صاحب «لمن السفائن» ينهي تساؤلاته ويلقي مرساته في بحر أماندا

حمود بن سالم السيابي –
كلما تهادى صوت سالم بن علي سعيد أشعر أن المعارك مع البرتغاليين مستمرة، وأن البحر لا يزال يرعف بالنصر و«البوكــــــيرك» يواصل تجرع مرارة الهزيمة وهو يلملم قلنسوته المداسة بالأقدام، وصولجانه المعفر بالخزي والذل والانكسار.

ومنذ «لمن السفائن» وسالم بن علي سعيد يسكب في أسطرلاب أحمد بن ماجد زرقة البحر وشبق الموج ورعاف المرجان.
ومنذ تأكيد حنجرته لحقيقة «أن العمانيين أسياد البحار» وهو يغادر تصنيفه كمطرب إلى  قائد لأساطيل اليعاربة، والمكلف من دولة آل بوسعيد بقطع السلسلة في شط العرب لنجدة البصرة، والمؤتمن من سلطان عمان وزنجبار للإبحار بسلطانة إلى نيويورك. ومنذ خط بالوتر تساؤلاته عن «العابرين جوانب الدنيا بأشرعة الصواري» وسالم علي سعيد هو أدميرال البحر والنهام في الأساطيل التي أعادت تسمية اللجج الزرقاء ، فجعلت من المسافة بين عمان والسند والهند وبر الزنج بحيرة يتحدث فيها الموج العربية ، وتتبادل الأساطيل الشفرات بالعربية، ويستغيث فيها المستغيثون ويستنجدون بنواخذنا بالعربية، وحتى المحار وقناديل البحر والحيتان لا تستنكف من التواصل بالعربية.
وفي هذا الصباح النوفمبري  أطل الأدميرال سالم علي سعيد من قمرة سفينة القيادة فكان بحر «أماندا» شاحبا وقباب قصر ملك تايلند لم تصافح اصفرار الشمس لتلمع، فألقى مرساته وأعطى الأوامر للبحارة بالنزول ليعيدوا تحميل الأسطول من خليج البنغال حطب الكندل لتعريشات البيوت وسقوفها ، ومن أسواق بانكوك عود كمبوديا وشالات الحرير لمواسم الأعراس ، ومن مولات بانكوك ساعات الرولكس وحقائب الديور والشانيل المقلدة هدايا فرح الوصول للشباب  والصبايا.
وبينما البحارة يضيعون في زحام المدينة التي تحب الملك وتعبد بوذا ، كان الأدميرال سالم علي سعيد في غرفة القيادة يراجع مسارات خط العودة وفي حقائبه صوغات السفر الطويل وأشواق المنتظرين عند الشطآن.
كانت سفينته مثقلة هذه المرة ، والشتاء قاس هذه المرة ، والبحار غامضة هذه المرة ، فكان بين أن يتريث في بحر أماندا ليستعيد كل شيء بهاءه ورونقه، أو أن يعلي الشراع باتجاه بحر العرب، فاختار العودة إلى الشطآن البيضاء، والحواف المشتاقة التي تفيأت طويلا قطيفة شجنه.
وكما غادر في زفة من حب إلى بحر أماندا قبل أشهر، سيعود في زفة حب إلى شطآن الأفئدة، فعرش العشاق ينتظر امبراطوره، والسفائن الحزينة تنتظر من يسائلها «لمن السفائن»؟، والبحارة ينتظرون وسام «العابرين جوانب الدنيا بأشرعة الصواري».