مسارات للتنمية البشرية للتوسع في التعمين

د. أحمد سيد أحمد –

,, يتمثل مفهوم التنمية البشرية في توسيع خيارات البشر من خلال بناء وتطوير قدراتهم ومهاراتهم في مختلف المجالات والتوظيف الكفء لتلك القدرات بحيث يساهم في تحسين مستوى المعيشة والرفاهية لهم ويساعد في بناء مجتمعهم وتنميته وازدهاره. ,,
وانطلاقا من هذا المفهوم استطاعت سلطنة عمان تحقيق معدلات مرتفعة من التنمية البشرية وتحقيق النهضة الشاملة وفقا لفلسفة وسياسة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – التي أعلنها منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد البلاد عام 1970 بأن الإنسان العماني هو غاية التنمية وأداتها في ذات الوقت.
ومن ثم انطلقت خطط التنمية العمانية لتحقيق هذه الهدف. فقد شهدت خطط التنمية خلال المرحلة الممتدة من 1976-1996 إنجازات ملموسة على صعيد التنمية البشرية والارتقاء بالإنسان العماني، ثم جاءت خطط التنمية الخماسية خلال الفترة الممتدة من 1996-2020 ( عمان 2020 ) لتحقق طفرة كبيرة في مجال التنمية الشاملة والتنمية المستدامة انطلاقا من محور التنمية البشرية، وهو ما جعل عمان تحتل المرتبة الأولى عالميا في معدل سرعة التنمية البشرية، حيث وضعتها الأمم المتحدة في تقريرها عن التنمية البشرية لعام 2010 في مقدمة دول العالم في سرعة معدل التنمية البشرية خلال العقود الأربعة الماضية، وأكدت الأمم المتحدة أن السلطنة جاءت في المركز الأول على مستوى العالم بين 135 دولة في معدل التحسن الذي حققته مقارنة بما كانت عليه عام 1970.
ويمكن القول إن مسارات التحرك العماني في مجال التنمية البشرية لتحقيق هذه الأهداف يتمثل في :
أولا: بناء قدرات الإنسان العماني عبر النهوض والارتقاء بالتعليم باعتباره المفتاح الرئيسي للتقدم، وذلك لمواكبة متطلبات سوق العمل والمهارات الجديدة التي يتطلبها خاصة في مجال المشروعات غير التقليدية مثل المشروعات القائمة على المعرفة ومشروعات ريادة الأعمال، والمشروعات الصغيرة، إضافة لمواجهة مشكلة الباحثين عن عمل، وتقليل معدلاتها بشكل كبير، وكذلك إحلال القوى العاملة الوطنية محل القوى العاملة الوافدة في إطار « سياسة التعمين». وقد نجحت السلطنة بالفعل في إحداث تقدم كبير خلال السنوات الماضية في مجال التعمين، حيث حققت إنجازات ملحوظة في القطاع الحكومي، فقد ارتفعت نسبة التعمين بالقطاع الحكومي من 68% عام 1995م الى نحو 89% عام 2009م أما بالنسبة للقطاع الخاص فقد ظلت نسبة التعمين عند مستواها المحقق عام 1995م أي نحو 15%. ولذلك تستهدف خطط التنمية خاصة الخطة الخمسية التاسعة(2016-2020) رفع زيادة نسبة التعمين في القطاع الخاص في ظل توجه السلطنة نحو زيادة مشاركة القطاع في التنمية وتبنيها لاقتصاد السوق وفتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ومن أجل هذا قطعت السلطنة خطوات كبيرة في قطاع التعليم سواء الحكومي أو الخاص، وخاصة التعليم المهني لتلبية حاجات سوق العمل، وهناك ما يزيد على 65 مؤسسة تعليمية مختلفة ما بين جامعات ومعاهد عليا وغيرها، إضافة إلى تطوير المناهج التعليمية وارتكازها على التفكير والاستيعاب وتنمية القدرات الإبداعية أكثر من التلقين والحفظ. لكن مع ذلك يظل تعدد الجهات المشرفة على القطاع التعليمي بحاجة إلى إعادة نظر وضرورة توحيد هذه الجهات في جهة واحدة، أو في جهات محدودة العدد ، لتحقيق التنسيق بشأن أهداف العملية التعليمية وربط التعليم بسوق العمل. ثانيا: على المسار الاقتصادي ارتكزت خطط التنمية على تحقيق التنمية البشرية والتنمية المستدامة في إطار سياسة تنويع مصادر الدخل والتقليل من الاعتماد بشكل أساسي على المصادر النفطية لصالح المصادر غير النفطية، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط ، وما سببه من تحديات تمثلت في ارتفاع العجز الحكومي وتقليل النفقات.
وقد حققت السلطنة معدلات نمو مرتفعة عبر خطط التنمية، وسجل الاقتصاد العماني طفرات كبيرة حيث سجل نموا بنسبة 19.1% خلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2015، إذ بلغ الناتج المحلى الإجمالي خلال عام 2015 حوالي 69.8 مليار دولار أمريكي مقارنة بـ 58.6 مليار دولار أمريكي خلال عام 2010. كما ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلى الإجمالي عام 2015 إلى 71.4%؛ منها 1.6% للزراعة والأسماك، و19.8% للأنشطة الصناعية، وكذلك 49.9% للأنشطة الخدمية والتي يدخل فيها نشاط الفنادق والمطاعم بحوالي 0.9%، إضافة إلى نشاط النقل والتخزين والاتصالات بمقدار 5.8%.
واستطاعت السلطنة توسيع آفاق الاقتصاد عبر المشروعات القومية الكبرى، عبر إقامة المناطق الحرة والمناطق الصناعية. وقد تم حتى الآن إنشاء ثلاث مناطق حرة بالسلطنة، هي منطقة المزيونة الحرة التي بدأت التشغيل في نوفمبر 1999، وتقع في محافظة ظفار بالقرب من الحدود العمانية- اليمنية، والمنطقة الحرة بصلالة التي تم تأسيسها في عام 2006 والتي تدار وتشغل من قبل شركة صلالة للمناطق الحرة، والمنطقة الثالثة هي المنطقة الحرة بصحار التي جاء إنشاؤها بموجب المرسوم السلطاني في 20 ديسمبر 2010 وتدار من قبل شركة منطقة صحار الحرة.
ثم جاء إنشاء هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في 2011 لتمثل نقلة نوعية للاقتصاد العماني بما تحتويه من مشروعات عملاقة في مجالات مختلفة وتمثل بيئة جاذبة وواعدة للاستثمارات الأجنبية. وفي مجال التنمية المستدامة تعد السلطنة الدولة العربية الوحيدة التي حققت نموا مستداما بنحو 7% لمدة 25 عاما.
وقد ساهم الاهتمام العماني بالتنمية البشرية كمحور للتنمية الشاملة في التوسع الكبير في سياسة التعمين وإحلال القوى العاملة العمانية المؤهلة بقدرات ومهارات ومعارف عالية على الانخراط في المشروعات الجديدة في المناطق الحرة وفي المنطقة الاقتصادية بالدقم إضافة إلى المشروعات الصغيرة ومشروعات ريادة الأعمال، وكذلك التوسع في التعمين في كافة المجالات الأخرى ، مثل القطاعات الخدمية كالسياحة، وغيرها والتي تمثل مرتكزا مهما للاعتماد على المواطن العماني.
ثالثا: على المسار السياسي، ترتكز السياسة العمانية على تحقيق التنمية البشرية من خلال زيادة مشاركة المواطن في عملية صنع القرار عبر المشاركة في مجلس الدولة ومجلس الشورى والمجالس البلدية وغيرها، وقد ساهم التعليم في زيادة وعي المواطن بأهمية إدراك التحديات التي تواجهها الدولة العمانية والمشاركة في مواجهة تلك التحديات، كذلك تشجيع المرأة العمانية والشباب على الانخراط والمشاركة السياسية والمشاركة المجتمعية. وقد استطاعت المرأة العمانية والشباب القيام بدور هام في السنوات الأخيرة في ظل تشجيع القيادة السياسية المرتكز على ادراك أهمية العنصر البشري والتنمية فيه للنهوض بالمجتمع العماني في كافة المجالات، خاصة في ظل حالة الاستقرار السياسي التي تحظى بها البلاد والعلاقات التي تربطها بكافة دول العالم نتيجة لسياستها الخارجية الحكيمة.
وبالتالي ارتكزت النهضة العمانية على توظيف القدرات الوطنية والاعتماد عليها بشكل متزايد للتوسع في التعمين في مختلف المجالات، ورغم أن سياسة التعمين لازالت تواجه تحديات مع زيادة نسبة القوى العاملة الوافدة، ولما لها من تأثيرات ثقافية واجتماعية واقتصادية، إلا أن توجه السلطنة الجاد نحو التوسع في التعمين والاعتماد على القدرات الوطنية العمانية، يتطلب معه حشد كل الطاقات والجهود، خاصة من جانب القطاع الخاص العماني، الذي يتزايد دوره يوما بعد الآخر في التنمية.
ورغم وجود بعض التشريعات التي تلزم هذا القطاع بتوظيف نسبة معينة من القوى العاملة العمانية، فإن التنمية البشرية والاهتمام بالإنسان العماني وتطوير قدراته ومهاراته يساهم بشكل كبير في معدلات اعتماد القطاع الخاص عليه، وتقليل الاعتماد على القوى العاملة الوافدة. كما أصبح التعليم العماني قادرا على تلبية التخصصات الدقيقة المطلوبة في المشروعات الجديدة، وكذلك المشروعات الكبرى التي تقيمها الشركات متعددة الجنسيات في السلطنة، وهو ما يؤكد نجاح سياسة الدولة عاما بعد الآخر في تعزيز مسارات التنمية البشرية للتوسع في التعمين وتحقيق النهضة الشاملة على كافة المستويات.