رسائل ترامب السياسية من وراء الإفراج عن الوثائق

د. عبدالعاطي محمد –

قبل أن يغزو الإنترنت بشبكاته المختلفة عالمنا المعاصر، كان الموقف الشائع في الغرب من الإفراج عن وثائق تتعلق بالأمن القومي، هو أن الإعلان عن الإفراج مرتبط بمرور سنوات بعينها بما لا يجعلها تشكل سرا مهما، وأنه يتصل بالماضي فقط ولا يمتد أثره على الحاضر، أي لا توجد أغراض سياسية من ورائه. ولكن بعد غزو الإنترنت يبدو أن هذا الموقف قد تغير من حيث عدم الالتزام بالمدى الزمني ووجود أغراض سياسية من وراء الإفراج عن هذه النوعية المهمة من المعلومات.

انكسرت القاعدة منذ تسريبات «ويكليكس» الشهيرة، وكذلك مع التوسع في المقصود بالأمن القومي بسبب التعقيدات التي طرأت على الصراع الدولي بتداخل عناصر عديدة فيه وتنوع آلياته ومصاعب حسمه، حتى أصبح ما لم يكن مشروعا في يوم من الأيام أمرا مشروعا!.
ولأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ابن عصره بحق، وهنا الكلمة لا تعني مدحا أو ذما في الرجل، ولكنها تعني أنه يتصرف وفق ما يعبر عن زمانه من تقاليد وما يتيحه من أدوات. فإنه لم ينظر لوثائق الأمن القومي الأمريكي بمقاييس من سبقوه حيث الالتزام بما هو سائد عرفا أو قانونا بالنسبة لزمن الكشف عنها، أو عدم تسخيرها لخدمة أغراض سياسية يريد تحقيقها في الحاضر ضد خصومه. وقد حدث ذلك في حالتين ظهرتا للملأ في وقت واحد تقريبا، هما الإفراج عن عدد جديد من وثائق عملية اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كيندي عام 1963 في مدينة دالاس بولاية تكساس، والوثائق التي كانت المخابرات الأمريكية قد صادرتها خلال عملية دهم مخبأ زعيم تنظيم القاعدة أسامه بن لادن في باكستان عام 2011 وانتهت بقتله. وإذا كانت الثانية حديثة زمنيا ثم يتأكد في حالتها الخروج عن التقاليد القديمة فيما يتعلق بالإفراج عن وثائق من هذا النوع، فإن الأولى، أي حالة اغتيال كيندي، قديمة ومضى عليها الزمن الذي يسمح بالإفراج عنها، ولكن هذا مردود عليه بأن هذه الوثائق نفسها لا يزال هناك جزء منها طي الكتمان وفق قرار ترامب نفسه، بما يعنى أن هناك انتقائية في قصة إثارتها مجددا قد تعكس أغراضا سياسية بعينها، وليست كما يفهم من كلام ترامب بأن الشعب الأمريكي يجب إحاطته علما بحقائق حادثة الاغتيال التي هزت أبناءه جميعا.
فبالنسبة لحالة الإفراج عن بعض جديد من وثائق اغتيال كيندي، أراد ترامب أن يفتح جبهة ضد خصومه من الديمقراطيين بل والجمهوريين يؤكد من خلالها أنه أكثر حرصا منهم على الديمقراطية الأمريكية. ومعلوم أن الرجل لا يزال يتعرض لانتقادات حادة تسيء إلى صورته في أذهان الرأي العام الأمريكي، وذلك على خلفية الاتهامات التي وجهت إليه بسبب ما أثير عن حملته الانتخابية وكونه لم يحترم التقاليد الديمقراطية. وامتدت الاتهامات لتشمل مواقفه المتشددة تجاه الأجانب والهجرة غير الشرعية فيما اعتبر من جانب خصومه ردة عن تقاليد الديمقراطية الأمريكية. والرئيس الأسبق كيندي من الحزب الديمقراطي، أي من الحزب المنافس للحزب الجمهوري الذي ينتمى له ترامب. وكان كيندي وجها لامعا يعبر عن القيم الأمريكية حتى أن كل من بيل كلينتون وباراك أوباما كانا ينظران إليه على أنه بالنسبة لهما هو بمثابة القدوة السياسية والأخلاقية. وهكذا عندما يفتح ترامب هذا الملف ويلح على الإفراج عن المزيد من الوثائق الخاصة به، فإنه يريد توصيل رسالة إلى الشعب الأمريكي بأنه شديد الحرص على القيم الديمقراطية الأمريكية، وما يروجه خصومة لا أساس له من الصحة. لا بأس من المزايدة السياسية باستغلال هذه الورقة طالما من شأنها تصحيح الصورة الذهنية عنه.
ومعلوم أيضا أن قضية مقتل كيندي شغلت عديد الكتاب والإعلاميين والسياسيين الأمريكيين على مدى زمني طويل وقتلت كلاما إذا جاز التعبير، كما أنها ألهمت السينما الأمريكية فظهرت أفلاما عدة بشأنها. ورغم كل ما قيل فإن الحقيقة لا تزال موضع جدل في أوساط الأمريكيين, وطالت أصابع الاتهام أطرافا مختلفة مثل الاتحاد السوفيتي سابقا وكوبا والاستخبارات الأمريكية ذاتها وكذلك نائب الرئيس آنذاك ليندون جونسون!. وإثارتها مجددا من جانب ترامب تثير جدلا هو في احتياج له ليصرف عن نفسه الحملات التي يتعرض لها داخليا. وحتى لو فتحت أذهان الأمريكيين مجددا على العداوة القديمة التي يحملها الروس لهم والكوبيون، فإن ذلك يعزز ما يقوله ترامب بأنه لم يستعن بروسيا في حملته الانتخابية، فلو كان الأمر كذلك ما فتح ملفا يثير الشبهات ضد الروس.
وأما حالة وثائق بن لادن، فإنها تؤكد إلى حد كبير كيف يجري استغلال معلومات مهمة في الحرب الدائرة بين الخصوم خروجا عن التقاليد القديمة في هذا الشأن. ووفقا لما تداولته وسائل الإعلام حتى الآن في هذا الموضوع، فقد أشارت بعض الوثائق إلى الربط بين القاعدة التي كان يتزعمها بن لادن وإيران، وإلى أن الرجل كان لا يزال يتوعد الولايات المتحدة بهجمات جديدة وذلك حتى قبل أربعة أيام من مقتله. هنا يفتح ترامب بابا آخرا في الصراع القائم بينه وبين خصومه الديمقراطيين. لقد دخل البيت الأبيض وهو عازم على إلغاء الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، واستغرق عدة أشهر في العمل على تحقيق هذا الهدف ولم ينجح لأن شركاء واشنطن من العواصم الغربية في توقيع هذا الاتفاق لم يوافقوه عليه، فبدأ في إخراج أوراق أخرى لعلها تؤدي لتحقيق هذا الهدف أو إعادة النظر في الاتفاق، ومن ذلك التحذيرات المتتالية من برنامج إيران بخصوص الصواريخ البالستية، ثم قرر أن يفتح خزينة المخابرات الأمريكية ليبحث فيها عن أمور تعزز موقفه التصادمي مع إيران وذلك من بوابة الاتهام بالتعاون مع القاعدة، وهو الاتهام الذي نفته إيران على كل حال. ورغم أن القاعدة لم يعد لها تأثير في الوقت الراهن، أراد ترامب من هذه البوابة أن يقول لخصومه الديمقراطيين الذين وقعت إدارتهم الاتفاق مع طهران، أنكم أجريتم اتفاقا مع طرف دولي يساعد القاعدة! فيما يعنيه ذلك من إحراج لهم أمام الرأي العام الأمريكي الذي يحمل ذكريات أليمة مع القاعدة بسبب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة. كما أراد توصيل رسالة إلى شركائه الأوروبيين بأنهم وقعوا في نفس الخطأ وعليهم التراجع أي الموافقة على موقفه المناهض للاتفاق، وإن لم يتراجعوا فعلى الأقل الاصطفاف معه في خطواته التي يكشف عنها الواحدة تلو الأخرى بالنسبة للملف الإيراني بعناصره وتعقيداته المختلفة. ومن جهة أخرى فإن واشنطن لا ترتاح بالطبع إلى العلاقة المتنامية بين موسكو وطهران، وكانت أحد مؤشراتها الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين لطهران في وقت تشهد فيه الأزمة السورية منعطفا حاسما لصالح استمرار نظام الأسد.
لا تقف نيات ترامب عند هذا فحسب، بل يمد استغلال هذه الوثائق، بغض النظر عن صحتها من عدمه، لما هو أبعد من المواجهة مع طهران تحديدا أي التحضير سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل لحرب جديدة على حزب الله اللبناني أو على لبنان ككل. ولم يعد خافيا أن إدارة ترامب وحكومة نتانياهو في إسرائيل تعلنان كل يوم عن صراعهما مع الحزب الذي هو جزء من صراعهما مع إيران. والإفراج عن هذه الوثائق في التوقيت الحالي تحديدا يدخل فيما يسمى بالحرب السيبرانية أي التي تستخدم الوسائل الجديدة في الصراع بين الخصوم عبر الإنترنت. وهي ليست حربا سرية بل علنية يمتلئ بها الفضاء الكوني كل يوم، وتشكل مؤشرا على الاستعداد لتصعيد الأزمات إلى حد شن الحروب. وارتباطا بذلك فإن المحاولات المستمرة من جانب ترامب للتصعيد مع إيران لا تنفصل عن توجهه العام بوضع الأمريكيين في حالة الخوف من تهديدات خارجية محتملة، مما يساعده على تمرير مواقفه المتشددة على الصعيد الخارجي لاستعادة الريادة الأمريكية للعالم بعد أن تراجعت أمام الدور الروسي.
الإفراج عن هذه النوعية من الوثائق سواء ما تعلق بحالة اغتيال كيندي أو ما صودر من وثائق خلال قتل بن لادن يصب في اتجاه صد الهجمات الداخلية التي يتعرض لها وتعزيز شعبيته بين الرأي العام الأمريكي التي اهتزت بفعل هذه الهجمات من ناحية والترويج لاستعادة دور خارجي بالعمل على إيجاد أدوات جديدة لاستمالة حلفاء واشنطن لما يراه من رؤى للتعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.