مواقف لا تخدم هدف السلام

مما لا شك فيه أن الموقف الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس، عندما يتم الانتهاء من تشييد مبنى السفارة فيها، قد أثار رفض واستنكار وغضب الكثيرين، ليس فقط على مستوى الدول العربية والإسلامية، التي اهتزت بشدة لهذا التطور، ولكن أيضا على مستوى العالم باتساعه. وفي حين عارضت القرار واستنكرته ورفضته، بصيغ مختلفة ومتفاوتة، العديد من الدول، في المنطقة وخارجها، بما في ذلك الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمين العام للأمم المتحدة، فإنه لم ترحب بهذا القرار الصادم، سوى اسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتانياهو، الذي امتدح الموقف الأمريكي بالطبع .
ومع الوضع في الاعتبار ردود الفعل الغاضبة، عربيا وإسلاميا، وعلى كافة المستويات، فإن الأمر يقتضي التعامل بكثير من الوعي والإدراك لعدد من الحقائق المتصلة بوضع مدينة القدس المحتلة بشكل خاص، وبالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، والقدس الشرقية جزء منها، بشكل عام . ولعل أول هذه الحقائق أن هناك العديد من قرارات الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسكو وغيرها، والتي تتحدث عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وعن أن القرارات والممارسات الإسرائيلية في القدس الشرقية ومحاولات تهويدها وتغيير هويتها، هي اجراءات وممارسات لا تغير من طبيعة وضع القدس، ولا تضفي شرعية على الممارسات الإسرائيلية، ولا تمنحها أية شرعية، وحتى قرار اسرائيل بضم القدس، واعتبارها عاصمة موحدة، هو قرار لم تعترف به لا الأمم المتحدة ولا أية منظمة دولية أخرى، ومن هنا فإن الاعتراف الأمريكي، الذي أعلنه الرئيس ترامب يوم الأربعاء الماضي، يظل موقفا خاصا بالإدارة الأمريكية، وبدوافعها وحساباتها السياسية وبمصالحها في المنطقة وبكيفية النظر إليها في الفترة القادمة.
غير أن القرار الأمريكي يظل مهما ومؤثرا بالضرورة في أوضاع المنطقة، وبالنسبة للقضية الفلسطينية، ولعملية السلام ومستقبلها، وذلك بحكم الثقل والدور الأمريكي في المنطقة والعالم، وفي عملية السلام على وجه الخصوص. ومع أن الإدارات الأمريكية السابقة جميعها، قد التزمت بما تم الاتفاق عليه في إطار عملية السلام في الشرق الأوسط، ومنها أن يكون حسم مستقبل القدس متروكا للمفاوضات النهائية بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأنه لا ينبغي اتخاذ أية مواقف انفرادية تؤثر على مستقبل القدس، نظرا لأهميتها وحساسيتها الشديدة لأصحاب الديانات السماوية الثلاث، المسلمين والمسيحيين واليهود، فإن قرار الإدارة الأمريكية من شأنه زيادة التعقيدات والعراقيل التي تواجهها محاولات إعادة تحريك عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، فضلا عما يثيره ذلك من اعتراضات وتحفظات، جرى الإعلان عنها بوضوح، حول الدور الأمريكي في عملية السلام، صحيح أنه دور لا غنى عنه في النهاية، ولكن الصحيح أيضا هو أن الانحياز التام الى جانب اسرائيل لا يمكن أن يخدم هذا الدور، فضلا عن أنه يؤثر بالضرورة على علاقات واشنطن بدول وشعوب المنطقة، برغم المصالح الكبيرة للولايات المتحدة في المنطقة، أمس واليوم وغدا . أما حل الدولتين فإنه شحب الى حد التلاشي خلال الأيام الثلاثة الأخيرة وهو ما يترك المنطقة أمام مخاطر حقيقية كانت في غنى عنها بالتأكيد.