البنية المطلوبة لسياحة المؤتمرات

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

الجهود التي تبذلها السلطنة في مجال السياحة لا تشتمل فقط تعزيز البنية الفندقية وإنشاء الطرق السريعة والمطارات وتقديم الخدمات اللوجستية، وإنما تعمل أيضا بأن تصبح مركزا للمؤتمرات الدولية سواء في مجال السياحة أو غيرها، وهذا ما حدا بها مؤخرا باستضافة فعاليات الملتقى السنوي لخبراء الاتحاد الدولي للمؤتمرات (ICCA )، وبشراكة مع مركز عمان الحديث للمؤتمرات والمعارض بمسقط . هذا الحدث الذي يعتبر الأول من نوعه من المتوقع له أن يساهم في التعريف بقطاع سياحة المؤتمرات في السلطنة وكيفية تطورها وآلية استقطابها، بالإضافة إلى تمكين الجهات المعنية من بناء علاقات استراتيجية مع الاتحادات والجمعيات والشركات العالمية المماثلة في مختلف دول العالم، والاستفادة من تجاربها في تنظيم المؤتمرات السياحية.
إن هذا الحدث يأتي بهدف استغلال البنية الأساسية المكتملة في مجال الخدمات اللوجستية واستثمار ما يقدمه المركز الحديث للمؤتمرات والمعارض والذي بُني على أسس عالمية على مساحة تبلغ 22 ألف متر مربع ويضم مسرحا وقاعات متعددة الأغراض، وأخرى لاجتماعات تتسع لالاف الاشخاص بجانب وجود مسرح متدرج يضم 3200 مقعد و1100غرفة فندقية تقع بجانب المركز، كل ذلك بهدف توسيع نطاق عمليات المؤسسات وتعزيز صناعة المؤتمرات والاجتماعات بالسلطنة. وفي الوقت نفسه تعمل السلطنة على زيادة عدد الغرف لتصل إلى 25000 غرفة بحلول عام 2020. ويمثل ذلك أحد المقومات التي ستعمل على جذب المزيد من الاستثمارات إلى عمان والمنطقة واستقطاب المزيد من السُيّاح من مختلف دول العالم، مع خلق فرص جديدة في قطاع سياحة الحوافز والمؤتمرات بالسلطنة.
إن النظرة الإيجابية نحو مستقبل السلطنة في قطاع الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، خاصة السياحية منها كبيرة نتيجة لوجود بنية جديدة تعمل في مجال الفعاليات والإنتاج والاجتماعات والمبادرات والجمعيات وإدارة المؤسسات، في الوقت الذي تتواجد في البلاد قاعدة للشركات التي تعمل على تقديم خدمات إبداعية واستشارية وتحليلية ورقمية ومستدامة، وتساعد المؤسسات والشركات التي تحتاج إلى تلك الخدمات.
ومع افتتاح مركز عمان للمؤتمرات والمعارض الذي يقع على بعد 10 دقائق من مطار مسقط الدولي، وبناء الطرق السريعة وتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من زائري السياحة الترفيهية وسياحة الأعمال والمؤتمرات فإن الحركة السياحية في السلطنة من المتوقع لها أن تشهد نموا سريعا خلال السنوات المقبلة. كما أن صناعة المعارض هي الأخرى ستشهد نقلة نوعية ومهمة وبمقدورها أن تضع السلطنة ضمن الدول الراعية والحاضنة لهذه الصناعة على مستوى المنطقة والعالم، الأمر الذي يستلزم إيجاد بيئة مناسبة من القوانين والتسهيلات التي تأخذ بهذه الصناعة لمستويات أكبر من الأداء مستقبلا.
وسياحة المؤتمرات – كما هو معروف عنها- تمثل اليوم موردا اقتصاديا كبيرا للدول، ويفسح المجال لآلاف الشباب بالعمل في مختلف المهن والأعمال التي يحتاج إليها الزائر والسائح. وأهمية هذه الصناعة التي تعمل في مجال تنظيم وإقامة المؤتمرات والمعارض الدولية تكمن في أنها تستقطب أكثر من 400 مليون زائر حول العالم سنويا وفق آراء المسؤولين في هذا القطاع، كما تدعم اقتصادات الدول المنظمة لهذه الفعاليات، وتحرك قطاعات واسعة في مجال السياحة والفندقة والصناعة وتجارة التجزئة والمواصلات وغيرها. ومن هنا يؤكد القائمون على هذه الصناعة على أهمية استثمار سياحة المعارض والمؤتمرات مهما أمكن ذلك، باعتبار أنها مصدر دخل جيد لاقتصادات الدول. وتشير بعض البيانات إلى أن سائح المعارض والمؤتمرات ينفق 8 أضعاف السائح العادي إضافة إلى أن هذا النوع من السياحة يوفر فرص عمل للكثيرين. ففي أميركا، على سبيل المثال، تساهم صناعة المعارض بـ30 % من الناتج المحلي، وتوفر 2.5 مليون وظيفة في هذا القطاع، وتدخل لخزينة الدولة نحو 250 مليار دولار سنويا كعوائد من هذا القطاع. أما في كندا فتصل عوائد هذا القطاع إلى 32 مليار دولار سنويا وتوفر نحو نصف مليون فرصة عمل، وفي استراليا تصل عوائد قطاع المؤتمرات والمعارض الى 17 مليار دولار سنويا ويوفر ما يقارب 200 ألف فرصة عمل.
أما في الدول العربية وبالرغم من توفر البنية السياحية للمؤتمرات والمعارض، إلا أن معظمها غير مهيأة للأحداث الكبيرة، كما أن الأجواء السياسية والاجتماعية أحيانا لا تعطي الفرص بتنظيم هذه الفعاليات، خاصة الأحداث العالمية الكبيرة. فحصة الدول العربية من قطاع المؤتمرات والمعارض لا  تتجاوز 2 مليار دولار سنويا، إلا أن بعض الدول العربية أدركت مؤخرا أهمية هذه الصناعة، وعملت على تطويرها من خلال إقامة مراكز دولية لإقامة المعارض والمؤتمرات، واستقطاب فعاليات دولية رافدة، فيما تشهد صناعة المعارض في المنطقة نموا ملحوظا.
ومما لا شك فيه فإن قيام الجهات المعنية السلطنة بتنظيم الملتقى السنوي لخبراء الاتحاد الدولي للمؤتمرات (ICCA ) بمسقط مؤخرا أعطى الفرصة لممثلي الدول بالتعرف على الامكانات والقدرات التي تتمتع بها قطاع السياحة والمؤتمرات بالسلطنة، وكذلك التعرف على البنية اللوجستية التي أنشأتها السلطنة خلال العقدين الماضيين، فيما تستمر المؤسسات المعنية باستكمال المرافق الجديدة لتكون عمان نقطة انطلاق للكثير من الفعاليات في مجال السياحة والمؤتمرات والمعارض السنوية الكبيرة، وبناء العلاقات العلاقات الاستراتيجية مع الاتحادات والجمعيات والشركات العالمية المماثلة في مختلف دول العالم، خاصة وأن هناك اليوم الكثير من الجامعات في السلطنة تقوم بتعليم وتهيئة وتدريب الشباب العماني للقيام بمختلف المهام التي يحتاج إليها هذا القطاع. كما أن المنطقة مقبلة خلال السنوات المقبلة على حدث اقتصادي كبير وهو استضافة مدينة دبي بدولة الامارات العربية المتحدة للمعرض العالمي عام 2020 وبمشاركة العديد من دول العالم ومنها السلطنة.
إن صناعة المعارض كما يؤكد عليها الخبراء تعتبر واحدة من مهن المتاعب، وهذه المهنة لا تحتاج فقط إلى وجود إناس يمتلكون الشهادات الجامعية والمهنية المتخصصة في علم المعارض، بل يحتاج هذا القطاع إلى خبرات مارست ونجحت في هذا العمل وعلى معرفة في كيفية إقامة هذه الأنشطة التي لا تتوقف أبدا طوال العام. كما أن هذه الانشطة تساهم كثيرا في تعزيز التجارة الخارجية للدول من خلال فتح مجالات للمستثمرين والتجار والشركات في عمليات الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير، وتحريك الموانئ البحرية والجوية والبرية، بالاضافة إلى زيادة قيم التجارة الخارجية، وتنشيط الأعمال المصرفية والتجارية. فصناعة المؤتمرات والمعارض تحتاج إلى ركنين أساسيين لتحقيق نجاح الفعالية أولا بأن تتوفر المصداقية بين الشركات المنظمة للمعارض والمؤتمرات والشركات العارضة من جهة، وثانيا من مدى حاجة الأسواق والأهداف التنموية التي ترغب الدول من إقامتها، ومدى ما يحققه ذلك من قيمة مضافة لاقتصاداتها الوطنية من جهة أخرى.
ومن هنا فمن الضرورة أن تبتعد هذه الدول والمؤسسات المشرفة على تنظيم هذه الفعاليات عما يودي إلى فشل هذه الأنشطة من المؤتمرات والمعارض بحيث لا ينتج عنها سلبيات على الاقتصادات المحلية، الأمر الذي يتطلب تعزيز الجهود وتوصيل الرسالة الصحيحة بحيث تقام هذه الأنشطة بالمواصفات والمعايير الدولية الصحيحة، وتكون مجهزة بأحدث التجهيزات والتقنيات ومزودة بالموارد البشرية التي تتفهم طبيعة هذه الأنشطة. وأخيرا وبشهادة الخبراء العاملين في هذه المجالات، فان السلطنة تعتبر اليوم إحدى أهم الأسواق الناشئة والمهمة بالمنطقة، وتمتلك كافة المقومات التي تجعلها وجهة مثالية للاجتماعات والمؤتمرات، في الوقت الذي يبذل الكل مساعيه في البلاد وبكل ثقة على جذب المزيد من الفعاليات إلى عمان، وتطوير مستوى صناعة المؤتمرات الدولية وعلى رأسها وزارة السياحة التي تسعى من جانبها إلى تطوير قطاع سياحة المؤتمرات واستقطاب الشركات العالمية المتخصصة في تنظيم الفعاليات الدولية.