هوامش.. ومتون: المكتبةُ ليست كتبًا !!

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

قبل عامين زار صديقي الشاعر عدنان الصائغ (مسقط) صحبة أسرته، قادما من لندن، وكنّا قد أعددنا للزيارة برنامجا سياحيّا، ولكنّ حفيده (آدم) ذا الأربع سنوات (أكرّر 4 سنوات فقط) أحرجني حينما أبدى رغبة لجدّه بزيارة مكتبة الطفل، في وقت لم تكن المكتبة الوحيدة الكائنة قرب سكننا في حديقة القرم، سوى بناية لا نعرف ماذا يوجد داخلها من مباهج أعدّت لــ «فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض»، ولم يكن أمامي من مهرب سوى إخباره بأنّ المكتبة مغلقة لأغراض الصيانة!
وحين سألت والده (مهنّد) عن علاقة ابنه المبكّرة بالكتاب، أجاب «في المدارس البريطانيّة يعلمون التلاميذ ألّا يزوروا مكانا إلّا ودخلوا مكتباته، وألّا يناموا قبل أن يقرأوا، ولمن لا يملك كتابا، فباب الاستعارة من مكتبة المدرسة مفتوح على مصراعيه»!
استحضرت هذا الموقف، وأنا أتجوّل في مكتبة الأطفال العامّة التي جرى افتتاحها الأسبوع الماضي، بعد انتظار طويل، والأرقام المعلنة تشير أنّها تضم 10 آلاف عنوان، في مختلف المجالات، فيما وضعت إدارتها في الخطة أن تستوعب 70 ألف عنوان، مثلما تسعى لافتتاح مركز للابتكار، وآخر للواقع التخيلي «وتسعى لإنشاء وحدات متنقّلة تطوف محافظات السلطنة» كما صرّح أحد مسؤوليها لوسائل الإعلام، ومهما كان سقف الطموح عاليا، ويحتاج إلى وقت، لكي يرى النور، فما رأيناه خلال تجوالنا في أقسام المكتبة يسرّ الخاطر، من حيث تنوّع الكتب، التي جاءت باللغتين العربية، والإنجليزية، إلى جانب لغات أخرى، كما لفت نظرنا حسن تنظيمها، ووجود حيّز للكتب الإلكترونية، واحتواؤها على جوانب تقنية تصبّ في خدمة ذوي الإعاقة من المكفوفين، وضعيفي البصر، والصم، ومن المبهج أن يساهم الجميع في إنشاء المكتبة، فالمشروع أقيم بجهود ذاتية، وبدعم من عدد من الشركات، والمؤسسات، بعد أن وفرت وزارة التراث والثقافة الأرض التي بنيت عليها المكتبة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فهي تعتمد في عملها على الدعم الذي يأتي من الشركات في موازنتها التشغيلية، وتعمل في إدارتها، موظّفات متخصصات أكاديميّا بعلوم المكتبات، إلى جانب عدد من المتطوّعين، ولكي تموّل المكتبة نفسها ذاتيّا خطّطت إدارتها لاستثمار المبنى، والاستفادة من الطابق الأرضي للإيجار، وفي كلّ ذلك، تبقى المكتبة ليست رفوفا، وكتبا، إنما هي برامج توعويّة، ومنظومة تعمل على تثقيف، وتطوير، وتنمية، وتوعية الجيل الجديد بأهمية القراءة، مما ينعكس مستقبلا على الوطن، والمواطن، وعليه، فوضع خطط، وبرامج توعوية تستهدف الأطفال مع مراعاة الشرائح العمريّة، سيعزّز دورها، ويساعدها على أداء رسالتها، وكذلك من الضروري إقامة ورش للقراءة، والكتابة، والعمل على تزويدها بالجديد، والمتنوع من الكتب، ومراعاة مستجدات العصر، والاستفادة من الأجهزة الإلكترونية الحديثة، ووضع خطّة توعويّة من أجل تحصين أطفالنا من الصرعات الدخيلة التي تقتحم عقولهم من الخارج من خلال كتابات لا تتناسب مع قيمنا، ومثلنا، وعاداتنا، وتقاليدنا، ومن ثم تصبح هدّامة بالنسبة لنا، فكم من الكتابات،خاصة المترجمة، والمصورة التي تصل إلينا، ونفرح بأن نهديها إلى أبنائنا دون أن ننتبه إلى محتواها، ومضمونها، وفي النهاية نرى أنّها تمسّ صميم العادات، والتقاليد، ولا أنسى ما رواه لي الزميل خالد عرابي عمّا جرى له مع ابنه حينما جاءه، وفي يديه قصة ألوانها زاهية، ورسوماتها جذّابة، وحكايتها مشوّقة، ولكن محورها يدور حول (إله القمر)، وإذا بالطفل يسأل والده: من هو إله القمر؟ وهذا جعله يقرأ القصّة، ليرى إنها لا تتوافق مع عقائدنا الدينيّة، وهذا خلق اضطرابا في ذهن الطفل! لذا ينبغي الحذر في اختيار القصص، والكتب، فيما يقرأه الطفل في الصغر، لأنّ ذلك يصبح «كالنقش على الحجر»، ولا ينساه حينما يكبر، ومن ثمّ قد تكون لديه ثقافة، وأفكار، ومنهج، وقناعات قد يصعب تغييرها في المستقبل.
إنّ افتتاح المكتبة، وتشغيلها، واستعدادها لاستقبال زيارات طلاب المدارس، كما هو مخطّط، بداية جيّدة لتأسيس علاقة وثيقة مع الكتاب، منذ السنوات الأولى للأطفال، كما هو الحال في الغرب، وبذلك لن أجد حرجا، لو زارني ضيف قادما من أوروبا، وطلب طفل برفقته زيارة مكتبة الطفل، كما حدث مع (آدم الصائغ)، قبل سنتين.

جريدة عمان

مجانى
عرض