جولة جنيف الثامنة.. لماذا لم تختلف عن سابقاتها؟

فتحي مصطفى –
,, تبقى الاتفاقات الروسية – الأمريكية بشأن التسوية السياسية النهائية للأزمة السورية خزينة أسرار غامضة لن يسهل معرفتها أو فك طلاسمها عن بعد ولكنها بالتأكيد باتت مفاتيح الحل الذي ستتضح معالمه مع تقدم المفاوضات الجارية في جنيف حاليا وغيرها من العواصم الفاعلة. ,,

لعل من المؤشرات المهمة على التنسيق الأمريكي/‏‏‏الروسي في المراحل النهائية من المأساة السورية هذا التزامن الفريد من نوعه، غداة انطلاق الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف بحثا عن تسوية سياسية نهائية، وتمثل في الإعلان عن سحب جانب من قوات الدولتين من سوريا، حيث أعلن مجلس الأمن الوطني في موسكو عن البدء في خفض عديد القوات الروسية بينما أعلنت واشنطن في الوقت ذاته عن سحب مئات من القوات الأمريكية من الرقة على وجه الخصوص دون أن تعيد نشرهم أو إرسال بديل، أغلب الظن أن هذا الإعلان المتزامن حتى وإن لم يكن منسقا بشكل تام إلا أنه يؤكد تراجع التوتر الأمني والاحتراب الداخلي على أرضية الميدان بين الفصائل السورية المعارضة من جانب وقوات الجيش السوري من جانب أخر والتي حققت بفضل الدعم الكبير من جانب أطراف خارجية مؤثرة تقدما كبيرا مكنها من السيطرة على معظم الأراضي السورية، فضلا عن مناطق تخفيف التوتر برعاية أطراف خارجية عديدة مما أدى كذلك لتراجع التوتر الأمني والمعارك على أرضية الميدان.
وفي مواجهة ذلك من الواضح أن التسخين أو التصعيد الجديد سيشغل حيزا كبيرا على طاولة المفاوضات التي ستشهد بالتأكيد مواجهات حادة ومناقشات ملتهبة بين فريق المعارضة الموحد ووفد الحكومة السورية، خاصة بعد ظهور تناقض كبير بين مواقف وطلبات الطرفين، ويبدو أن المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا كان محقا حينما حذر بداية من الإفراط في التفاؤل بشأن مفاوضات جنيف لتسوية الأزمة السورية، مؤكدا أنها لا يمكن أن تأتى بمعجزات، فها هي الجولة الثامنة من تلك المفاوضات التي عقدت في الأيام الماضية وانتهت امس، بينما يلف الغموض ما سيترتب عليها بسبب الخلاف الذي لازم مفاوضات جنيف منذ انطلاق جولتها الأولى في العام 2012 بشأن مصير بشار الأسد على نحو خاص ..
فقد جاءت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف حول الأزمة السورية بعد فشل ذريع ألقى بظلاله على ما سبقها من جولات، ففى أبريل من العام الماضي 2016، أعلنت المعارضة السورية المعترف بها غربيا تعليق مشاركتها في مفاوضات جنيف، متعهدة بعدم العودة إلا إذا تغير الوضع بصورة جذرية على الأرض، وفي نهاية مايو من العام ذاته، أعلن محمد علوش كبير المفاوضين في أكبر فصائل المعارضة السورية المعترف بها غربيا استقالته بسبب «فشل» مفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة في إحراز أي تقدم سياسي، وأعلن علوش في حينها، أن مفاوضات جنيف فشلت في تحقيق أي تسوية سلمية، أوتخفيف الضغوط على السوريين الذين يعيشون في مناطق تحت الحصار، وأضاف علوش، وكان أيضا ممثل جيش الإسلام في الهيئة السورية العليا للمفاوضات، ومقرها العاصمة السعودية الرياض، في بيان له، أن محادثات السلام أخفقت أيضا في ضمان الإفراج عن آلاف المعتقلين أو التحرك باتجاه انتقال سياسي لا يشمل بشار الأسد، ولم تكن هناك أي استجابة لمناشدات المعارضة كي تقود عملية السلام، التي تدعمها الأمم المتحدة، إلى الضغط على الحكومة السورية للسماح بمرور معونات إنسانية إلى المناطق المحاصرة، أما الجولة السابعة التي جرت في يوليو الماضي، فلم تتمخض هي الأخرى عن أي نتيجة إيجابية باستثناء اختراق يتيم لا يتعلق بأهداف المباحثات، حيث تجلى في التقارب الذي سُجل بين وفود المعارضة الثلاثة المتمثلة في وفد الهيئة العليا، ومنصة القاهرة، ومنصة موسكو.
وفي هذا السياق أكدت الهيئة أن الحوار مع منصتي القاهرة وموسكو سيجري بعيداً عن الأمم المتحدة وخارج جولات التفاوض الرسمية، بهدف استكشاف إمكانية العمل المشترك في وفد موحد مستقبلاً، وهو ما تحقق بالفعل من خلال مؤتمر الرياض، الذي عقد قبل أيام بالعاصمة السعودية بغية توحيد صفوف المعارضة السورية قبل انعقاد جولة جنيف الثامنة. وشأنها شأن الجولات السابقة، اصطدمت جولة جنيف -7 بمعضلة مصير الأسد، حيث أصرت المعارضة على أن تنصب المباحثات على المرحلة الانتقالية وضرورة رحيل الأسد، فيما قاتل وفد الحكومة السورية من أجل توجيه المفاوضات نحو محاربة «الإرهاب» وتجنب التعرض للملفات السياسية الخاصة بمستقبل النظام السياسي السوري، بما ينطوي عليه من مناقشات بشأن مصير الأسد.
وبرغم ذلك، حرصت مختلف الأطراف على الإعلاء من أهمية مفاوضات جنيف، باعتبارها السبيل المعتمد لإدراك تسوية سياسية للأزمة السورية، حيث اتفق الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون خلال محادثة هاتفية جرت قبيل سويعات من بدء الجولة الثامنة من محادثات جنيف، على أن تلك المفاوضات هي «المسار الشرعي الوحيد للتوصل إلى حل سياسي في سوريا»، بحسب بيان للبيت الأبيض. كذلك شدد دميتري بيسكوف، المتحدث الصحفي باسم الرئاسة الروسية، قبل أيام،على أهمية عملية جنيف للتسوية في سوريا، مشيرا إلى أنه يتعين عليها أن تكون شاملة بأقصى قدر ممكن، وقال بيسكوف في حديث للصحفيين في تعليقه على جولة جنيف الثامنة: «نعتقد أن عملية جنيف – هي أساسية للتسوية السياسية، ويجب أن تكون شاملة بأقصى قدر ممكن… إن الشمولية عامل أساسي لحيوية تلك الاتفاقات التي سيتم التوصل إليها». ومن جهته، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم على أن محادثات آستانة، التي تقودها روسيا إلى جانب تركيا وإيران، لإحياء عملية السلام بسوريا «ليست في تنافس مع محادثات ترعاها الأمم المتحدة بجنيف، وليست بديلا عما يجري بجنيف»، مضيفا: «ما نحاول القيام به هو إعداد بنية من أجل حل ينبثق عن محادثات جنيف».
ويعني ذلك وجود حالة من التوافق الدولي والإقليمي حول ضرورة التوصل إلى حل سياسي، فبعد ست سنوات من اندلاع الأزمة أصبحت القناعة لدى غالبية أطرافها الإقليمية والدولية هو فشل الحلول العسكرية وحتمية الحل السياسي، وهو ما بدا في التفاهم الروسي/‏‏‏ الأمريكي بين الرئيسين ترامب وبوتين على هامش قمة الآسيان في فيتنام حول ضرورة الحل السياسي والحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، وهو ما انعكس أيضا في التفاهم الثلاثي الروسي الإيراني التركي في قمة سوتشي الأخيرة التي جمعت الرئيس بوتين والرئيس حسن روحاني والرئيس رجب أردوغان ونتج عنها ما يشبه التوافق على ضرورة الحل السياسي، وبالتالي أصبحت الأجواء الإقليمية والدولية ضاغطة على طرفي المفاوضات باتجاه التوصل إلى حل سياسي، ويبدو أن هناك بالفعل قدرا من المرونة التي ربما تكون ناتجة عن ضغوط خارجية ودولية، وهو ما ساهم في الغالب في تمديد جولة المفاوضات الحالية حتى منتصف الشهر الجاري.
وكما سبقت الإشارة فإن موافقة المعارضة على الحضور إلى جنيف بوفد موحد للتفاوض مباشرة مع الحكومة السورية حول مجمل قضايا التسوية السياسية يحمل دلالات واضحة بكل تأكيد، وحتى مع إعلانها أو مطالبتها بعدم وجود مكان للأسد في التسوية النهائية أو المرحلة الانتقالية، إلا أن المبعوث الدولي دي ميستورا حسم المسألة على ما يبدو بتأكيده على أن« جنيف 8» سوف تركز جهودها على مسألتين أساسيتين هما الدستور المنشود للدولة السورية في المرحلة المقبلة، إضافة إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والتحول الديمقراطي تحت إشراف أممي، دون التطرق بشكل صريح أو خفي لمصير الأسد، كما ترك الباب مواربا أمام احتمالات «سوريا الفيدرالية» ويبدو أن دي ميستورا يستكمل بذلك تصريحاته التي أطلقها قبل أشهر قليلة وأغضبت فصائل المعارضة رغم واقعيتها، بإعلانه أن على المعارضة السورية أن تدرك أنها لم تربح الحرب، ويعني ذلك أن الملامح النهائية للتسوية لن تعرف إلا بشكل تدريجي ومرحلي لسير المفاوضات التي باتت بالفعل حاضنة للتسوية السياسية المحتومة بعد كل هذه السنوات الدامية. ولم تكن جولة جنيف الأخيرة إلا واحدة منها، ولذا فلن يترتب عليها الكثير في ضوء ما حدث خلالها في الأيام الماضية.