النزعات الفطرية .. رهانات خاسرة !!

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يقسو البعض منا على نفسه، فيلح عليها بالأسئلة الصادمة، خاصة عندما يرتكب في حق نفسه، أو حق الآخرين من حوله خطأ ما، ويرى في ذلك الخطأ أنه ارتكب فعلا إجراميا ما كان ينبغي له ان يرتكبه، أو يمارس مجموع حماقاته فيه إشباعا لرغبات ذاتية خاصة، ويتساءل مع نفسه، أهو أنسان شرير إلى هذه الدرجة، أم أنها درجة ضعف تمر به، كما تمر بغيره؟

وتراه يعاهد نفسه على أن لا يعود الى الفعل ذاته مرة أخرى، ويأتي موقف صادم آخر، ينسى تعهده الأول فيكرر الخطأ نفسه، وتعاوده الأسئلة ذاتها فتربك قناعاته؛ إن كان هو حقا ضمن قائمة الأشرار، ولكنه لا يريد أن يقنع نفسه بذلك، فهو في الجانب الآخر له أعمال كثيرة خيرة، ومباركة من قبل الآخرين من حوله، كما يرى ويقيم ذاته، إذن هو ليس شريرا بالمطلق، ولا هو خيرا بالمطلق، ويظل الإنسان تراوحه أفعاله هذه ما بين الخير والشر، والطاعة والعصيان، ويعيش حالات من السرور وأخرى من الأحزان، وتظل هذه الحالة قضية إنسانية خالصة، لا يشاركه فيها أحد من الكائنات الأخرى، التي غالبا تتحرك وفق غريزتها التي إن أشبعتها ظلت مسالمة، وإن جف هذا الشبع قليلا كشرت عن أنيابها حيث تلتهم كل ما حولها، ولا يؤنبها في ذلك ضمير، ولا تحكمها قيم؛ حيث تعيش حالتها الآنية.

وهذه الحالة التي يكون عليها الإنسان فقط، هي التي يصفها البعض بأنها فطرية المنشأ والمنطلق، ويرى فيها آخرون؛ أنها تعبير عن احتقان للنفس انعكاسا لعوامل بيئية مختلفة، وضغوطات اجتماعية عديدة، بينما يراها ثالث على أنها المحددة للجنس البشري عن غيره من الكائنات الحية، وهو الجنس المدعوم بالعقل المفكر، وبمجموعة المشاعر والعواطف التي ترخي مناخات حياته المختلفة الى الخير أو الى الشر، ويظل التقييم، حول هذه النزعات الفطرية المختلفة، مستمرا وفق هذه النظرة، لأنها إنسانية، والإنسان فيها هو الخصم والحكم.
يوصف الإنسان على أنه كائن معقد التركيب من نزعات الخير ومن نزعات الشر، وكل جانب من هذه الجوانب تتسع المساحة في توظيف مجموعات السلوكيات المعبرة عن حالتيه تلك، ولا ينفك عن أحدهما بالمطلق، وبذلك هو بسلوكه هذا «النقيض» يرتقي الى مرتبة الأنبياء، من حيث الإنسانية، في موقف، وفي موقف آخر ينزل الى منازل الشياطين المردة، وهو لا يزال في ثوب إنسانيته كصورة مكتملة البناء؛ هذه التناقضات التي يحملها، ويوظفها في الخير والشر بصورة مقصودة وليست عفوية، ولا تأتي ممارسات في سياقات الحياة «كيفما اتفق»، ومن هنا يأتي الحكم قاسيا في كثير من نتائج هذه السلوكيات، خاصة في جانبها السيئ، ذلك لأن الإنسان المتلقي بطبيعتها لا يلفت انتباهه العمل الخير، لأن الحياة كما يتصورها يجب أن تكون في هذه الزاوية الخيرة، أما الشر؛ فالجميع يستنكره، ولا يطيقون له مكانا، لأنه يعاند الفطرة ويصطدم مع صورة الخير المألوفة والمقبولة دائما، هذه قصة إنسانية معايشة منذ بدء الخليقة.
يأتي السؤال أكثر إلحاحا هنا عن السر الذي يجعل هذا الـ«شيطان» القابع في رؤوسنا أو نفوسنا يعيش حياته الخاملة طوال سنين، ومن ثم يظهر هكذا فجأة، حتى ليخال إليك، أن هذا الإنسان الذي قام بهذه الأفعال السيئة في لحظة ما، ليس هو ذلك الإنسان الذي تعرفه، والذي تربطك به معرفة طويلة من العشرة الممتدة، وتتزاحم بين جنباتك الأسئلة الحاضرة عن سر هذا التحول -الذي تراه مفاجئا- ولا تملك إلا ترديد عبارة: «سبحان الله مغير الأحوال» وتمضي في طريق العودة الى حيث ما كنت، مهللا ومكبرا، وموحدا، ومحوقلا، في الوقت الذي أنت نفسك على حالة صاحبك هذا، ولا يبعدك عن سلوكه إلا موقفا محفزا لتكون في مكانه، وسوف يراك الآخرون من حولك كما رأيت صاحبك قبل قليل، وسوف تقلقهم الأسئلة كل هؤلاء من حولك، كما أقلقتك أنت الأسئلة ذاتها قبل وقوعك في مأزق الاشتباك مع نزعاتك الفطرية قبل قليل.

يعول على الدين أنه الضابط الأكبر لكثير من هذه النزعات، لأن الدين الخالص من الله عز وجل خالق المخلوقات كلها، وبالتالي فإن لم يصل الدين الى كبح جماح هذا الإنسان في توظيف نزعاته المختلفة وتقنينها بما يتفق والحالة المقبولة عند الناس، فإن في ذلك خللا في التركيبة المعرفية لديه، وعليه أن يعيد ترتيب أوراقه المعرفية هذه، ومن هنا أيضا ينظر الى التراكم المعرفي كمحدد ثان لكبح جماح هذا الإنسان، ومن ثم تأتي مجموعة القيم الإنسانية؛ وما أكثرها؛ وتختم هذه الضوابط الحاكمة بالتشريع – في شقيه الشرعي والقانوني – كآخر الحلول التي توقف هذا الإنسان عند حده، كما يقال، «فآخر العلاج الكي» كما هو المثل العربي المعروف، ولكن من خلال قراءة الواقع يبدو أن الثلاثة الأولى: الدين، المعرفة، القيم، ليس لها ذلك القول الفصل في كبح جماح الإنسان وتوظيف سلوكياته نحو الخير المطلق، فلا تزال هذه النزعات تؤثر بين وقت وآخر حين تجد فيه المساحة مشرعة نحو فعل الشر، وتظل تمارس غواياتها الى حد الوصول الى مرحلة التبرير الذي، غالبا، يفصل بين الخير والشر، والحق والباطل، حيث لا خيار ثالث بعد ذلك، ولذلك ففي الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «تعافوا الحدود فيما بينكم قبل أن تأتونني» أو كما قيل، فيه دلالة قاطعة على أن ليس للتشريع إلا وجه واحد فقط، وهو الوجه الذي يعيد الأمور إلى أوجهها الصحيحة.
يقول الروائي حيدر حيدر في كتابه (أوراق المنفى- شهادات عن أحوال زماننا): «من أين ينبثق هذا الطاغية الصغير، القابع في رؤوسنا سرا، عندما نتربع على موقع سلطة: سلطة البيت، أو سلطة الوظيفة، أو سلطة الأب أو سلطة المدرس، أو سلطة الحزب؟» – انتهى النص – فهذا «هذا الطاغية الصغير» حسب تعبير حيدر حيدر، هو ذاته هذه النزعات المختبئة في النفس التي تتربص بالمواقف، وبالانفعالات، وبالتصادمات التي تحدث بين أي طرفين لتدخل كطرف ثالث غير مرئي في البداية، ولكنه يظهر شيطان متمرد، لو قدر له، سيقضي على الأخضر واليابس دون أدنى وخزة من ضمير، وعلى الرغم من أن الإنسان يستمرئ في لحظات ضعفه هذه الفعل السيئ نظرا لبعض نتائجه التي تسد شيئا من النقص الذي يعيشه الإنسان، إلا أنه سرعان ما يعود هذا الإنسان الى نزعة الخير التي بداخله، ويوقع نفسه في دائرة اللوم والعتاب الى حد القسوة، كما أسلفت فالذي يسرق، على سبيل المثال، يستعذب ما سرقه في تلك اللحظة، ويعلن مع نفسه أنه حقق انتصارا ما على الضائقة التي كان يعاني منها، ولكن لا يلبث طويلا حتى تعاوده النفس اللوامة، فتفسد عليه لحظات سعادته، لأن ما أخذه ليس على حق فيه، وهذا الشعور ينسحب على كل السلوكيات والممارسات التي يقوم بها الناس تلبية لرغباتهم النفسية في حالات الضعف.

وينطبق الفهم ذاته على المعنى الأكبر الذي يشير اليه الدكتور/‏‏ حسن مدن في مقاله الذي حمل عنوان: «الهويات بين التوغل والجرح» والمنشور في ملحق شرفات العدد (553)؛ جريدة عمان في 16/‏‏8/‏‏2016م، حيث يقول في جزء منها: «الهويات يجري ترشيدها بالخطاب العقلاني، وإشاعة المواطنة الحقة المتكافئة، ويجري دفعها نحو التطرف بسياسات واستراتيجيات التهميش والإقصاء وبناء الولاءات الفرعية وتغذية خطابات العنف اللفظي وغير اللفظي فلا يعود بوسعها الإصغاء لصوت العقل الذي يرشدها الى المهالك التي تجري عليها الأوهام التي يسوقها من له مصلحة في أن تظل الناس والمجتمعات منقسمة على نفسها»، فـ«دفعها نحو التطرف» هنا تستعر نار النزعات الفردية أو الجماعية لدى طائفة من الطوائف لتعلي صوت المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وعندما يأتي الدفع شديدا ومزلزلا، عندها يدرك البعض أنهم أوقعوا أنفسهم في وحل الخطيئة.