صندوق الرمل «ساند بوكس» التنظيمي والبنوك المركزية

د. عبد القادر ورسمه غالب –

معظم النشاطات والأعمال وفي مراحلها الأولية تحتاج للأموال والسيولة لتتمكن من الاستمرار، وفي الغالب الأعم، يتم اللجوء للبنوك لتقديم التمويل والدعم المادي ليكتمل المشروع وتعم فوائده. في العادة، البنوك تقوم بتقديم المساعدات المطلوبة بعد الدراسة والاطمئنان إلى المشروع وصاحبه مع الأخذ في الاعتبار الإيجابيات والسلبيات حتى لا يتم التعثر وما شابهه.
الآن ونحن في عصر التقنية الإلكترونية الحديثة وعالم ثورة المعلومات المتجدد على رأس الساعة، أصبحت الفرص متاحة لولوج مجالات جديدة بمساحة الأثير وتقود للتفكير خارج الصندوق في مشروعات لا حدود لها بسبب التقنية وما توفر عبرها من أفكار وأفعال وطموحات تقنية.. ومن هذا ظهر جيل جديد من أصحاب الأفكار المبدعة غير التقليدية .. وهذه المشروعات التقنية بالمقابل تحتاج للدعم خاصة المادي وكذلك التنظيمي، وبسبب الثورة التقنية العارمة، طفحت ونمت المالية الإلكترونية التقنية “فن تك” لتمكين البنوك من مسايرة التطورات العصرية التقنية.
إن العمل المصرفي بجميع أنواعه، فهو متجدد بطبعه وغير منغلق مما مكنه من استيعاب الثورة التقنية والتحول للعمل المصرفي الإلكتروني ثم وكتطور طبيعي الانتقال للمرحلة المالية الإلكترونية “فن تك” لتقديم أفضل الوسائل لخدمة الزبائن وأصحاب المصلحة.
وفي هذا الإطار، لا بد من الإشادة بالبنوك المركزية والجهات الإشرافية لأنها ذهبت الميل الإضافي، وذلك يتمثل في إصدارها للقرارات التنظيمية المعروفة جوازا باسم “صندوق الرمل التنظيمي – ساند بوكس ريقيولاتري”. وعبر هذا النظام المستحدث، قامت الجهات الرقابية والبنوك المركزية في عدة دول، من ضمنها مصرف البحرين المركزي، بإصدار “صندوق الرمل- ساند بوكس- التنظيمي”. وهذا الصندوق أو الوعاء مكان “افتراضي” لتوفير إطار قانوني مؤقت لتأهيل فئة المبدعين من أصحاب المشروعات التقنية الابداعية للحصول على الموافقة الرسمية، ولاحقا، يتم منحهم الترخيص القانوني لممارسة الأعمال والخدمات بصفة رسمية معترف بها..
وفي إيجاز، تقول البنوك المركزية ومن ضمنها مصرف البحرين المركزي، إن هناك ضرورة ملحة لإيجاد “صندوق الرمل” الافتراضي. والغرض هو، تمكين المبدعين خاصة في مجالات التقنية لتقديم أعمالهم لفترة زمنية محددة لا تتجاوز العام من داخل وعاء صندوق الرمل دون التقيد الحرفي بكل الضوابط المتبعة كما يبينه المصرف المركزي وفق كل حالة..
وبعد النجاح وتقبل الزبائن للخدمة ومنتج المشروع وبعد استيفاء كل الشروط المعينة، يجوز لهذه الجهات التقديم للحصول على الترخيص الرسمي لممارسة أعمالهم في إطار الشرعية التامة التي يمنحها لهم الترخيص الصادر من المصرف المركزي. ويتم استبعاد كل من لا ينجح ويخرج من صندوق الرمل.. ولهذا، بالطبع تبعات لا بد من التفكير فيها.
بالإضافة للمبدعين من أصحاب النشاط التقني والذين لا يحملون أي ترخيص من المصرف المركزي ويسعون له، فإنه يجوز أيضا للبنوك والمؤسسات المالية المرخصة أن تتقدم للعمل في إطار وعاء “صندوق الرمل” وأن تعرض برامجها ومشاريعها التقنية الحديثة التي ليس لها ترخيص، وذلك بغية الحصول على الترخيص اللازم للممارسة الكاملة أو عدم ذلك بسبب الفشل أو لعدم التصديق لأي سبب كان.
كل الجهات التي تقدم مشاريعها للعمل في صندوق الرمل، تدفع رسوم رمزية بسيطة، وعليها إبرام عقود مع الزبائن المحتملين لتوضيح مهامهم والتزاماتهم وخططهم العامة وكل المخاطر المرتبطة بها وحفظ كافة حقوقهم والتعامل بالسرية التامة ووفق الضوابط المهنية طيلة فترة التجربة.. وإضافة لهذا، عليهم تقديم تقارير عن كل هذه المتطلبات للمصرف المركزي.. الذي يتابع ويراقب ما يدور وفق دوره الإشرافي الرقابي، وذلك حتى مرحلة اكتمال مهمة صندوق الرمل ومن ثم إصدار الترخيص اللازم من عدمه، كما يراه مناسبا ووفقا للمعطيات المتوفرة في كل حالة على حدة.
هناك تفاصيل أخرى لا يسمح المجال هنا لذكرها، ربما لاحقا، لكننا نعتقد أن هذه الخطوة هامة وجريئة وتحتاج للمتابعة والعناية من البنوك المركزية وغيرها من الجهات الإشرافية الرقابية في العديد من الدول التي شهدت أو ستشهد طفرة في مجال المالية الإلكترونية “فاي- تك”. خاصة وأن الغرض الأساسي من هذا الإجراء التنظيمي، دعم التقنية الإلكترونية ومن هم خلفها والاعتراف بها وبهم وذلك لأدوارهم الملموسة في تطوير وتنمية العمل المصرفي الإلكتروني ولاحقا المالية الإلكترونية وعبرهم بالضرورة دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما فيها التقنية، في عالمنا الذي تحكمه التقنية وثورتها اللانهائية.