصراع في ليبيا ونص على تشكيل حكومة الوفاق لمدة عام قابلة للتمديد مرة واحدة، هو «الإطار الوحيد القابل للاستمرار» لحل الأزمة السياسية في هذا البلد العربى الأفريقى المكلوم ، مشددا على استبعاد أية حلول عسكرية للأزمة- ليعلن حفتر على العالم في كلمة متلفزة موجهة إلى الشعب الليبي والمجتمع الدولي قاطبة، انتهاء الاتفاق السياسي في البلاد، ومعه ولاية حكومة الوفاق الوطني، والتي يدعمها المجتمع الدولي، بينما لم يكن حفتر يعترف بها وانتهت ولايتها قبل أيام، فيما لم تكن قد حازت ثقة البرلمان المنتخب، الذي يوجد مقره في شرق البلاد ويدعم المشير حفتر.
واعتبر المشير حفتر خلال كلمته المتلفزة،أن يوم السابع عشر من الشهر الحالي هو تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي، لتفقد معه كل الأجسام السياسية المنبثقة عن ذاك الاتفاق بصورة تلقائية شرعيتها المطعون فيها منذ اليوم الأول من مباشرة عملها، رغم كل الشعارات البراقة من الحوارات السياسية من غدامس، مرورا بجنيف والصخيرات وانتهاء بتونس،والتي انتهت جميعها وأضحت حبرا على ورق، مؤكدا رفضه أسلوب التهديد الذي قد تجنح إلى انتهاجه الدول العظمى، مشددا على أنه والجيش الليبي من خلفه لن ينصاع إلا لإرادة الشعب الليبي وحده، وليس لأية قوة غير منتخبة ، لافتا إلى أن «أسلوب التهديد والوعيد لن ينجح والقوات المسلحة الوطنية الليبية ستقاتل لآخر جندي،والجيش لن ينصاع إلا لأوامر الشعب الليبي»..
وبرر حفتر إعلانه المفاجئ والصادم والمثير بمعطيات شتى أبرزها: أن البلاد تشهد منعطفا تاريخيا خطيرا مع بلوغ اليوم السابع عشر من شهر ديسمبر الحالي، بينما ينفد صبر الشعب الليبي بعدما أضحت مرحلة الاستقرار التي ظل ينتظرها بفارغ الصبر بعيدة المنال، إن لم تكن وهماً وسرابا، حيث يرى حفتر أن المواطن بات يشعر أن كل آماله وأحلامه التي بناها على وعود المسارات القائمة أصبحت تذوب وتتلاشى ليحل محلها الإحباط وخيبة الأمل ، وفقدان الثقة في كافة المؤسسات الوطنية.
كما شدد حفتر على أن كل المؤشرات تنذر بانزلاق ليبيا إلي مرحلة خطيرة من التدهور الحاد في كل الشؤون المحلية، وقد يمتد ذلك الخطر إلى باقي ربوع البلاد المترامية الأطراف، دون أن يلمس أو يستشعر الشعب الليبي من المؤسسات المحلية الإقليمية أو الدولية التي تدعي حرصها على معالجة الوضع ،أية إجراءات استباقية عملية جادة يمكن أن تطمئن المواطنين الليبيين على مستقبلهم ومصير بلدهم المنكوب. ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب الليبي تواصلت التجاذبات الخطيرة حيث رد فائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، على إعلان المشير خليفة حفتر بالتأكيد على استمرار عمل حكومته في انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تعتزم بعثة الأمم المتحدة إجراءها قبل نهاية العام المقبل. ووجه السراج ما وصفه برسالة طمأنة ، مفادها استمرار المجلس الرئاسي لحكومته والحكومة نفسها في أعمالهما المعتادة ، معتبرا أنه لا وجود لتواريخ محددة لنهاية اتفاق الصخيرات إلا عند التسليم لهيئة منتخبة.
ودعا السراج إلى المصالحة الوطنية وبناء أرضية لإجراء الانتخابات وانتهاء المراحل الانتقالية، ولإفساح الطريق أمام الشعب ليقول كلمته عبر صناديق الاقتراع، وليس بالقفز على السلطة أو عسكرتها، على حد تعبيره. وبعدما أكد السراج التزامه باستحقاق الانتخابات، وأضاف: لن نسمح بوجود فراغ تملؤه فوضى، ويتسلل إليه التطرف والإرهاب، حتى نسلم الأمانة إلى من يختاره الشعب أو ممثلوه. ولكن في مقابل هذه التطمينات كانت هناك مؤشرات عكسية حين أعلن طارق شعيب، وكيل وزارة الخارجية بحكومة السراج، استقالته من منصبه مؤكداً انتهاء صلاحية جميع الأجسام المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، ووجه شعيب رسالة رسمية إلى السراج وأعضاء الحكومة قال فيها إن استقالته لن تنهي وجود الحكومة، لكن الأنفس تأبى الاستمرار في طريق الانقسام والتشرذم، مع أهمية تجنب المشاركة في استمرار الهدم المشرعن لكل ركائز التعايش الوطني، ومن جهتها اعتبرت القوة الثامنة المعروفة باسم «كتيبة النواصي» والتابعة لحكومة السراج أن تصريحات حفتر تعد بمثابة انقلاب على العملية الديمقراطية، وإنهاء عملية التداول السلمي للسلطة، وإفشال كل الجهود الدولية والمحلية والعربية من أجل إيجاد فترة انتقالية ديمقراطية حقيقية في ليبيا، وتستهدف إرجاع ليبيا إلى حكم الفرد وحكم العسكر،على حد قولهم.
وفي المقابل، بدا أن هناك تباينا في وجهات النظر بين حفتر ورئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، الذي حث الشعب الليبي على المشاركة في الانتخابات المقبلة، منعا للاختلاف أو الفراغ السياسي، وقال عقيلة صالح في كلمة بمناسبة مرور عامين على اتفاق الصخيرات: أدعوكم إلى الاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، معتبرا أن الشعوب لا تمنح بيعة أبدية ولا شرعية أبدية لحكامها، وشدد على أن الانتخابات هي الطريق الوحيدة لبناء دولة القانون والمؤسسات والتبادل السلمي للسلطة، وهي تأكيد للشرعية التي لا يستطيع أحد أن يعارضها بانتخابات حرة نزيهة تحت إشراف المجتمع الدولي، محذراً من أن النزاع والاختلاف قد يعطي ذريعة للتدخل الخارجي في شؤون الدولة الليبية، وأعرب عن اعتقاده بأن من يرفض الانتخابات يريد الاستمرار في السلطة واستمرار الفوضى والخلاف، ولاشك في أن مثل هذه التجاذبات تعمق من خطورة الأزمة بقدر ما تكشف أبعادها الحقيقية وتجعلها مفتوحة على احتمالات خطيرة ما لم تبذل جهودا كبيرة داخلية وخارجية لتغليب المصالح الوطنية على الدوافع الشخصية.