مسقط الجميلة.. سنوات لا تنسى ..!!

جمال إمام –

المشهد الأول..
على غير المتوقع امتدت المقابلة في الغرفة 401 في أحد الفنادق الشهيرة المطلة على نيل القاهرة في ربيع 1992 وقتا أطول مما تستغرقه مثل هذه المقابلات خاصة مع أطراف تلتقي للمرة الأولى للتعارف والاتفاق حول إمكانية العمل خارج مصر ..
كإعلامي لم تكن التجربة جديدة فقد خضتها بعد سنوات قليلة من عملي في شبكة صوت العرب وكان ذلك في بداية الثمانينات..
المفاجأة في المقابلة أنها تحولت إلى نقاش موسع حول أزمة الخليج التي كانت تتصدر المشهد في ذلك الوقت وتداعيات الغزو العراقي على أمن الخليج على المدى البعيد وإلى أي مدى يمكن أن تجابه المنطقة التحديات التي نشأت عن صدمة الغزو…
وقتها كنت عائدا للتو من زيارة للكويت بدعوة شملت عددا كبيرا من الإعلاميين على مستوى العالم ممن شاركوا بجهود في دعم الكويت إعلاميا إبان الاحتلال ووجدت الحكومة الكويتية بعد التحرير أنها فرصة على الصعيد الرسمي لتكريمهم
وأذكر أنني كنت أعد وأقدم برنامجا يوميا باسم « صوت الجماهير » على مدى ساعة كاملة كان يهتم برصد الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية وكذلك ردود الأفعال المختلفة للحدث الذي شكل وقتها تصدعا كبيرا في العالم العربي ..
ثم طورنا فكرته التي كانت وليدة لحظة الصدمة بالغزو بعد ذلك لتشمل التحليل والتعليق على الأحداث اليومية التي ارتبطت بتطورات الأزمة واستمر البرنامج حتى تم تحرير الكويت …
بعدها تحدثنا كثيرا أيضا في السياسات التحريرية وصناعة البرامج لتنتهي المقابلة على عكس ما كان مخططا لها ..
لكن الملفت بشدة هذه الأجواء الودية للغاية التي تركت عندي انطباعا رائعا عن عُمان كما لمستها في هذه المقابلة التي لم تختلف أو تتغير نهائيا عن الأجواء التي عملت فيها أو التي عايشتها طوال سنوات كثيرة..
وهي سمات بارزة تتمتع بها الشخصية العمانية نظرا لحالة الانفتاح الثقافي والحضاري التي ارتبطت بموقعها الجيوسياسي وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية المتعددة سواء مع العالم القديم عبر تجارة اللبان الذي تشتهر به أو شراكاتها السياسية والاقتصادية الراهنة..
مرّ على هذه المقابلة وكذلك الاتصالات التي استمرت حتى قرب نهاية العام أكثر من ربع قرن بالتمام والكمال لأجد نفسي في مثل هذه الأيام مستقرا في مسقط التي أحببتها كثيرا خاصة شرفتها البحرية الخلابة التي كان يطل عليها منزلي في «الخوير» والذي بسببها لم أغادره بموقعه الساحر إلى أي مكان آخر طيلة هذه السنوات التي أخذت جزءا كبيرا من عمري.. فقد كان بحر عُمان على مد البصر « كبر بحر فيروز» قد جعل من رائعتها «كبر البحر بحبك » حقيقة أجمل من الخيال ..!
كانت عمان تقف في ذلك الوقت على مشارف المرحلة الثانية في بناء الدولة الحديثة التي استغرقت نحو أقل من عقدين واحدثت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية..وبدا أنها تجني ثمار هذه التحولات عندما بدأت تجربتي الإعلامية التي اختلطت تماما بالتفاصيل الدقيقة للمشروع العماني التي عاصرت في بدايتها أكبر ورشة عمل تنموية..
شملت مختلف مناحي الحياة وشرايينها الحيوية في الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والصحة والموارد البشرية كنت شاهدا أكتب عنها وأرصدها وأتابعها وألمس مدى التطور المذهل الذي يحدث في البنية الأساسية الذي كان يصاحبه توسع عمراني في كل مكان..
لدرجة أنه في سنوات قليلة اكتشفت أنه في زحمة التنمية أن سلسلة الجبال التي كنت أطل عليها من منزلي من الجانب الآخر للشرفة البحرية تجاه مجمع السلطان قابوس الرياضي بدأت تختفي رويدا رويدا خلف هذه الأحياء السكنية الجديدة التي حجبت رؤية الجبل ولم تترك له مساحة للتنفس…!
في كثير من الأوراق التي أسجل فيها انطباعاتي أو في جلها إلى حد كبير كان القاسم المشترك الذي دائما ما كان يلفت انتباهي كمراقب وتوقفت عنده مرارا..
أنه في كل المحطات البارزة في المشروع العماني الذي كان يعمل على أكثر من مسار وفي اتجاهات كثيرة ومتشعبة ومتعددة أن الانتقال من مرحلة لأخرى كان انتقالا سلسا ودون القفز على المراحل أو دون حرقها لحساب مرحلة على أخرى..
في عام 1996 وجدت عمان أن الوقت قد حان لتأسيس مرحلة جديدة مهمة في بناء الدولة الحديثة كانت تركز قبل هذا التاريخ كما أشرت على التحولات الاجتماعية عبر التنمية الشاملة التي أفرزت تطورا في مستوى المعيشة والخدمات..
ومع استكمال البنية الأساسية الأولية كان عليها استكمال بنية أساسية من نوع آخر هي البنية السياسية للدولة التي شكل إصدار النظام الأساسي للدولة حلقة أساسية فيها.
على الرغم من الخطوات التي تظهر في خلفية المشهد عبر المجالس المتخصصة التي كانت تبعث بإشارات مبكرة على اهتمام الدولة ببناء دولة المؤسسات والتي ترتب عليها في وقت لاحق استحقاقات سياسية متعددة سواء على مستوى انتخابات مجلس الشورى بكل تطوراتها ومراحلها التي أفرزت اليوم برلمانا يتمتع بصلاحيات كبيرة وبشراكة متعددة مع الحكومة..أو على مستوى مجلس عمان الذي يضم مجلسي الدولة والشورى ، وهو البرلمان في دولة المؤسسات وسيادة القانون.
والواقع أن القناعات العمانية التي تعمل وفق تحولات مرحلية مدروسة بعناية بعيدا تماما عما يسمى وفق الإعلام السياسي بالتحولات الصدمة بين قوسين هي تعبير وترجمة عن رؤية بعيدة المدى تتفق وتطور المجتمع ونموه..
وهو ما يمكن لأي مراقب أن يرصد مؤشراته على مختلف المسارات . اليوم عمان تضع قدمها على أعتاب المرحلة الثالثة في بناء الدولة وتحول اقتصاداتها إلى مسارات أخرى غير مسبوقة ، ما كان يمكن أن تصل إليها من دون مراحل متراكمة من الانجازات التي حققتها عبر خططها الخمسية المتعاقبة، وعبر رؤيتها المستقبلية 2020 التي أشرفت على نهايتاها..
وفي الحقيقة هي مرحلة مختلفة تماما من حيث أهدافها وأدواتها وأبعادها ونتائجها وتحكمها أيضا المتغيرات الديمغرافية التي طرأت على عمان خلال نحو خمسين عاما على نهضتها الحديثة سواء من حيث عدد السكان، أو تطور ونمو مواردها البشرية ، خاصة في مجال التعليم الذي تعول عليه عمان في قيادة تنميتها حتى عام 2040 ..
من حيث الأدوات فهي مختلفة هذه المرحلة التي تعكسها استراتيجية الرؤية المستقبلية الجديدة حتى منتصف القرن الحالي تقريبا ، وتعتمد على حزمة مختلفة تماما من الموانئ والمطارات والسياحة والمراكز اللوجستية والمعرفة والموارد البشرية..
وهي حزمة تعطي قوة دفع بإعادة صياغة الاقتصاد العماني مستفيدا من موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها السياسية وشراكاتها الاقتصادية واستقرارها الأمني لتحقيق أهداف تتفق مع تطلعات دولة بحجم عمان..
المشهد الأخير..
لا يمكن أن أختم هذا المقال في وداع مسقط الجميلة التي احتفظ لها بذكريات رائعة بامتداد عقدين ونصف دون التوقف عند نقاط بارزة هي جزء من واقع حقيقي يعرفه المراقب المهتم بالشأن العماني واقصد به القوة الناعمة العمانية وهي متعددة الجوانب تعكس الرسالة الحضارية التي تعمل عُمان عليها دوما عبر تنوع أدواتها الثقافية المختلفة وهو ما نلمحه في الحفاظ على الهوية والموروث الثقافي العماني الذي يذكر دائما بالدور العماني عبر التاريخ وإسهاماته المهمة في رفد التجربة الإنسانية في محطة مهمة من محطاتها عندما حط بحارتها رحالهم في الهند والصين وإفريقيا وأمريكا وهو دور في كل الأحوال والظروف يرتبط بالبحر الذي يلون تاريخ عمان بألوان من القيم الإنسانية الرفيعة .. ومادام الحديث عن البحر فقد كان حاضرا بقوة أيضا في تجربتي الحياتية صباح مساء وجزءا من يومي فلم أفارقه على مدى هذه السنوات عبر نافذة مكتبي الذي كنت محظوظا أنه كان يطل أيضا على بقعة ساحرة كنت أشعر معه دائما أننا أصدقاء لكن حان وقت العودة ، وهكذا الحياة..