القوة الناعمة العربية.. وضرورة الإنقاذ ووقف المعاناة

د. عبدالعاطي محمد –

وسط قتامة المشهد العربي المعاصر، تبقى بارقة الأمل قائمة في تسخير القوة الناعمة العربية للخلاص من مظاهر التردي والوهن الراهنة داخليا وخارجيا، واستعادة تأثيرها على الجذب والإقناع مجددا. ولكن بارقة الأمل تتوقف على نقل هذه القوة من حالة المعاناة التي تعيشها في السنوات الأخيرة إلى وضعية الإنقاذ، وذلك من خلال تحفيز كل عناصر القوة الناعمة على الانطلاق، وتحريرها من ضغوط السياسية وخلافاتها.

ومع أن المصطلح حديث نسبيا في عالم السياسة، إلا أن هناك اتفاقا بين الخبراء المعنيين على أهم الملامح والمؤشرات التي تحقق المقصود منه لعل أبرزها أنه الوجه الآخر لقوة الدولة غير ما يتوافر لها مما يسمى بالقوة الصلدة أو الصلبة، والمقصود بها القوة المشتركة السياسية والاقتصادية والعسكرية. ويندرج تحت هذا الوجه الآخر ما تمتلكه الدولة من قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق عبر العناية بمجالات التحضر والمدنية وحقوق الإنسان والثقافة والآداب والفن بكل صوره. وتهدف القوة الناعمة إلى تحقيق التأثير والإقناع والجذب بقدراتها داخليا وخارجيا دون اللجوء إلى الإكراه أو استخدام القوة. وإذا كانت القوة الناعمة ضرورية في حالات السلم والاستقرار لتعظيم قوة الدولة، فإنها أكثر ضرورة في حالات التوتر وعدم الاستقرار والحروب لأنها تعفي الدولة من تكلفة التورط في مثل هذه الحالات. وقد ازدادت أهميتها بعد أن أصبح العالم مفتوحا على مصادر المعرفة والتواصل البشرى في ظل ما أتاحته وسائل التواصل الإلكترونية.
ولم يكن عالمنا العربي بعيدا يوما عن امتلاك عناصر القوة الناعمة، ولا عن القدرة على استخدامها، ولكن هذه العناصر تأثرت سلبا منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، إلا في عدد قليل من الدول العربية التي استمسكت بها برغم وطأة الضغوط. وحدث ذلك بالنسبة لمن تراجعت قوتهم الناعمة، إما بسبب الإهمال واللامبالاة من الجهات المختصة، أو بفعل الأزمات السياسية والانشغال بقضايا الأمن، أو لتردي منجزات التنمية عموما. فمما لا شك فيه أن عالمنا العربي يمتلك حقا قدرا عاليا من عناصر القوة الناعمة جعلته في فترات معينة ليست بالقصيرة موضع استقرار وتطور إلى الأفضل على الصعيد الداخلي، وموضع جذب من الخارج وتأثير فيه وإقناع له. وفي عالم الاقتصاد يهتم الخبراء بما يعرف بالميزة النسبية أي تلك الخاصية التي تجعل طرفا ما متميزا عن غيره ومن ثم تدفع هذا الغير إلى الانجذاب إليه فيتحسن وضعه الاقتصادي. وتطبيقا لنفس المقولة. فإن عالمنا العربي له من هذه الميزة النسبية الكثير، حيث الجانب الحضاري القديم والشواهد عليه لا تحتاج لبيان، والتنوع الثقافي بفعل تعدد مكوناته المجتمعية مما يمنحه ثراء إنسانيا فريدا، وكونه يتحدث بلغة واحدة مهما اختلفت لهجاتها، وانفتاحه على العالم الخارجي والتفاعل معه خصوصا أن الجغرافيا مكنته من ذلك ولم تفرض عليه العزلة، ولأبنائه من المثقفين والكتاب والمبدعين في الشعر والقصة والغناء والموسيقى باع طويل يجعلهم في الصفوف الأولى بين أقرانهم الأجانب. وبناء عليه جاء وقتا أصبح فيه عالمنا العربي رقما في السياسة العالمية.
ولكن هذه الصورة المضيئة تراجع بريقها تدريجيا مع دخول عالمنا العربي في سلسلة متواصلة من النكسات والأزمات في العقود الأخيرة يعرفها القاصي والداني ولا تحتاج إلى برهان، إلا بالنسبة لعدد قليل للغاية من الدول، مما يعني أن التراجع كانت له الغلبة، فكان دخول القوة الناعمة دائرة المعاناة. هكذا بدأنا نتابع تقارير التنمية البشرية التي كانت تصدر تحت رعاية الأمم المتحدة وكلها كانت تحذر من تراجع الترجمات العربية عن الكتب الأجنبية وكذلك تراجع حركة التأليف العربية ذاتها، وتردي أوضاع المرأة وحقوق الإنسان وضعف الخدمات الأساسية واتساع الفجوة في توزيع ثمار التنمية فيما يعني تراجع التنمية البشرية عموما، وبالمقابل كانت تزداد باطراد النفقات على التسلح كمظهر على القلق من التهديدات الأمنية. وفي نفس الوقت راح قطاع من المثقفين والمبدعين يجري وراء لقمة العيش وفقدوا بذلك دورهم الكفاحي في تغيير الواقع الذي هو من أولويات دورهم. ومع توالي الأزمات والخلافات السياسية فقدت القوة الناعمة استقلاليتها كوجه آخر لقوة الدولة واستسلمت للتسييس، فكان ذلك واحدا من أخطر العوامل التي زجت بالقوة الناعمة في نفق التراجع والمعاناة.
وجاء ظهور التطرف والإرهاب ليحكم الخناق على القوة الناعمة العربية لأنه أعلن من البداية أن حربه مع النظم القائمة هي حرب مع هذه القوة الناعمة، فلم يقل فقط إنه خصم لها وإنما أكدت جماعاته أن مهمته الأكبر هي القضاء على ما تبقى من هذه القوة الناعمة وبذلك يتمكن من الإجهاز على هذه النظم. لقد كانت هذه القوة الناعمة بمثابة حائط الصد الأول لهذا الخطر بوصفها مصدرا رئيسيا لتوفير المناعة الطبيعية عند شعوب المنطقة ضد كل التهديدات غير المسلحة التي تمس وجودها القومى وتهدم منجزاتها التي حققتها منذ مرحلة الاستقلال الوطني. ولنا أن نتذكر أن كل أدبيات تنظيم «داعش» على سبيل المثال كانت موجهة للإجهاز على كل مقومات أو عناصر القوة الناعمة العربية سواء على مستوى الفكر والأيديولوجيا أو الثقافة أو الفنون أو الآثار التاريخية، والشواهد على ذلك قائمة تتحدث عن هذا التوجه كما حدث في العراق وسوريا عندما تحولت المعالم الحضارية القديمة إلى ركام تحت معاول التنظيم.
الخروج بالقوة الناعمة العربية من المعاناة إلى الإنقاذ لا يزال ممكنا برغم كل ما جرى من تراجع، ليس فقط لأن الشعوب قبل النظم وعت الدرس جيدا فاستشعرت أهمية رد الاعتبار لقوتها الناعمة، وإنما لأن هناك حراكا حقيقيا في هذا الاتجاه. معارض الكتاب التي تشهدها عواصم عربية من وقت إلى آخر دليل حيوية على استعادة تأثير القوة الناعمة لإعادة اللحمة على مستوى الداخل والدفاع عن روح البناء والتعمير والاعتزاز بالتراث ورفض الانقسام والفتنة، ولتصحيح الصورة الذهنية عن عالمنا العربي خارجيا ومن ثم التمكن مجددا من التأثير فيه وجعله سندا للقضايا العربية والعمل على حل أزماتها المزمنة. ولا يخفي أن هناك حركة نشطة على صعيد التأليف وإعادة نشر الأعمال الفكرية الأجنبية التي احتضنت في الماضي أفكار التقدم والتنوير، والانتباه مجددا لعمليات الترجمة عن الحضارات الإنسانية المختلفة، وإقامة المتاحف، فضلا عن تزايد الاهتمام بالمهرجانات الفنية. كما تزايد الاهتمام بتقديم الفهم الصحيح للإسلام على المستويين الداخلي والخارجي لوأد الفكر المتطرف. ومن جهة أخرى هناك حركة نشطة في مجالات التعليم المختلفة لبناء أجيال تحمل رسالة التعمير والبناء والانفتاح على العصر. وكلها عوامل تصب في اتجاه استعادة القوة الناعمة أو إنقاذها من المعاناة، الأمر الذي يترتب عليه إيجاد مناعة طبيعية عند الشعوب لصد سوءات العصر الذي أصبح مفتوحا بلا قيود على الخير والشر معا!.
وحتى تكتمل جهود الإنقاذ، فإن هناك المزيد المنتظر من الحكومات العربية. فالحراك القائم يغلب عليه المبادرات الذاتية والجماعية على المستوى الشعبي، بينما المطلوب هو أن تلقى هذه الحكومات بثقلها المباشر في هذا المضمار لا أن تنشغل بحل خلافاتها السياسية فقط. صحيح أن هذا الانشغال مطلوب لتغيير المشهد العربي البائس برمته، خصوصا أن هذه الخلافات كانت ولا تزال عاملا وراء تراجع القوة الناعمة العربية، ولكن وطأة المشهد الراهن تقتضي فصل الخلافات السياسية عن جهود استعادة هذه القوة، ومن ثم التركيز على دعم أية جهود شعبية. وهنا فإن تضافر الجهود الرسمية في مجالات الاهتمام بالتراث والثقافة والتعليم يتعين أن يحظى بأولوية في التعاون الثنائي والجماعي. ويكفي للمؤسسات المعنية أن تضع أمام أعينها مشاهد الدمار التي لحقت بالآثار في الموصل وتدمر وبالمدارس في اليمن، لتستشعر حجم الخطر الداهم الذي أصاب مقومات مهمة في بناء القوة الناعمة العربية، وبناء عليه تبحث عن السبل العاجلة لإنقاذها مهما كانت مصاعب الخروج من حالة الانقسام السياسية التي شلت العمل العربي المشترك.