عمان وطن السلام والاستقرار

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
ونحن نحتفل بالعيد الوطني السابع والأربعين المجيد الذي يهل علينا خلال الايام القليلة القادمة يستذكر العمانيون هذه المناسبة الوطنية بكل فخر واعتزاز حيث استطاع جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – أن يشيد تجربة سياسية وإنسانية تستحق التأمل والدراسة على صعيد المنطقة والعالم حيث نرى مشاهد الارتباك والتوتر تلف الإقليم خلال العقود الأربعة الماضية.

فالدولة العصرية التي تحدث عنها جلالة السلطان المعظم في خطابه الأول وأصبحت حقيقة ماثلة للعيان لم تأت بسهولة ، خاصة اذا تذكرنا أن عمان وخلال فجر النهضة المباركة كانت تعيش أوضاعا قاسية على الصعيدين التنموي والسياسي حيث الصراع المسلح في ظفار والقلاقل الداخلية ووجود خلافات عدة مما هدد بخطر غير قليل على الوحدة الوطنية للبلاد.
ومن خلال رؤية ملهمة لجلالة القائد المفدى ، كانت الثوابت التي انطلقت منذ يوم الخميس 23 يوليو 1970 واضحة المعالم لا لبس فيها ، ومتواصلة مما جعل التجربة العمانية ووفق ما نراه من حولنا جديره بالاحترام والدهشة في آن واحد، فرغم اندلاع عدد من الحروب خلال العقود الأخيرة، وكان بعضها علي التماس من حدود السلطنة، والبعض الآخر قريب منها، كانت السلطنة، ومن خلال تلك الثوابت الوطنية بعيدة عن شرر تلك الحروب حيث تمكنت تلك الرؤية السامية من إبعاد الوطن عن كل مهالك تلك الحروب وآثارها المدمرة والتي لا يزال بعضها مشتعلا، ولعل الحرب المتواصلة في اليمن نموذج على ذلك.
كانت الرؤية السامية أن تكون عمان حاضرة في المشهد السياسي العربي والدولي من خلال مثل وقيم حددتها القيادة السياسية ، تتمثل في الاحترام المتبادل ، والتعاون والحوار لحل أي خلاف، ونشر ثقافة التسامح والمحبة بين الدول والشعوب، وهذا بلا شك مكن السلطنة من أن تتفرد بهذه الفلسفة الحضارية مما مكنها من أن تتواصل مع دول العالم شرقها وغربها بكل الود والتقارب الإنساني والحضاري.
إن الدول ذات الموروث الحضاري الإنساني يكون لها دائما افق سياسي، وهو ما يتماشى مع رؤية جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – و ما قام به أيضا، وهذا الأمر شهدته بالطبع الأجيال العمانية السابقة والحالية خاصة ما يتصل بغرس وتقوية هذه القيم لدى النشء حول دور بلادهم الحضاري في الماضي والحاضر، وكيف يمكن لبلد أن يتواصل استقرار الوطن ووحدته الوطنية، وحب الشعب لسلطانه طوال هذه العقود الخمسة التي شارفت علي الاكتمال. انها المنظومة الوطنية التي رسمها وكرسها جلالة القائد، بفكر سديد تلمس من خلالها احكام التاريخ والجغرافيا والموقع السيواستراتيجي لعمان المطلة على المحيط الهندي وبحر العرب، وايضا اطلالتها على بحر عمان والخليج ، مما جعل موقعها فريدا منفتحا علي الطرق البحرية وعلى المنافذ الاستراتيجية ، ومن هنا فإن الرؤية السامية جاءت منسجمة مع هذه العوامل الاستراتيجية ومع القراءة الصحيحة للأحداث، وهذا الأمر يتطلب قيادة تتسم بالحكمة والموضوعية في تقدير مصالح وطنها وتقدير المواقف الإقليمية والدولية.
أزمات المنطقة
ان عمان اليوم ينظر لها العالم بأنها بلد السلام والمبادرات السياسية الخيرة فالحوار الصعب والمعقد حول الملف النووي الإيراني، والذي استغرق اكثر من عقد من الزمن بين إيران والغرب كما أشارت إلى ذلك مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، جنب المنطقة حربا كارثية، كادت أن تقع وكان للسلطنة، وبشهادة قادة العالم ، دور كبير من خلال الدور المحوري الذي لعبه باقتدار جلالة السلطان المعظم – أعزه الله – وهذا يعطي دلالة سياسية وحضارية على ما يتمتع به جلالته – حفظه الله ورعاه – من مكانة رفيعة لدي الدول والقوي الدولية ولا شك أن هذه المحطة الصعبة تعد واحدة من الإنجازات السياسية للديبلوماسية العمانية في العصر الحديث.
موضوع النفط مقابل الغذاء اثناء الحصار الامريكي والغربي على العراق في تسعينات القرن الماضي، كان للسلطنة ايضا، دور مشهود بالنسبة للأخذ به ، خلال عضويتها في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، مما فتح الطريق لتدفق الغذاء لملايين العراقيين. وبدون تلك الخطوة التي ساهمت بها السلطنة ، بشكل كبير، كان يمكن ان تحدث كارثة إنسانية لعشرات الملايين في العراق الشقيق، ومن هنا فإن هذه الصور المضيئة لدور عمان الحضاري والإنساني، وهي كثيرة، لابد أن تصل إلى أذهان وأسماع الجيل الجديد من ابنائنا، بل وندعو إلى تدريس هذه المشاهد الإيجابية للطلبة في المدارس والكليات والجامعات.
ان العيد الوطني المجيد الذي يصادف الثامن عشر من نوفمبر من كل عام هو محطة مهمة لرؤية ما أصبحت عليه عمان من تطور وتقدم في كل المجالات ولعل ذالك يقودنا إلى الحديث عن الداخل من خلال تنفيذ الخطط التنموية الخمسية، ومن خلال تنمية شاملة عمت أرجاء الوطن من أقصاه إلى أقصاه.

عمان الحديثة

لا شك أن المشهد الوطني الذي رأيناه كجيل معاصر لبدايات النهضة المباركة وما تحقق من طفره تنموية، هو أشبه بشريط سينمائي، اقرب إلى الإعجاز، حيث كان الوطن يفتقر إلى كل شيء، وكانت امام جلالة السلطان الشاب، مشهد صعب ومعقد، على الأصعدة التنموية والسياسية والعسكرية، وهنا تتجلى المفردات الملهمة للشخصية القيادية ورؤيتها للانطلاق الصعب نحو بناء الدولة العصرية التي تحدث عنها جلالته بكل ثقة وكأنه يرى المشهد الذي نراه الآ . وهنا تأتي كاريزما القائد، ومدى إيمانه بأن على القائد أن يجرب بعضا من المخاطرة المحسوبة، لأن عمان كانت تستحق ذلك وهناك أمثلة كثيرة، لا مجال لحصرها، ومن هنا فإن ما نراه اليوم رأي العين من نهضة شاملة أولا، ومن فكر وثوابت راسخة ، انعكست على سلوك المواطن وما أصبحت عليه سمعة الوطن خارجيا من تقدير واحترام كبيرين ثانيا ، يعطي الدلالة بأن ما نشاهده اليوم في كل بقعة من ارض الوطن العزيز، هي حكاية تلك الخطاب الأول لجلالته – حفظه الله ورعاه – حيث تنعم بلادنا اليوم بالحداثة، والتطور، وبالكوادر الوطنية المؤهلة والمنتشرة في كل مواقع العمل، وبالاستقرار الفريد للسلطنة ، وبدورها الإقليمي والدولي ، الذي اصبح مطلبا لإيجاد الحوار البناء للوصول إلى حلول توفيقية سلمية، تجنب العالم والمنطقة خصوصا الحروب والإشكالات، والتي يكون الإنسان والتنمية هم ضحاياها عادة، والأمثلة في ذلك كثيرة ومتعددة خلال الأربعين عاما الماضية في اكثر من بلد عربي وإسلامي وحتى في إفريقيا.

استشراف المستقبل

وفي ضوء هذا الحدث الوطني الذي يحتفل به العمانيون من كل عام هناك نهضة متكاملة، واستشراف يبشر بالخير لعمان وأهلها حيث إن هذا المسار التنموي متواصل والخطط التنموية متواصلة حيث إن البنية الأساسية على وشك الاكتمال ولا شك ان شبكة الطرق في السلطنة تعد من الشبكات الراقية في المنطقة والعالم، ومع اكتمال ما تبقي منها سوف تكون نموذجا لبلد شاسع المساحة والتضاريس الجبلية الصعبة ورغم ذلك تعد شبكة الطرق من الإنجازات المهمة، التي جعلت التواصل بين المحافظاتوالولايات سهلا وميسرا وهناك مشاريع كبيرة في طريقها إلى الاكتمال.
ولا شك أن منظومة المطارات والموانئ والخطة الوطنية لتنويع مصادر الدخل، ووجود الكوادر الوطنية، وتواصل تدريبها وتأهيلها ومساهمتها الفعالة في بناء الوطن، هو أمر إيجابي كما أن الجامعات والكليات تخرج المزيد من الكوادر البشرية ، فالإنسان هو في النهاية صانع التنمية ويعول على أبناء عمان الكثير لخدمة وطنهم في هذه المرحلة والمستقبل وهناك نماذج شرفت الوطن من خلال إبداعاتها في المحافل الدولية
ويبدو لي أن توعية الجيل الحالي، بأهمية استشراف المستقبل والعمل باجتهاد لنهضة الوطن والتعريف بتاريخ عمان العريق في الماضي والحاضر، وأن الجيل الجديد عليه مسؤولية لمواصلة البناء والإبداع من أجل الوطن، هي مهمة أساسية أمام الإعلام من خلال رؤية شاملة وكاملة، وهناك جيل موهوب في السلطنة ، في مجال العلوم بشكل عام والتقنية بشكل خاص ، مما يعطي رؤية بأن نهضة عمان التي انطلقت قبل 47 عاما سوف تستمر لمزيد من النجاح والنماء لعمان وأبنائها في ظل القيادة الحكيمة والمستنيرة لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي قاد هذه النهضة العمانية المشهودة، والتي تسجل بأحرف من نور في تاريخ عمان الحديث. وكل عام والوطن وجلالة السلطان المعظم بخير وسلام والشعب العماني في تطور ونماء.