عطر: «القدس» حلمنا مقابل عقيدتهم

رندة صادق –

القدس قضيتنا العربية العادلة حلم جيلنا ،الذي تربينا على شعارات تحريرها، نشحن الهمم بأغاني الثورة ونصفق لأي مبادرة ترفع الصوت عاليا، كم من شاب ظن نفسه “تشي غيفارا” وهرب ليسكن الجبال مع الثوار وأطعم عمره وقودا لحلم العودة .
الجميع يعلم ان لبنان بلد التصق كثيرا بقضايا الأمة العربية وخاصة بالقضية الفلسطينية فهو يضم عددا كبيرا من اللاجئين الفلسطينين تفاعل شبابه مع هذه القضية وانخرط عدد كبير منهم في “منظمة التحرير الفلسطينية”و “الجبهة الشعبية” وقاتل الى جانبهم ،ولكن مهلا لم يكن القتال على حدود فلسطين ،بل كان قتال أهل البيت ،قاتل مع الفلسطيني ضد الفلسطيني وقاتل معه الفلسطيني ضد أخيه اللبناني ،عندما كنت طفلة كنت اسمع بشهداء يزفون الى القبور يوميا ولكن حين كنت أصغي الى أحاديث الكبار لم اسمع كلمة” اسرائيل” الا حين يتحدثون عن الأيدي الخفية وراء الحرب الأهلية اللبنانية ،فيقولون انها “اسرائيل”، ويبدأ التخوين والحديث عن العملاء الذين ينفذون المخطط الأمريكي – الإسرائيلي.
في تلك الفترة كنت مراهقة، تظن أن الحرب أغنية لـ”مرسال خليفة” أو “الشيخ إمام” ،كنت أعتبر صوت “أميمة الخليل” منجنيق يهدد “تل أبيب” وتلك القصائد المكتوبة سلاحنا السري في اقامة عدل الله سبحانه وتعالى على وجه الأرض،كان الحماس يرفع الأدرينالين في دمي، فأنا خليط من دم فلسطيني- لبناني ،كنت أظن أننا يد واحدة وحلم واحد، لكن لا مكان لموقع قدم وسط ازدحام الموسيقى والشعر والشعارات والهتافات.
في تلك المراهقة قرأت “محمود درويش”، “غسان كنفاني” وتعرفت على النكسة التي كانت قبل مولدي بعام واحد، كنت أتابع تبادل التهم والحديث عن التخلي الكبير في الصحف التي كنت أدمن قراءتها ومرت الأعوام والقدس مازالت على موائدنا نلتهم أخبارها ونبكي الأقصى الوحيد ، نبكي حلما تركته لنا عقيدتنا ويقاتلون هم ليستعيدوا إرثا تركته لهم عقيدتهم، اذا الحرب حرب حلمنا مقابل عقيدتهم ، كل كل ما سمعناه وقرأناه وكل ذلك التصفيق حلم عربي، في الحقيقة هي ليست حلم عربي بل حلم اسلامي الاسلام ليس دين عربي بل أممي، فهذا العدد القليل نسبيا من المؤمنين بالإسلام شكلوا عبئا على ستة مليار انسان فقرروا ان يتخلصوا منهم ولكن هناك صوتا آخر يخرج من بين الحلم، ليقول لنا ان معركتنا ليست عقائدية بل وجودية واننا لسنا بحسابات الغرب الفكرية بل بحساباته الإقتصادية وان هدفه ثروات الشرق، وهذه متاهة أخرى لجيل مثل جيلي قادته الأحلام فصحى يوما على اتفاق “أسلو”.
ان تتفق يعني ان تقبل بنقاش تجلس فيه بحواسك وتاريخك وذاكرتك التي تختزن مجزرة “دير ياسين” وان تنظر الي تلك الوجوه المظلمومةالتي صدقت ان فلسطين ارضها وان النزاع ستحله الدول الأمهات التي ترعى خوفنا على أرضنا، سيجلسون معك بجثثهم وبطونهم المنتفخة ورائحة الموت تحاصر تلك الطاولة التي جمعتك بهم لتتفقوا .
مسكينة أنا وكل أبناء جيلي،لأننا شهدنا اتفاق الضعيف الذي يضع يده بيد القوي المغتصب، بعد هذا الاتفاق لملمت حماسي للقضية الفلسطينية وجمعت كل القصائد ونسيت صوت الأغاني الحماسية ،وضبتهم كحقبة انتهت من حلمي وأحاسيسي،توقفت عن قراءة الصحف ومتابعة الأخبار والبكاء على الأقصى وبت أنام لأنام لا لأصحو، غادرتني القضية وسكنني الإحباط وباتت قضيتي الأكبر، كأي امراة عادية ماذا سأطبخ غدا؟ أدركت ان الحلم مات منه عنصر وجوده وأن الأقصى حلم وضعوا هم أسس تفوق عقيدتهم على حلمنا واليوم القدس عاصمة لإسرائيل ، اسرائيل منذ زمن توقفت عواصم كثيرة عن تسميتها “الكيان المغتصب” وبات اسمها “دولة اسرائيل”،فما الجديد؟ ..