القضية الفلسطينية. إلى أين؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –
لقد عبرت الشعوب عن إرادة كبيرة وتصميم واضح بأن القدس الشريف هي مدينة عربية، ولا يمكن لترامب ولا لغيره من الساسة في الولايات المتحدة تغيير الأوضاع في فلسطين.

القضية الفلسطينية منذ أكثر من 70 عاما اعتمدت علي وسيط وحيد هو الولايات المتحدة ودوما ما نقول في كل مقالاتنا وحواراتنا الإعلامية إن هذا الوسيط بحكم العلاقة المتعمقة مع الكيان الصهيوني ليس هو الوسيط النزيه، وينبغي أن يكون الحل السلمي من خلال المجتمع وقرارات الشرعية الدولية، أي من خلال الأمم المتحدة التي تعد الحاضنة الأهم لدول العالم.
ومع ذلك كان العرب أصحاب نوايا صادقة من خلال حث الفلسطينيين على التجاوب مع مبادرة السلام، ولعل اتفاق أوسلو كان مرحلة في إطار إقامة الدولتين، وكانت الولايات المتحدة هي الوسيط الذي استلم هذا الملف الشائك من خلال الرؤساء الأمريكيين.

ما بعد قرار ترامب

جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير الشرعي – وفق مبادئ القانون الدولي والقرارات الدولية – صادما للفلسطينيين والعرب كون هذا القرار يتنافى مع قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس مدينة تحت الاحتلال، وأن وضعها النهائي لا بد أن يتم وفق الحل السلمي بين دولة فلسطين والكيان الإسرائيلي. ومن هنا كانت الهبة العربية والإسلامية لنصرة القدس وأيضا كانت اجتماعات وزارية للجامعة العربية وأيضا قمة إسلامية طارئة في مدينة إسطنبول التركية.
مجلس الأمن الدولي قال كلمته من خلال تأييد 14 عضوا لمشروع القرار العربي أمس الأول في حين أن الفيتو الأمريكي كان متوقعا من واشنطن، ورغم ذلك فإن هذا التصويت قد كشف الولايات المتحدة ونواياها ضد الشعب الفلسطيني، حيث كشف الوسيط الأمريكي عن نواياه وعدم نزاهته، وربما يكون هذا الموقف فرصة لإدارة ملف القضية الفلسطينية من خلال الأمم المتحدة أو أطراف مثل دول الاتحاد الأوروبي.
إن الوسيط الأمريكي لم يعد مناسبا للوساطة في الملف الفلسطيني – حسبما أعلنت السلطة الفلسطينية – ولعل تصويت مجلس الأمن الدولي قد أعطى إشارة قوية بأن الوسيط الأمريكي من خلال إنحيازه السافر للكيان الصهيوني أصبح غير مؤهل للوساطة، ومن هنا فإن أمام العرب والفلسطينيين فرصة لحشد التأييد السياسي والديبلوماسي أولا للاعتراف بفلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة، وثانيا بنقل القنصليات والسفارات العربية في المستقبل إلى القدس الشرقية باعتبارها عاصمة لدولة فلسطين، وثالثا إيجاد إجراءات أخرى من خلال تعرية الموقف الأمريكي والضغط علي الكيان الصهيوني من خلال عدد من الأوراق المهمة التي يمتلكها العرب والمسلمون.
ولا شك أن خروج الجماهير العربية والإسلامية والشعوب المناصرة للحق والعدل قد أعطى مؤشرا بأن الولايات المتحدة خاصة في إدارة ترامب خرجت عن النواميس الدولية، وكان قراراها بنقل سفارتها إلى القدس، وهي مدينة محتلة هو سلوك غير قانوني، ومن هنا فإن مجلس الأمن من خلال التصويت قد وجه رسالة قوية بأن المجتمع الدولي يتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني، وأن القرار الأمريكي باطل ولا قيمة له.

انتفاضة الشعوب

لقد خرجت جموع الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية وكل الشعوب المحبة للعدل والسلام، وكانت الولايات المتحدة التي تتشدق بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان هي الخاسر الأكبر لهذه المبادئ، ومن هنا فإن الخيارات الاستراتيجية لابد أن تتبدل، فالهوية الفلسطينية والعربية والإسلامية في خطر، ولا بد من الأفعال بدلا من الأقوال، كما أشار إلى ذلك معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي في كلمته الارتجالية أمام اجتماع وزراء الخرجية العرب في القاهرة مؤخرا، وكانت كلماته تعني أن على العرب أن يتحركوا من خلال سلوك سياسي يعطي للولايات المتحدة رسالة بأن قضية فلسطين هي محور الصراع في الشرق الأوسط، وأنه بدون الحل العادل والشامل وإرجاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، فلن يكون هناك سلام واستقرار في المنطقة وسوف يسود التوتر والحروب بين إسرائيل والعالمين العربي والإسلامي.
لقد عبرت الشعوب عن إرادة كبيرة وتصميم واضح بأن القدس الشريف هي مدينة عربية، ولا يمكن لترامب ولا غيره من الساسة في الولايات المتحدة تغيير الأوضاع في فلسطين، وربما يكون القرار الأمريكي فرصة لإعادة النظر في موضوع التحرك الفلسطيني والعربي من خلال إيجاد آليات جديدة تم الإشارة إلى بعضها، ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب تضامنا عربيا وإسلاميا والتصدي للمخطط الأمريكي- الإسرائيلي من خلال التحرك الجماعي والتنسيق مع المجتمع الدولي.

الأمم المتحدة وقراراتها

لا شك أن قرارات الشرعية الدولية لا بد أن تحترم، وأن قرار القدس الذي يضع المدينة المقدسة تحت بند الاحتلال، ينبغي تفعيله، ولا شك أن طلبا فلسطينيا وعربيا لعقد اجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة هو من الخطوات الأساسية لفضح المخطط الأمريكي الذي خرج عن الشرعية والقانون الدولي الإنساني، ولعل هذه الخطوة وإعلان تركيا عن نقل قنصليتها من تل أبيب إلى القدس الشرقي عاصمة فلسطين هو سلوك سياسي مهم بحيث تتوالى التحركات وتنضم دولة فلسطين إلى كل المنظمات الإقليمية والدولية، ويتم الضغط الغربي علي إسرائيل وتنكشف الولايات المتحد وتصبح دولة معزولة من خلال تصرفاتها السلبية، ولعل عزلها عن الملف الفلسطيني هو أمر مهم وبالتالي يتولى المجتمع الدولي حل القضية الفلسطينية حلا عادلا علي ضوء قرارات الشرعية الدولية.
إن قرارات الشرعية الدولية لا بد أن تكون هي المحرك لحل الصراع العربي-الإسرائيلي وكان خطأ فادحا أن يعطى الملف الفلسطيني للولايات المتحدة التي تلاعبت بهذا الملف لسنوات طويلة، وكشفت عن انحيازها السافر للكيان الصهيوني في خطوة استنكرها العالم حتي من أقرب حلفاء واشنطن، وهي دول الاتحاد الأوروبي، التي صوتت في مجلس الأمن لصالح القرار العربي، وهي بريطانيا وفرنسا إضافة إلى روسيا والصين، ومن هنا فإن الأمم المتحدة ودورها أصبح على المحك، فالذي يحدث في فلسطين المحتلة من مواجهات بين الشعب الفلسطيني المقاوم وقوات الاحتلال الإسرائيلي هو أمر قد يتطور إلى مواجهة شاملة قد تقود إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط خاصة إذا حدثت مواجهة مسلحة بين حزب الله اللبناني وإسرائيل علي جبهة التماس مع لبنان.
إن الوضع في الشرق الأوسط بكل أوضاعه وصراعاته المعقدة قد يقود إلى مواجهات كبيرة، وهنا يكون الأمن والسلم الدوليين في خطر وتتوسع خريطة المواجهة، ومن هنا فإن أمام الأمم المتحدة فرصة لتفعيل دورها في مواجهة هذا التطور غير المسبوق من خلال سلوك واشنطن غير المنصف في إدارتها لملف الصراع العربي- الإسرائيلي، ومن هنا فإن الضغط الشعبي علي إسرائيل وأمريكا قد يحدث الفرق، علاوة علي تحريك المنظمات المدنية والحقوقية ضد القرار الأمريكي الظالم.
إن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني سوف ينتصران، ولا يمكن للولايات المتحدة، مهما اتخذت من قرارات ظالمة، أن تنجح في مسعاها، لأن الشعب الفلسطيني سوف يظل صامدا ومقاوما ومعبرا عن إرادته الوطنية، حتى ينال حقوقه المشروعة التي نصت عليها قرارات الشرعية الدولية، وسوف يفشل المخطط الأمريكي-الإسرائيلي لسلب حقوق الشعوب ولنا في التاريخ عبرة.