موقع مجلس عمان من مسيرة النهضة العمانية

د.صلاح أبو نار –
جاء تأسيس مجلس عمان عام 1996 خطوة ضرورية في سياق الانتقال، من المرحلة التأسيسية للنهضة العمانية إلى مرحلة أخرى. سعت فيها الإرادة العمانية لاستكمال البنية المؤسسية للدولة، وتعميق التنمية الإنسانية، وإطلاق المبادرات الأهلية في مسار عملية البناء الوطني، وتعمين القوي العاملة، وتنويع البنية الاقتصادية.

ويمكننا أن نموضع تأسيس المجلس في سياق كل تلك الاتجاهات.يمثل المجلس في حد ذاته نقلة نوعية في عملية بناء مؤسسات الدولة، لكنه أيضا يشكل امتدادا عضويا لعملية تجذير التنمية الإنسانية، وصيغة مؤسسية لتنظيم وتقنين المبادرات الأهلية.ومن نفس المنظور التحليلي يمكننا اعتبار عمليتي تعمين القوي العاملة وتنويع البنية الاقتصادية، القاعدة المادية التي تمد بجذورها فيها.
تخبرنا التواريخ الأساسية داخل المدى الزمني القصير الذي يقع فيه إنشاء المجلس بالكثير من الدلالات.
في نوفمبر 1996 صدر النظام الأساسي للدولة الذي حدد في أبوابه الخمسة: المبادئ العامة لسياسة الدولة، وتكوين واختصاصات رئاسة الدولة، والقضاء، والحقوق والواجبات العامة.وأعلن الباب الخامس عن ميلاد مجلس عمان، إلا أن ميلاده الفعلي سابق على ذلك وتال عليه.ولد مجلس الشوري عمليا عام 1991، وعندما صدر النظام الأساسي للدولة كان في منتصف دورته الثانية.أما مجلس الدولة فلقد بدأت انطلاقته الفعلية بصدور المرسوم السلطاني رقم 86 لسنه 1997 بشأن مجلس عمان.
ومن حول واقعة إصدار النظام الأساسي للدولة سنجد تواريخ أخرى تشير لوقائع تؤسس لعملية الانتقال التي أشرنا إليها.
في 1986 تأسست جامعة السلطان قابوس، وفي 1990 تخرجت دفعتها الأولى، وفي عام 1994 تأسست وزارة التعليم العالي، وفي 1996 صدر مرسوم يسمح للقطاع الخاص بدخول مجال التعليم العالي.
وشهد عام 1993 خطوة تاريخية بالغة الأهمية: أول تعداد عماني عام للسكان.
وفي 1988 انطلقت سياسة التعمين، وفي 1995 انتهت الخطة الخمسية الرابعة، وفي 1996 انطلقت خطة «رؤية عمان 2020م» التي تخطط لمسار التنمية العمانية على امتداد ربع قرن.
تشكل التواريخ السابقة بوقائعها التاريخية المفصلية النتيجة الطبيعية لمسار التحولات العمانية في مرحلتها التأسيسية.
اتخذت تلك التحولات عدة مسارات أساسية، أطلقتها الدولة وأدارت مساراتها.بناء مؤسسات الدولة الجديدة على أسس المركزية والاندماج الإقليمي والتخصص المؤسسي.وتبني نموذج دولة للرعاية الاجتماعية على نحو قابل للاتساع وفقا لمدي وفرة الموارد، واتجاهات الطلب الاجتماعي.والتخطيط المركزي للتنمية الاقتصادية، وفقا لمفاهيم واستراتيجيات التنمية الإنسانية.
على مدى خطط التنمية الأربع الأولى المنتهية 1995 نما الناتج القومي الإجمالي بمعدل 10.5% سنويا، وتصاعد مقداره بنسبة 633% ، وارتفع نصيب الفرد منه بمعدل 11.6% سنويا.
وفي عام 1970 قدرت قيمة مؤشر التنمية الإنسانية العمانية بحوالي0.36، وقفز إلى 0.79 عام 2010، محققا حسب تقديرات الأمم المتحدة أسرع نمو في معدل التنمية الإنسانية في العالم، على مدى الأربعين عاما السابقة.
ولا يمكننا وعي ضخامة الإنجاز العماني إلا بإعادة المؤشر العام لمكوناته الفرعية.
في التعليم: ارتفعت نسبه معرفه القراءة والكتابة من 54.7% عام 1990 إلى 78% في 2005م، وفي 1969- 1970 كان عدد كل الطلاب 900 طالب كلهم ذكور ومركزون في 3 مدارس ابتدائية، وفي 2005 ارتفع العدد إلى 1046 مدرسة و568074 طالبا، وارتفعت نسبة الإناث إلى الذكور من صفر إلى 48% عام 2003م، كما قفز معدل التسجيل في المدارس الابتدائية إلى 86.1% عام 1990، ليصل إلى 103% عام 2005. وبدأ التعليم العالي بجامعة واحدة عام 1986، سبقها تأسيس أربعة معاهد عليا، وفي عام 2008-2009 أصبح العدد 57 مؤسسة تعليمية منها 8 جامعات.
وفي الصحة: ارتفع معدل توقعات الحياة لحظة الميلاد من 49.3 عاما في 1970، إلى 76.2 عام 2012م، وفي عام 1970 كان معدل وفاة الرضع لكل ألف 118، وانخفض إلى 9.5 عام 2012م، وفي العقد الأخير من القرن العشرين وصل معدل الإنفاق على القطاع الصحي إلى 5.5% من الإنفاق الحكومي.
وفيما يتصل بالمرأة: وصل عدد الإناث في كل أنواع ومراحل التعليم السابق على الجامعي إلى 348000 مقابل 359000 للذكور عام2012-2013م، وسينقلب هامش التفوق الذكوري الطفيف انقلابا حادا في التعليم العالي، حيث سيصل عدد الإناث بمؤسساته إلى 17016 عام 2011-2012، مقابل 11950 للذكور، وفي قوة العمل ارتفع نصيب المرأة من 18.4% عام 1990 إلى 30.1% عام 2012، وارتفع نصيب المرأة في عمل القطاع العام من31% عام 2001 إلى 42% عام 2009م، وتوازى مع ذلك تقدم النساء في المناصب القيادية.
في عام 1999 عينت أول سفيرة عمانية، وفي 2014 كلفت اثنتان من النساء بحقيبتين وزاريتين وثالثة بلا حقيبة، وفي 1995 كانت عضوية النساء في مجلس الدولة 9.8%، وأصبحت 17.9% عام 2011.
وأسفرت تلك القفزات التنموية عن تحولات اجتماعية عميقة، فلقد تكونت فئات اجتماعية وسطى واسعة وحديثة، وداخلها وأعلاها تبلورت جماعات تكنوقراطية متنوعة التخصصات، ونضجت حالة من العضوية الاجتماعية الحية، وتعمق معها الشعور بالذات الجماعية، وترسخت حالة الإجماع الوطني القديمة حول مشروع النهضة العماني، واكتسبت أبعادا جديدة تدفعها صوب الانتقال إلى موقع المشاركة المسؤولة، وكانت تلك التحولات بنتائجها الاجتماعية هي التي وضعها المشرع القدير في اعتباره عندما اطلق مسيرة مجلس عمان.
كان لمجلس عمان مقدماته التأسيسية خلال ذات المرحلة، ففي عام 1979 تأسس مجلس الزراعة والأسماك والصناعة، من 13 عضوا: 3 بحكم مناصبهم و9 يمثلون الأهالي بترشيح من الجهات الرسمية.وفي عام 1981 تأسس المجلس الاستشاري للدولة من 45 عضوا: 17 عضوا يمثلون الدولة، و28 يمثلون الأهالي منهم 17 يمثلون الولايات و11 القطاع الخاص، وكلهم من اختيار الدولة، وفي عام 1983 ارتفعت عضويته إلى 55: منهم18 ممثلا للدولة و12 لرجال الأعمال و25 للولايات.
ثم جاءت خطوة تأسيس مجلس الشوري عام 1991، وبعد خمس سنوات تأسس مجلس الدولة، وبميلادهما تكون مجلس عمان، وعلى مدى عقدين امتدا من 1991 إلى 2011 تبلورت السمات التكوينية والوظيفية لمجلس عمان. إذا نظرنا للسمات التكوينية للمجلس سنلاحظ سمتين: تتعلق الأولى بما ندعوه تكامل الاختصاصات حيث يعبر مجلس الشوري عبر الانتخاب العام والمباشر عن المصلحة الوطنية العامة عبر المشاركة والتنوع الجغرافي والتباين الاجتماعي، ويستكمل مجلس الدولة التعبير عن ذات المصلحة من خلال الخبرة، التي امتلكها الأعضاء عبر سنوات عملهم الطويلة ومواقعهم القيادية في مؤسسات الدولة والمجال الوطني العام.
وتتعلق السمة الثانية بالتوطد التدريجي للصفة التمثيلية لمجلس الشوري على امتداد دوراته من الثانية 1995-1997، إلى السابعة 2016- 2019م، والمنظور الانتخابي القانوني أنتقل من آلية التعيين عبر صيغ مركبة ومتطورة، إلى آلية الانتخاب العام الحر المباشر من الدورة الخامسة 2003م، ومن منظور دلالات الممارسة الانتخابية العملية ارتفع عدد المرشحين من 709 مرشحين و27 مرشحة في دورة 1997 إلى 1056 مرشحا و77 مرشحة في دورة 2011.
وارتفعت نسبة المصوتين من 65% من القاعدة الانتخابية في الدورة الخامسة إلى 76.6% في السابعة 2011م، ومن منظور حقوق العضوية منح العضو حصانة، من خلال تقنين إسقاط عضويته والطعن فيها، والنص على عدم جواز محاسبته على ما يبديه من آراء أمام المجلس، وعدم جواز محاسبته قانونيا وقضائيا إلا بإذن من المجلس.
تتوزع اختصاصات مجلس عمان بين ثلاث وظائف متكاملة، يمارسها عبر مجلسيه بذات درجة الاختصاص، مع ترجيح نسبي لمجلس الشوري.
عبر الوظيفة الأولى يشارك مجلس عمان مجلس الوزراء، في وضع ومراجعة: مشروعات خطط التنمية والموازنة العامة، ومشروعات الاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية.يجب على مجلس الوزراء إحالة خطط التنمية والموازنة إلى مجلس الشوري أولا لمناقشتها وإبداء الرأي، وهو الذي سيحيلها إلى مجلس الدولة لذات السبب، ثم سيعيدها إلى مجلس الوزراء مع ملاحظات المجلسين، وللأخير أن يأخذ بما يراه مناسبا ثم يخاطبهما شارحا أسباب موقفه، وفيما يتعلق بمشروعات الاتفاقيات، نص النظام الأساسي للدولة على إحالتها للمناقشة إلى مجلس الشوري.
وعبر وظيفته الثانية يمارس المجلس اختصاصا رقابيا، يبرز فيه دور الشوري بالمقارنة بمجلس الدولة. على جهاز الرقابة المالية والإدارية إرسال نسخة من تقريره السنوي للمجلسين.
وعلي وزراء الخدمات إرسال تقرير سنوي عن أعمال وزارتهم للشوري الذي من حقه دعوة أي منهم لتقديم بيان أمامه عن بعض أمور وزارته، ويجوز بناء على طلب 15 عضوا من الشورى استجواب أي وزير خدمات ورفع النتيجة إلى صاحب الجلالة.
تنتهج الوظيفة التشريعية التي تمثل نمط وظائف المجلس الثالث مسارين: حق مناقشة مشروعات القوانين، وحق اقتراح مشروعات القوانين.
فيما يتعلق بحق المناقشة يجب على مجلس الوزراء إحالة مشاريع القوانين إلى مجلس عمان لمناقشتها وتعديلها عبر غرفتيه، ثم يرفعها مباشرة إلى صاحب الجلالة، وينطبق ما سبق سواء على القوانين العادية أوالمستعجلة، مع الفارق في حدود فترة النقاش المتاحة.
وفيما يتعلق بحق اقتراح القوانين: يحق لمجلس عمان اقتراح مشروعات بقوانين وإحالتها إلى الحكومة؛ لتبحثها وتقترح تعديلاتها وتعيدها إليه؛ ليبحثها وينتهي إلى رأي بشأنها ثم يرفعها إلى صاحب الجلالة.