نوافـذ: بين الاختلاف والخلاف.. ثمة مفارقة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

متى يبدأ الخلاف؟ سؤال تجريدي بحت، ومباشرته هذه تفضي إلى كثير من الإجابات والتنظيرات، والتعليقات، والتعليلات، ذلك لأن الحالات التي ينتج عنها الخلاف كثيرة، وعديدة، ومرتبطة بحياة الإنسان اليومية ارتباطا وثيقا ومباشرا، ومواقف الخلاف صادمة لجوانبها الكثيرة، لأنها تلغي وجود الطرف الآخر، ولا تقيم له وزنا، ويتجاوز الإنسان حقيقته البشرية، من لا يقر بهذه الصورة، في جميع تعاطيه مع الآخرين، لأن الخلاف أيضا ثيمة فطرية فطر الله الناس عليها؛ فاتساع الرؤية لأفق ممتد؛ ليس يسيرا أن يتحقق عند الجميع بلا استثناء، وذلك لعوامل كثيرة: بيئية، وأسرية، وثقافية، وفطرية «ذاتية».
هنا ثمة خيط رفيع بين مفهومي «الاختلاف والخلاف» فهناك من يرى أن المبالغة في الاختلاف يقود؛ بأي حال من الأحوال؛ إلى الخلاف، والاختلاف أمر طبيعي بين البشر، فليس من اليسير أن يتفق كل الناس على أمر ما، وهو أمر صحي أيضا، لأنه يعكس أن هناك درجة من الوعي بين أفراد المجتمع تتيح لهم فرصة تكوين رأي ما، ربما أكثر نضجا من رأي آخر مطروح في قضية ما، وفي الاختلاف قد يصل المتحاورون؛ على سبيل المثال، إلى كلمة سواء، ولذلك يقال: «الاختلاف؛ لا يفسد للود قضية» أما الخلاف فهو دائم مفض إلى التنازع والتشتت والخصام، وهو أمر غير محمود، وكلما نما الخلاف في وسط ما، كلما كان ذلك نذيرا لمستقبل غير صحي لذلك الوسط، وأيما فردين تربطهما علاقة ما، وقعا في خلاف ما، كان مناسبة لخصام
امتد سنوات، وربما دفن أحدهما الآخر، دون أن يقتربا في تصالح مفضٍ إلى الرضا والتسامح.
نعيش معترك الاختلاف والخلاف بصورة يومية، في مختلف علاقاتنا مع من حولنا، ومع أقرب الناس إلينا، وتظل هذه الصورة في مستوياتها المعتادة في أغلب الأحيان، ولكن، ولظروف مختلفة يتعمق الخلاف أكثر ليفضي إلى التنازع والخصام، وهي الحالة التي تتقاطع من خلالها المصالح بين الأطراف المتنازعة أو المختلفة، وعادة ما تتأزم العلاقات في حالة الخلافات الشخصية بين الأفراد، أما في الخلافات العامة التي تتعلق بالمصالح العامة، فإن حدتها النفسية تكون أقل تأثيرا، ولذلك تتلاشى تأثيراتها النفسية شيئا فشيئا، أما في تقاطع المصالح الشخصية، فإن توارى تأثيراتها النفسية على وجه الخصوص يحتاج إلى زمن طويل.
تأتي خلافات ذوي القربى أكثر عمقا في تجريح النفوس، لأنه يحمل مباشرة إلى محمل الـ «ظلم» ولو كان لا يرقى إلى هذا المستوى من العمق في تأصيل الخلاف، ولكن الناس اعتادوا هكذا في الخلاف مع ذوي القربى، ولعل مقاربة الشاعر طرفة بن العبد الوائلي في قوله: «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة؛ على النفس من وقع الحسام المهند» – حسب المصدر – ما يشير إلى هذا المعنى ولو كان الخلاف لا يرقى إلى مستوى الظلم، وربما الملمح الإنساني هنا؛ للخوف من التشتت والنزاع، أو وربما للوجود القريب جدا في حالات الالتقاء وتبادل المنافع، بخلاف الخلافات مع البعيد نسبيا، حيث تتوارى الأجسام بعيدا عن مرأى العين، وذلك يقال في المثل الشعبي: «إذا بغيت يحبوك، تغرب أو موت».
جميعنا، كما أتوقع؛ لا يريد أن يولج نفسه في خلاف ما، فهو أقرب إلى التصالح منه إلى الخصام، ويعد الصلح خيرا دائما، إلا أن واقع الحياة يفرض على الناس أن لابد من أن يختلفوا، وأن يمر أحدنا على هذا الحد الفاصل الـ «خلاف» شاء ذلك أم أبى، لأنه من المستحيل أن تسير الحياة سيرا طبيعيا وفق ما يريد كل منا على حدة، ووفق ما نتوقع، فلا بد أن نمر بمطبات توقف تسارعنا الجميل، وبسلوكيات نتصادم من خلالها مع أصحابها، لأنها لا تتفق وقناعاتنا التي نؤمن، وبما نتكئ عليه من خبرات تراكمت عبر مسيرتنا الحياتية.