مؤتمر «علاقات عمان بالمحيط الهندي» يختتم أعماله بالدعوة لإنشاء مركز علمي ومجلة محكمة

بعد ثلاثة أيام من النقاشات والحوارات وإبراز دور السلطنة الحضاري –
الدعوة لثقافة السلام والدراسات العلمية غير المنحازة –
الكويت :عاصم الشيدي –
أوصى المؤتمر الدولي «علاقات عمان بدول المحيط الهندي والخليج» في ختام أعماله أمس بإنشاء مركز علمي يُعنى بدراسة علاقات دول الخليج ودول المحيط الهندي، وإصدار مجلة علمية مُحكمة متخصصة في تاريخ العلاقات بين الدول الخليج والمحيط الهندي في مختلف المجالات العلمية والحضارية. وكان المؤتمر الذي نظمته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت قد اختتم أعماله أمس بعد ثلاثة أيام من البحوث والنقاشات والحوارات حول علاقات عمان بدول المحيط الهندي. ورعى حفل الختام سعادة المهندس علي حسين اليوحه أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

وألقى الشيخ الدكتور عبدالله بن علي آل خليفة كلمة المشاركين في المؤتمر أكد فيها على أهمية البحوث والنقاشات التي صاحبت المؤتمر والتي «أنارت بصيرتنا عن أمور كانت خافية عن تاريخ هذا البلد الحبيب»، وهنأ آل خليفة هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية على نجاح المؤتمر معتبرًا ذلك نجاحًا للجميع.

وقرأ الدكتور جمعة بن خليفة البوسعيدي مدير عام المديرية العامة للبحث وتداول الوثائق بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية توصيات المؤتمر مشيرًا إلى أن المؤتمر يندرج في سياق إبراز الدور الحضاري والتاريخي للسلطنة عبر العصور التاريخية. وأوصى المؤتمر بإصدار ونشر البحوث العلمية التي قدمت فيه، وإجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول علاقات دول الخليج والمحيط الهندي خلال الفترة إلى ما قبل القرن السابع عشر ودراسة الهجرات من دول الخليج إلى دول المحيط الهندي والهجرات المعاكسة من الهند إلى دول الخليج. كما أكدت توصيات المؤتمر على أهمية الاهتمام بالتاريخ الشفوي لما يمثله في إثراء المعلومات التاريخية ذات العلاقة بين دول الخليج ودول المحيط الهندي. وتشجيع الباحثين على التنوع في المصادر والمراجع الوثائقية العربية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والبرتغالية والعثمانية والهندية والروسية واللغات الأخرى للكشف عن طبيعة علاقات دول الخليج ودول المحيط الهندي.
كما أوصى المؤتمر بضرورة الدعوة إلى تحقيق الأمن والسلام والتعايش السلمي وإرساء مبادئ وقيم التسامح والعيش المشترك ونبذ مظاهر الغلو والتطرف.
كما شددت توصيات المؤتمر على الحاجة الماسة لمزيد من الدراسات الأكاديمية غير المنحازة التي تبين دور العمانيين في منطقة الخليج ودول المحيط الهندي، والحرص والتأكيد على اعتماد الجانب العلمي والموضوعي باعتباره مكونًا من مكونات التحديث والتطوير لإنشاء بنك معلومات خاص بالعلاقات العمانية ودول الخليج والمحيط الهندي بالتعاون مع الجهات العلمية المختصة في تلك الدول.
كما أكد المؤتمر على أهمية العناية بالتراث العربي والإسلامي في دول الخليج والمحيط الهندي من خلال تعزيز الدراسات التاريخية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
وكانت فعاليات المؤتمر قد انطلقت صباح الاثنين بالعاصمة الكويتية الكويت بمشاركة 45 بحثًا لباحثين من 15 دولةً. ناقشوا فيها علاقات عمان بدول المحيط الهندي ودول الخليج العربي. وكشفت أوراق العمل تفاصيل تاريخية جديدة من خلال استقراء الوثائق والمخطوطات التي تتكشف في عدة مراكز بحثية وهيئات في مختلف الدول وخاصة ضمن أرشيفات دول شرق أسيا وبعض دول الخليج.
وكرم راعي الحفل الباحثين المشاركين في المؤتمر كما كرم الجهات المساهمة في نجاح المؤتمر من السلطنة ودولة الكويت.
وكان اليوم الثالث من أيام المؤتمر قد شهد تقديم 11 ورقة عمل تركزت في المحور الاقتصادي والاجتماعي والمحور الأدبي واللغوي والثقافي ومحور الوثائق والمخطوطات والآثار.
وبدأت بحوث اليوم الأخير بورقة عمل قدمها الباحث إسماعيل بن أحمد الزدجالي بعنوان «التبادل التجاري والتواصل الحضاري بين بلدان المحيط الهندي والخليج العربي عبر ميناء مسقط» وتحدث الباحث عن أهمية الموقع الجغرافي لميناء مسقط في جعله أهم مركز تجاري لتوزيع البضائع وشحنها في منطقة الخليج العربي الذي يتوسط شبكة من الطرق البحرية تربط بين الهند وجنوب شرقي آسيا والشرق الأقصى وإفريقيا، فكان ميناء مسقط بمثابة البوابة الرئيسية للسفن المتجهة من موانئ الخليج العربي إلى مواني المحيط الهندي، وهي التي أبحرت منطلقة من ميناء مسقط لتصل إلى كولم ملى الواقعة في جنوب ساحل الملبار في الهند بحسب الباحث.
ورأى الباحث أن رحلات التبادل التجاري التي انطلقت من الموانئ العمانية أوجدت نوعا من التواصل الحضاري بين سكان الخليج وسكان المحيط الهندي؛ بفضل هجرات الجماعات البشرية المتبادلة بين المنطقتين منذ عصور تاريخية قديمة، وإسهام الفتوحات الإسلامية التي انطلقت من الموانئ العمانية في تفعيل التواصل الحضاري بين الجانبين في العديد من المجالات، وخاصة بعد انتشار الدين الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية في العديد من مناطق حوض المحيط الهندي.
وقال الباحث: «اتضح التواصل الحضاري بين موانئ الخليج العربي وموانئ المحيط الهندي جليًا في مجال اللغة، حيث نجد اللهجة الخليجية تقتبس الكثير من مفردات اللغات الهندية منذ عصور تاريخية مبكرة، وذلك بفضل حركة التبادل التجاري ودخول العديد من البضائع التي لم تكن معروفة مسبقا في الأسواق كالكافور والزنجبيل والزعفران وغيرها، وهي التي أطلق عليها نفس مسمياتها في وطنها، إضافة إلى العديد من المصطلحات المتعلقة بالملاحة البحرية والمعاملات التجارية».
وأشار البحث إلى أن معظم المسميات التي أطلقت على وسائل النقل البحري في منطقة الخليج العربي ذات أصول هندية مثل: البارجة والهوري، وكذلك الحال بالنسبة للمسميات المتعلقة بالمقاييس والمكاييل مثل:المن والقيراط، وأدوات الحياة العصرية التي اشترك الهنود وأهل الخليج في إطلاق نفس المسميات عليها مثل: (البنكة) أي المروحة، و(التاوة) إناء قلي الطعام و(الكفشة) أي الملعقة.
وقال الباحث: إن للهنود فضل السبق في إنشاء المؤسسات التجارية في منطقة الخليج العربي وفقا للمفاهيم الاقتصادية الحديثة، ففي عام 1866م تأسست شركة دبليو جي تاول التي تعتبر من أوائل المؤسسات التجارية التي قامت في منطقة الخليج العربي، وإليها يعود الفضل في تسويق منتجات الخليج من التمور والليمون والأسماك إلى العديد من الأسواق العالمية في الهند والصين والولايات المتحدة الأمريكية، كما كان للهنود الفضل -وفق البحث- في استبدال التعامل التجاري في منطقة الخليج بالنقود عوضًا عن المقايضة حيث انتشر تداول الروبية الهندية في منطقة الخليج العربي؛ مما دفع بالبنك الاحتياطي الهندي إلى إصدار الروبية الخليجية عام 1959م بغرض الاستعمال في منطقة الخليج العربي.
كما قدمت الباحثة الكويتية آلا وليد محمد المنصور ورقة بعنوان «العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الكويت وعمان خلال الفترة (1841-1939)
ورأت الباحثة أن استقراء الأحداث التاريخية يكشف أن العلاقات السياسية بين الكويت وعُمان لم تسر على نمط معين، فالظروف الخارجية ومصالح كل من الطرفين كان له دور في تلك العلاقات. مشيرة إلى أن الوجود البريطاني كان له دور كبير في تقارب المصالح السياسية بين الكويت وعُمان.
ومن بين الظروف السياسية التي لعبت دورًا كبيرًا في توتر العلاقات السياسية بين عمان والكويت الهجمات التي شنتها نجد على الكويت عام 1803 وهو ما دفع شيخ الكويت عبد الله بن صباح أن يقترح على حاكم نجد الإمام عبدالعزيز بن محمد آل سعود ضم سفن الكويت والبحرين لسفن القواسم بهدف مساعدتهم في هجوم مشترك على مسقط في عام 1803 التي كانت تسيطر على الإحساء وقطر، وأن يعزز شيخ الكويت مكانة وموقع الكويت في تجارة الخليج العربي ويأمن توقف هجمات نجد على الكويت. وتضيف الباحثة: إن ذلك جعل شيخ الكويت في 1803 يترك الغوص على اللؤلؤ وذلك من أجل توجيه كل قواته البحرية إلى مسقط.
وفي عام 1809 قام سعود بن عبدالعزيز آل سعود بمحاولة لجعل شيخ الكويت يدفع ضريبة له، ولكن الشيخ عبدالله رفض ذلك، مما أدى لمحاولة سعود تحريض كل من سعيد بن سلطان حاكم مسقط وسلطان بن صقر شيخ القواسم لإرسال سفنهم للهجوم على الكويت، ولكنهم رفضوا ذلك، وربما رفض حاكم مسقط لذلك الطلب يدل على رغبته في علاقات جيدة مع الكويت وفقا للباحثة.
وفي عام 1810م شكل السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد تحالفًا كبيرًا لضرب قوة الدرعية مستغلا -وفقًا للباحثة- ظروف كل من الكويت والبحرين تجاه الهجمات التي شنتها الدرعية على كل منهما، وتحالفت قوات مسقط مع قوة آل خليفة وبمساعدة من السفن الكويتية، حتى تغلّبوا على قوة الدرعية بالقرب من منطقة الزبارة، وبذلك تأكد استقلال كل من البحرين والكويت عن قوة الدرعية.
وفي القرن التاسع عشر الميلادي أصبحت علاقة الكويت وثيقة مع أهم مركز للتجارة في الخليج وهما البصرة ومسقط.
كما قدم الدكتور الميزوري العروسي ورقة بعنوان «دور عمان الاستراتيجي في إشاعة السلم والنهضة الحضارية في المحيط الهندي والخليج العربيّ في القرنين السّابع عشر والتّاسع عشر للميلاد».
وقدم سيد فريد أحمد مساعد مدير المحفوظات في الأرشيف الوطني الهندي ورقة بعنوان «دور الإدارة البريطانية في استحداث بعض مشاريع البنى التحتية في عُمان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: دراسة وثائقية».
حاول الباحث تسليط الضوء على الجهود والمنهجية التي تبنتها الحكومة البريطانية في تطوير البنية الأساسية في عُمان من نهاية القرن الثامن عشر حتى مطلع القرن التاسع عشر، واستقرأ الباحث معاهدات أصلية متوفرة في الأرشيف الوطني الهندي في نيودلهي. وإحدى أهم الاتفاقيات هي تلك الاتفاقية التي أبرمت بتاريخ 5 أبريل 1865 بين الحكومة البريطانية الهندية وعُمان حول تركيب تلغراف كهربائي بين الجزيرة العربية ومنطقة مكران، وقد تضمنت تلك الاتفاقية عدة بنود من أهمها البند الذي يفيد بالسماح للحكومة البريطانية بإنشاء خط أو أكثر لتلغراف وإقامة محطات تلغراف في أي منطقة في الدولة لربط الجزيرة العربية بمنطقة مكران، حيث تتكفل مسقط بتأمين الحماية لخطوط ومحطات التلغراف والعاملين على إنشائها. كما تحدث الباحث عن اتفاقية أخرى تم إبرامها بين ملكة بريطانيا العظمى والسلطان السيد سعيد بن سلطان، تسلط الضوء على علاقات الصداقة والتجارة بين الحكومة البريطانية الهندية وسلطان مسقط، وهي التي تم التأكيد من خلالها على علاقة الصداقة بين الحكومتين هي علاقة مستمرة ووثيقة وتقوم على أساس التفاهم المشترك، ويتعين تعزيزها من خلال وسائل الإقناع والاحتكاك التجاري بين رعايا الدولتين، علاوة على ذلك تتضمن هذه الاتفاقية إشارة هامة حول رغبة سلطان مسقط «بصورة رسمية» في المعاهدات التي دخلت حيز التنفيذ في 10 سبتمبر 1822 والتي تسعى إلى القضاء الدائم على تجارة الرقيق.
وقدم الباحث الهندي بلاد أصدق -وهو باحث في تاريخ الصحافة الفارسية- ورقة حملت عنوان «علاقات عُمان الخارجية مع الهند وإيران: استعراض المصادر الإنجليزية والفارسية والأردية التي تعود للقرن التاسع عشر والتي يمتلكها الأرشيف الوطني والمؤسسات الأخرى في الهند»، واستخدم الباحث الوثائق الأرشيفية الأصلية مثل الصحف الفارسية وتقارير الاستخبارات العسكرية والوثائق الأجنبية السرية بجانب العديد من الوثائق العامة الأخرى الخاصة بالقرن 19 التي تم حفظها في مختلف المكتبات ودور الأرشيف وغيرها من المؤسسات في ذلك الوقت. وتناول الباحث علاقة عُمان مع المسؤولين البريطانيين المنتدبين في الهند، وعلاقة إمام مسقط مع نظام حيدر أباد، والعلاقات العُمانية من خلال تقارير المراسلات السياسية الخاصة بإدارة شركة الهند الشرقية في الهند، وإمام مسقط ودوره في محاربة تجارة الرقيق في المحيط الهندي. كما تحدث الباحث عن تأثير عُمان على جوادر، وعن الخلاف العُماني الإيراني.