تعزيز المشاركة المجتمعية في برامج التنمية

أحمد سيد أحمد –
«عند استعراض تجربة مجلس الشورى العماني خلال العقد الماضي نجد أنه قدم المئات من الاقتراحات و القوانين والأسئلة البرلمانية والاقتراحات برغبة وشكل عشرات اللجان وعشرات الأسئلة البرلمانية وكلها حول قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية».

يمثل دور الانعقاد الثالث لمجلس عمان امس الرابع عشر من نوفمبر، والذي يتوافق مع احتفالات العيد الوطني السابع والأربعين، نقلة نوعية مهمة في اتجاه تعزيز النهضة العمانية الشاملة، حيث يلعب المجلس دورا مهما في الحياة العمانية بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار فلسفة جلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله ورعاه – المرتكزة على أن الإنسان العماني هو غاية التنمية والنهضة وأداتها الأساسية، وترسيخ المشاركة المجتمعية في صنع القرار وإنجاز خطط التنمية.
ومنذ إنشائه في عام 1997 لعب مجلس عمان دورا كبيرا في تحقيق النهضة العمانية على مختلف المجالات، حيث ساهم المجلس بجناحيه، مجلس الشورى، الذي أنشئ عام 1991، ومجلس الدولة في تعزيز وترسيخ المشاركة المجتمعية وتحقيق التكامل والتناغم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في العمل الوطني وفي تعظيم الجهود نحو نهضة عمان وتطورها الاقتصادي والتنموي. ويعكس مجلس عمان النموذج العماني في الديمقراطية والعمل العام والذي يتسم بريادته واختلافه عن نماذج السلطات التشريعية في البلاد الأخرى حتى المعروف بديمقراطيتها كما في الدول الغربية، والتي تكون فيها السلطة التشريعية عاملا عائقا في بعض الأحيان لمسيرة العمل نتيجة للاستقطابات السياسية ونماذج الائتلافات السياسية للأحزاب وانحدارها في بعض الأحيان إلى التشاجر وانهيار تلك المؤسسات بسبب الصراعات السياسية، بينما يرتكز مجلس عمان على مبدأ الديمقراطية المتدرجة التي تجمع بين مواكبة تطورات العصر الحديث وبين التقاليد والثقافة العمانية الأصيلة القائمة على الشريعة الإسلامية وتقاليد المجتمع العماني وتراثه وحضارته، بما يضمن التركيز على تحقيق الأهداف والإنجازات المتواصلة كل عام، وتعكسها أرقام التنمية الكبيرة في كافة المجالات، كما ترتكز فلسفة مجلس عمان على الجمع بين المعرفة والخبرة والتخصص التي يمثلها مجلس الدولة، وبين المشاركة المجتمعية وتعزيز مشاركة المواطن ودوره في صنع القرار والتي يمثلها مجلس الشورى المنتخب، خاصة في ظل الصلاحيات الكبيرة الممنوحة له وفقا للمرسوم السلطاني رقم 99 لعام 2011.
ويمكن القول إن مجلس عمان بغرفتيه (مجلس الدولة ومجلس الشورى) لعب منذ إنشائه وتطور صلاحياته دورا مهما في تعزيز التنمية والنهضة العمانية من جوانب عديدة أبرزها:
أولا: تعزيز التنمية الاقتصادية والمستدامة: فقد ساهم مجلس الشورى من خلال صلاحياته الواسعة وأدواته البرلمانية المتعددة مثل اقتراح مشروعات القوانين والاقتراح برغبة وطلب المعلومات والإحاطة، وطلب المناقشة ، والأسئلة البرلمانية للوزراء وأعضاء السلطة التنفيذية، وتشكيل لجان المتابعة وغيرها، في تكريس ثقافة التعاون والتكامل بين السلطة التشريعية والتنفيذية فيما يتعلق بالتنمية والخطط التنموية الخمسية وغيرها، وتكريس المناقشة حولها للتوصل إلى أفضل الصيغ المحققة للتنمية، ومواجهة أوجه القصور ومراجعة تلك الخطط وإزالة العقبات التي تواجهها، خاصة فيما يخص المشروعات القومية الكبرى التي تقوم بها السلطنة لتحقيق التنمية والنهضة الشاملة، كما يقوم مجلس الشورى بمساعدة الحكومة في كل ما يهم المجتمع العماني ويقدم لها ما يراه كفيلا بدعم مقوماته الأساسية وقيمه الأصيلة. كما أن مجلس الدولة، بما يمتلكه من خبرات تخصصية ومهنية محترفة، ساهم بدوره في مناقشة العديد من المشروعات الكبرى وتقديم التوصيات المناسبة بشأنها، حيث يتمتع المجلس بصلاحيات عديدة وفقا لما تضمنه المرسوم السلطاني رقم86/‏‏‏1997 في شأن مجلس عمان، ومن أبرز تلك الصلاحيات إعداد الدراسات التي تسهم في تنفيذ خطط وبرامج التنمية، والتي تساعد في إيجاد الحلول المناسبة للمعوقات الاقتصادية والاجتماعية ، وتقديم المقترحات المتعلقة بتشجيع الاستثمار وبالإصلاح الإداري وتحسين الأداء، يضاف إلى ذلك مراجعة مشروعات القوانين التي تعدها الوزارات والجهات الحكومية ومشروعات التعديلات المقترحة، وذلك قبل اتخاذ إجراءات إصدارها وبعد إحالتها إليه من مجلس الشورى ويقدم المجلس توصياته في هذا الشأن إلى مجلس الوزراء.
ثم ساهم مجلس عمان عبر مجلسيه في تدعيم التنمية المستدامة وتوجيه خطط التنمية صوب تحقيق النهضة للمواطن وتطوير تلك الخطط، والمساهمة في أن تكون معبرة عن كافة محافظات السلطنة، وتلبية حاجات المواطن وتطلعاته وكذلك في دفع عجلة التنمية والعمل الوطني بوتيرة أكبر.
ثانيا: التنمية الاجتماعية: ساهم مجلس الشورى عبر دوره التشريعي والرقابي في إطار من التكامل مع السلطة التنفيذية في توجيه خطط التنمية نحو خدمة المواطن ورفع مستوى معيشته وتحقيق التنمية الاجتماعية في مختلف المجالات، وذلك من خلال متابعة أداء السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالمشروعات والأعمال المتعلقة بالمجتمع والمواطن وضمان حسن جودة الخدمات المقدمة إليه، ومطالبة السلطة التنفيذية عبر الاقتراحات أو البيانات الوزارية أو طلب الإحاطة أو الأسئلة أو تشكيل لجان لتقصي الحقائق، لمتابعة الأداء الحكومي على أرض الواقع والمساهمة في إزالة العقبات التي تواجهه. وعند استعراض تجربة مجلس الشورى خلال العقد الماضي نجد أنه قدم المئات من اقتراحات القوانين والأسئلة البرلمانية والاقتراحات برغبة وشكل عشرات لجان المتابعة، وعشرات الأسئلة البرلمانية وكلها حول قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤكد دوره في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة وفى خدمة المواطن العماني. فعلى سبيل المثال تناولت الأدوات البرلمانية لمجلس الشورى ودوره الرقابي والتشريعي العديد من القضايا المهمة، حيث تناولت أداة الأسئلة البرلمانية قضايا مثل التلوث البيئي الناجم عن المشاريع الصناعية والكسارات في مختلف محافظات السلطنة وخطط وزارة البيئة والشؤون المناخية لمكافحة التصحر في بعض مناطق البلاد، ونتائج استثمارات بعض الشركات الحكومية ومتابعة سياسات التعمين واستثمارات وأنشطة النقل البحري، ومدى تحقق مبدأ التنافسية بالنسبة للشركات الممنوحة تراخيص من الفئة الأولى، واستفسارات أخرى حول قضايا القوى العاملة الوافدة ومشكلات المستشفيات والجوانب الصحية مثل العلاج بالخارج.. إلخ. كما قدم مجلس الشورى العديد من الاقتراحات حول تعريفة الكهرباء للاستخدام السكني، ودعم الأسر العمانية من ذوي الدخل المحدود، وكذلك إقامة مراكز رياضية في مختلف ولايات السلطنة، وأيضا إنشاء مجمعات ثقافية في المحافظات. كما تناولت طلبات الإحاطة قضايا مهمة مثل الثروة السمكية والاستثمارات الزراعية والاستثمارات الحكومية في مجال السياحة وغيرها، وكلها قضايا تهم المواطن وتحقيق التنمية المجتمعية. كما شكل المجلس العديد من اللجان لمتابعة المشكلات والتحديات التي تواجه المشروعات الاقتصادية والاجتماعية مثل تشكل لجنة حول مشروع موريا والمدينة الطبية بمحافظة ظفار، ولجنة حول الطيران العماني، وأخرى حول الخدمات المقدمة من قبل الهيئة العامة للكهرباء والمياه. ولا شك في أن تدعيم مجلس عمان ودوره في تعزيز التنمية الوطنية في المستقبل يتعزز مع تسريع وتيرة التشريعات داخل المجلس، والتي قد تستغرق احيانا وقتا غير قليل، بما قد يبطئ من وتيرة إنجاز بعض المشروعات، وهو ما يتطلب سرعة إصدارها خاصة فيما يتعلق بقضايا المواطنين، كذلك زيادة إلمام الأعضاء خاصة في مجلس الشورى بالدراسات المستفيضة والمتخصصة لطبيعة المشروعات المعروض عليهم وعرض المقترحات المتعلقة بتعزيز التنمية وحل مشكلات المواطنين، وترسيخ التواصل مع المواطنين لنقل مشكلاتهم وهمومهم والتعبير عنها لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.