من مكافحة الإرهاب.. إلى تمويل المشروعات الصغيرة!

محمد حسن داود –
قد يعتقد البعض أن الدور الاجتماعي المطلوب من الشركات على اختلاف أحجامها ومجالات عملها يقتصر على الخدمات الإنسانية كتقديم وجبات غذائية لتلاميذ المدارس أو تعبيد وتمهيد الطرق فحسب، ولكن الحقيقة تختلف عن ذلك تمامًا على أرض الواقع الميداني والعملي .

فالدور المطلوب من جانب الشركات لدعم التنمية الوطنية لم يعد محصورًا في قطاع واحد أو مجال خدمي بعينه، ولكن المفاهيم اتسعت بشدة لتشمل أدوارا لم تكن مطروحة من قبل في القطاعات الاقتصادية والتنموية والبيئية والثقافية، وكذلك الأمنية، فليس غريبا أن يكون الحديث الملتهب في الفترة الأخيرة عن دور الشركات الكبرى في مكافحة الإرهاب والعنف والتطرف بشتى صوره، حقًا لقد أصبح من صميم عمل شركات الاتصالات العالمية الكبرى العابرة للقارات والتي باتت تشغل حيزًا ضخمًا من المجالات الاستثمارية العالمية اتخاذ إجراءات عملية بصرف مزيد من الأموال لتوظيف المزيد من الكوادر الشبابية والمهنية المؤهلة وتفعيل آليات الذكاء الاصطناعي لضرب النشاط الإرهابي على شبكات التواصل العالمية، كما أصبح من صميم عمل المصارف والمؤسسات المالية سواء البنوك أو هيئات التمويل خلق المزيد من الوظائف أمام الشباب بشكل خاص لاقتحام مجال ريادة الأعمال من خلال قروض ميسرة وإتاحتها بشروط تساعد الشباب على إقامة مشروعاتهم بدون معاناة وبما يعود على المجتمع بفوائد عديدة، ولا شك في أن اقتحام الشركات مثل هذه المجالات، سواء كانت لمكافحة الإرهاب أو تمويل المشاريع الصغيرة أو توفير الدعم اللازم للأبحاث العلمية أو لتطوير الخدمات، يمثل خطوة عملاقة تستطيع من خلالها الشركات العامة والخاصة تقديم دور عظيم لخدمة التنمية الوطنية.
وهناك عوامل عديدة يمكن الاسترشاد بها حتى تنجح الشركات في تطبيق مسؤوليتها الاجتماعية التي يجب إعدادها وتنظيمها قبل الشروع في إطلاق هذه البرامج، وفي مقدمة هذه العوامل ضرورة قناعة الشركات بقضية المسؤولية الاجتماعية نحو المجتمع وأن تكون هناك قناعة ومتابعة من قبل كل مسؤول فيها من أصحاب الشركات، والمديرين التنفيذيين، وانتهاء بالموظفين حول أهمية هذا الدور، كونه أمرًا واجبًا على كل شركة تجاه المجتمع الذي تعيش فيه، أمر لا تتفضل به الشركة على مجتمعها بل تفتخر به وتعتبره واجبًا عليها وأن تقوم الشركة بتحديد رؤية واضحة نحو الدور الاجتماعي الذي تريد أن تتبناه والقضية الرئيسية التي ستهتم بالعمل على المساهمة في معالجتها والمبادرة التي ستقدمها للمجتمع بدلاً من الانتقاد والشكوى للسلبيات الموجودة، على أن يصبح هذا النشاط جزءًا رئيسيًا من أنشطة الشركات تتم متابعته من قبل مسؤوليها، وتوضع له المخططات المطلوب تحقيقها تمامًا كما توضع مخططات المبيعات وغيرها من الأنشطة التجارية، ويجب على الشركة أن تخصص مسؤولًا متفرغًا تفرغًا كاملًا لهذا النشاط، وتحدد له الأهداف والمخططات المطلوبة، ويرتبط مباشرة بالإدارة العليا ويمنح الصلاحيات المطلوبة، وأن يكون له دور رئيسي وفعال على مستوى الشركة.
ولعل من المعوقات التي تواجه الشركات الراغبة في الانطلاق في برامج المسؤولية الاجتماعية، سعي هذه المؤسسات في الانطلاق من خلال مشاريع كبيرة وضخمة وذات أرقام عالية، ولا ضرر في أن توضع هذه الأهداف على المدى البعيد، ولكن حتى يتم البدء في مثل هذه البرامج يجب أن تكون الانطلاقة من خلال أهداف صغيرة ومحدودة تكبر بمرور الأيام لتحقق المشاريع والبرامج الكبيرة، مع الحرص على عدم الإعلان عن البرامج الاجتماعية إلا بعد انطلاقها، ووفقا للدراسات المتخصصة في هذا الشأن فإن كثيرًا من البرامج الاجتماعية التي يعلن عنها لا يكتب لها الاستمرار لعدم قدرة المسؤولين عنها على تنفيذها طبقا لما تم الإعلان عنه وهذا قد يساهم في المستقبل في توقف البرنامج، ولذا يجب الاهتمام بجعل هذه البرامج الاجتماعية قائمة بذاتها مستقبلا وتعمل على تغطية مصروفاتها بنفسها حتى يكتب لها الاستمرار والبقاء، وحتى لا تصبح مركز تكلفة قد تلجأ الشركة في يوم من الأيام إلى الاستغناء عنه.
كما يجب الحرص على تقديم هذه البرامج بأداء قوي ومتميز وجودة عالية، وكأن هذه البرامج منتج تجاري يجب الاهتمام به والعناية بتقديمه بشكل متميز يساهم في خدمة المجتمع وتحقيق أهدافه، والحرص كذلك على أن تسعى هذه البرامج الاجتماعية للتعاون والتنسيق مع ما هو موجود من برامج وأنشطة مشابهة حتى لا يتم تكرار الجهد وضياع الوقت وصرف المال في برامج قائمة، مع التأكيد على أن الاحتياج للبرامج الاجتماعية كبير جدًا، ويحتاج إلى آلاف البرامج من الشركات.
وليس من قبيل المبالغة التأكيد أن الهوة واسعة ما بين عالمنا العربي، وبين الدول المتقدمة فيما يتعلق بممارسة الشركات الوطنية مسؤوليتها نحو المجتمع وتبنيها كاستراتيجية تصب في خدمة الاقتصاد الوطني، فلا تزال شركات عربية عديدة تعتمد في اضطلاعها بالمسؤولية الاجتماعية على رغبة مديرها أو صاحبها وهي لا تعين نسبة من أرباحها لتبني المسؤولية الاجتماعية مما يجعل إسهامها فرديا وفي معظم الأحيان وفق مناسبات معينة، وبالتالي يتدنى إسهام الموظف في تفعيل عملية التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة، كما يتضاءل دور الشركات والمؤسسات الوطنية مقارنة بإسهام نظيراتها في اقتصادات ومشاريع تنمية الدول المتقدمة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تشكل الجمعيات غير الربحية عاملا فاعلا في خدمة الناتج المحلي للاقتصاد الأمريكي.
ويكتسب الدور الاجتماعي للشركات في الدول العربية أهمية متزايدة لعدم مقدرة بعض الحكومات على أدوارها الاقتصادية والخدمية التي رافقتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان ينظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات، وإن كانت في كثير من الأحيان تحقق إيرادات وأرباحًا طائلة، وكان متوقعًا مع تحول هذه المؤسسات إلى الملكية الخاصة وإعادة تنظيمها وإدارتها على هذا الأساس أن يتوقف دورها الاجتماعي، ولكن التطبيق العملي لتجارب الخصخصة أظهر أن الدور الاجتماعي والالتزام الأخلاقي للشركات هو أيضًا استثمار يعود عليها بزيادة الربح والإنتاج وتقليل النزاعات والاختلافات بين الإدارة وبين العاملين فيها والمجتمعات التي تتعامل معها، ويزيد أيضا انتماء العاملين والمستفيدين إلى هذه الشركات، وأظهر أيضا أن كثيرًا من قادة وأصحاب الشركات يرغبون في المشاركة الاجتماعية، وينظرون إلى العملية الاقتصادية على أنها نشاط اجتماعي ووطني وإنساني يهدف فيما يهدف إليه إلى التنمية والمشاركة في العمل العام، وليس عمليات معزولة عن أهداف المجتمعات والدول وتطلعاتها.
وقد ترتب على ذلك تطور في شكل العلاقة بين الحكومة والقطاعين العام والخاص والمجتمع المدني في عديد من الدول العربية، شأنها في ذلك شأن كثير من الدول النامية، حيث حل القطاع الخاص تدريجيا محل القطاع العام الذي تقلص دوره في النشاط الاقتصادي وفي توفير فرص العمل، بينما تركز اهتمام الحكومة حول السعي نحو تهيئة المناخ الملائم لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي. كما زادت أهمية الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي الرقابة على كل من الحكومة والقطاع الخاص. وقد اهتمت الشركات المحلية، أسوة بالشركات العالمية، بتقييم الآثار المترتبة على نشاطها على العاملين بها ومستوى رفاهيتهم، وعلى المجتمع المحلي والبيئة المحيطة بها، ثم على المجتمع ككل، اقتناعا منها بأهمية ذلك ومردوده على نشاطها واستثماراتها وأرباحها ونموها واستدامتها. ومع زيادة درجة الوعي بالأثر السلبي للنشاط الاقتصادي على البيئة، والدور المهم الذي تلعبه وسائل الاتصال الحديثة في توعية المستهلكين. وفي ضوء الاهتمام بالتنمية البشرية لرفع مستويات الإنتاجية سعى عدد لا بأس به من الشركات إلى تبني برامج فعالة للمسؤولية الاجتماعية تأخذ في الاعتبار ظروف المجتمع والتحديات التي تواجهه.
ومن ثم يمكن القول إن اضطلاع الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية على الوجه الأكمل من شأنه أن يضمن دعم جميع أفراد المجتمع لأهدافها ورسالتها التنموية والاعتراف بوجودها، إضافة إلى المساهمة في إنجاح أهدافها وخططها، فضلا عن الإسهام في سدّ احتياجات المجتمع ومتطلباته الحياتية والمعيشية الضرورية، وخلق فرص عمل جديدة من خلال إقامة مشاريع خيرية واجتماعية ذات طابع تنموي. كذلك، يمكن لاضطلاع الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية أن يساعد على زيادة الثقة بمجال الأعمال، ويعين على التعامل الناجع مع التحديات المجتمعية، كما يسهم في تحسين الصورة الذهنية للشركات لدى جمهور المتعاملين معها على المستويين المحلى والدولي، بينما يضمن للشركات في الوقت ذاته جني ما تصبو إليه من أرباح.