معضلة ترتيبات الأمن الإقليمي

د. أشرف محمد كشك/ مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية –

خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر الجاري تستضيف العاصمة البحرينية المنامة قمة الأمن الإقليمي الثالثة عشر لحوار المنامة السنوي الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، ومع أن ذلك الحوار ليس بالأمر الجديد إذ انطلق عام 2004 بمشاركة عدد من القادة والوزراء والمسؤولين في الدول المشاركة فيه، فإن اللافت للنظر هو إيلاء قضية «تأسيس نظام أمني إقليمي مستقر» أهمية ضمن فعاليات ذلك اللقاء وعلى نحو خاص خلال السنوات الأخيرة، حيث تم تخصيص الجلسة الختامية لحوار عام 2016 للقضية ذاتها، وهي قضية تفرضها اعتبارات الضرورة والواقع، في ظل ديمومة التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي سواء كمنظومة أو كوحدات مكونة لتلك المنظومة وخاصة في ظل ظهور نزعات انفصالية على أسس عرقية أو دينية. صحيح أن التحديات الأمنية الراهنة قد أنهت الحدود الفاصلة بين مستويات الأمن الثلاثة وهي المحلي والإقليمي والعالمي بيد أن ذلك لا يعني انتهاء مستوى الأمن الإقليمي من وجهة نظري لأسباب أربعة:
أولها: أن التدخل الدولي في الأزمات سواء من جانب الولايات المتحدة أو حلف الناتو قد وضع المساهمات الإقليمية كشرط أساسي لذلك التدخل.
وثانيها: إنه بدون مستوى للأمن الإقليمي فإن تدويل الأزمات الإقليمية يظل الخيار الأول بما يعني إطالة أمدها بالنظر لاختلاف مصالح الأطراف الدولية فيها وتقدم الأزمة السورية نموذجًا على ذلك. وثالثها: ما أكدته السوابق الدولية من أن الإبقاء على توازن القوى الإقليمي يعد الضمانة الأساسية لمصالح تلك الدول ويرتبط ذلك بشكل وثيق بمدى تحقق الأمن الإقليمي من عدمه.
ورابعها: في ظل سعي بعض القوى لترسيخ مفهوم المحاور مجددًا فإن وجود صيغة متكاملة للأمن الإقليمي تمثل ضمانة تحول دون الولوج لمثل هذا الخيار.
ومع التسليم بأن فكرة تأسيس نظم أمنية إقليمية قد حظيت باهتمام أكاديمي، بل وعملي من خلال وجود تنظيمات أمنية إقليمية عديدة في العالم ومنها منظمة الآسيان وتجربة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو حتى أن الاتحاد الإفريقي ذاته الذي قام على أنقاض منظمة الوحدة الإفريقية يقدم تجربة مهمة في هذا الشأن، ناهيك عن أن الباب الثامن من منظمة الأمم المتحدة قد نظم هذا الأمر إلا أن التدخل المباشر من جانب القوى الكبرى في الأزمات الإقليمية الراهنة يتقاطع مع تطور صيغ الأمن الإقليمي ليس فقط لجهة حسم الأزمات بل لتطور تلك الصيغ بما يحقق مفهوم توازن القوى، ويظهر الأمن الإقليمي في صيغ أخرى ومنها الشراكات الأمنية، التحالفات العسكرية، ومع أهمية تلك الصيغ فإن الهدف النهائي يبقى تأسيس نظام أمني إقليمي مستمر.
وأتصور أن المعضلة لا تكمن في مدى وجود مؤسسات للأمن الإقليمي من عدمه، وإنما في آليات عمل تلك المؤسسات وكيفية استجابتها سواء للتحديات الداخلية والخارجية، فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال لم يعلن شهادة وفاته بخروج بريطانيا، وإنما وضع عدة خيارات للدول للعمل بداخله خلال المستقبل، بما يعكس المرونة والقدرة على الاستجابة للمتغيرات . من ناحية ثانية يدرك أعضاء حلف الناتو أن هناك بيئة أمنية سريعة التحول، ومن ثم يصدر الحلف ما يسمى المفهوم الاستراتيجي كل عشر سنوات. الأول صدر عام 1999 والثاني عام 2010 وهو بمثابة مراجعة للمستجدات الأمنية وتحديد آليات مواجهتها ويتكامل ذلك المفهوم مع الميثاق المنشئ للحلف ولا يتناقض معه بما يضمن الحفاظ على المصالح المشتركة لأعضائه.

ولا جدال في أن الأزمات الإقليمية الراهنة كانت كاشفة لصراع النفوذ الإقليمي والعالمي إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة وجود إجابات محددة على تساؤلات عديدة منها على سبيل المثال ما هي أولويات الدول الكبرى تجاه تلك الأزمات ومدى تقاطعها أو التقائها مع الأولويات العربية؟ هل لدينا تصورات للتعامل مع أزمات مستقبلية مختلفة قد تجمع بين المستويات الثلاثة للأمن؟ وهل تكفي الآليات العربية الجماعية الراهنة لمواجهة التحديات الأمنية. أم أنها بحاجة إلى تطوير؟ وهل لدينا رفاهية الانتظار في ظل التحديات الأمنية غير المسبوقة؟ وبغض النظر عن وجود إجابات محددة عن تلك التساؤلات من عدمه، ومع أهمية وجود أطر مؤسساتية فإن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الأمن الإقليمي لم يتطور بعيدًا عن صيغة التحالفات. وبرغم أهميتها لمواجهة المخاطر الأمنية الراهنة، فضلًا عن كونها آلية مهمة لتحقيق توازن القوى الإقليمي إلا أنها قد تنتهي بانتهاء المهمة التي أنشأت من أجلها بما يعني أن تطويرها نحو صيغة أكثر ديمومة يعد خيارًا استراتيجيًا.
ومع أهمية الصيغ التي تسعى مراكز الدراسات الغربية للترويج لها -وهي عديدة- إلا أنه يجانبها الصواب من زاويتين: الأولى: إنها تنطلق من اعتبارات جغرافية أي الانتقال من المقدمات إلى النتائج بغض النظر عن الحديث عن الآليات اللازمة لذلك وخاصة التزام الأطراف داخل تلك المنظومة. والثانية: إنها تحاول إسقاط تجارب مناطق أخرى للأمن الإقليمي على المنطقة العربية والشرق الأوسط في حين أن الأمن الإقليمي يظل وليدًا لبيئته الإقليمية.
ومع الأخذ في الاعتبار أن ذلك المؤتمر ليس هو الأول ولن يكون الأخير الذي يتناول تلك القضية التي أراها جديرة بالاهتمام أتصور أن ثمة أمورًا ثلاثة يتعين وضعها في الاعتبار سواء التفكير في تأسيس نظام أمني إقليمي جديد أو تطوير ما هو قائم بالفعل.
الأول: إن هناك لاعبين على الأرض ضمن الأزمات الإقليمية وآخرين يحاولون الولوج إلى تلك الأزمات.
والثاني: إن تطور التهديدات الأمنية الراهنة بسبب التطور التكنولوجي الهائل يجعل مواجهتها أمر يفوق القدرات الأمنية لأي دولة مهما بلغت.
والثالث: إنه لا أمن إقليمي بدون دور حيوي للدول المحورية أو ما يطلق عليها (الدول الرافعة) ويقدم الدور الأمريكي داخل حلف الناتو مثالًا واضحًا على ذلك، فضلًا عن حتمية الاتفاق بين تلك الدول ليس فقط على تهديدات الأمن القومي بل أيها أكثر خطورة في الوقت الراهن ولا تتيح رفاهية الانتظار؟