الشعبويون في شرق أوروبا يهددون وحدة الاتحاد الأوروبي

سمير عواد –
أثار فوز الملياردير «أندريه بابيش»، الذي كثيرا ما شبهوه بدونالد ترامب، في انتخابات جمهورية التشيك، وتشكيل حكومة ائتلافية فيها، قلقا واسعا لدى المسؤولين في المفوضية الأوروبية في بروكسل، الذين أصبحوا يخشون أن يتسبب تجمع الشعبويين اليمينيين في دول أوروبا الشرقية المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، إلى تعميق الهوة القائمة بين دول الاتحاد، وهم يعولون على النمسا لتقف إلى جانبهم وتدعم نهجهم، بعد تحولها إلى اليمين الأمر الذي أكدته نتائج الانتخابات الأخيرة.

في الفترة الأخيرة لم يكف روبرت فيكو، رئيس الحكومة السلوفاكية عن محاولته الإشارة إلى تطور إيجابي نوعا ما حول مستقبل الدول الأوروبية الشرقية المنتمية للاتحاد الأوروبي والتي تلقب منذ تنحيها عن المعسكر الاشتراكي، بالديمقراطيات الجديدة! وراح يصف هذه الدول بالجزيرة الموالية لأوروبا. ومنذ يوم الأحد نهاية أكتوبر المنصرم، أصبحت سلوفاكيا التي تعد آخر وأصغر عضو في مجموعة «فيزيجارد»، التي بنظر المراقبين جبهة تجمع الأوروبيين الشرقيين في الاتحاد الأوروبي لتحقيق مصالحهم. والملفت للنظر أن غالبية أنظمة هذه المجموعة يقودها شعبويون، مثل فكتور أوربان في المجر، وياروسلاف كاجينسكي في بولندا، والآن أندريه بابيش في التشيك إذا نجح في تشكيل حكومة ائتلافية هناك.
وبعد تحول النمسا إلى اليمين بعد فوز المحافظين بقيادة الشاب كريستيان كورتس من حزب الشعب النمساوي، وتفكيره بالتحالف مع حزب «الحرية» الشعبوي، تأمل دول مجموعة «فيزيجارد» بالحصول على حليف محسوب على «أوروبا الغربية»، خصوصا وأن هناك تقاربا في موقفهم مع النمسا حيال معارضتهم لتدفق اللاجئين إلى أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن وعد «كورتس» للناخبين النمساويين بالعمل بسياسة حازمة تجاه اللجوء، ساهمت إلى حد كبير في فوزه في الانتخابات العامة، حيث استطاع كسب تأييد الناخبين الذين كانوا بصدد انتخاب حزب «الحرية» ، لقناعتهم أنه قادر على وقف أفواج اللاجئين من المجيء إلى أوروبا.
من وجهة نظر الدول الأخرى التابعة للاتحاد الأوروبي، فإن هذا التطور يتم في وقت غير مناسب. فمنذ فترة وجيزة، مني الشعبويون في هولندا بهزيمة منكرة في الانتخابات البرلمانية ، والشعبويون في فرنسا خسروا السباق في انتخابات الرئاسة ، حيث منح فوز إيمانويل مكرون بخلافة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، المفوضية الأوروبية فرصة العمل بإصلاحات ، ومنذ وقت يتحدث مكرون حول مشروع «تحديث الاتحاد الأوروبي»، وفي ذهنه منع قيام جبهة أوروبية شرقية داخل الاتحاد الأوروبي، تعارض التوزيع العادل للاجئين على دول الاتحاد الأوروبي، والتعاون في المجال العسكري بشكل أقوى من السابق. بمعنى آخر، منع دول مجموعة «فيزيجارد» من تغيير مسار الاتحاد الأوروبي.
فمنذ فترة يلاحظ البروفيسور في العلوم السياسية في ميونيخ، «فيرنر فايدنفيلد» ، خروج دول «فيزيجارد» عن مبادئ الاتحاد الأوروبي ، وتضامنها مع بعضها البعض في العمل باستراتيجية بديلة ، هي أقرب إلى التحدي للمفوضية الأوروبية في بروكسيل . وأضاف أن فوز «بابيش» في الانتخابات البرلمانية في جمهورية التشيك ، ساهم في تعزيز إصرارهم على المضي باستراتيجيتهم، وتعزيز هدفهم بأن يشكلوا معارضة داخل الاتحاد الأوروبي، والتصويت معا ضد الدول الأعضاء الأخرى، وخاصة في مواجهة ألمانيا وفرنسا، ووضع حد لهيمنتهما على الاتحاد الأوروبي، وعرقلة جهودهما المشتركة لإصلاح أجهزة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. وإذا اضطر الأمر، بمساندة ائتلاف من «الدول الراغبة»، مما جعل الأوروبيين الشرقيين في الاتحاد الأوروبي يخشون انقسام الاتحاد الأوروبي على نحو تنشأ معه أغلبية بزعامة برلين وباريس. ويرى « فايدنفيلد»، الذي عمل مستشارا سياسيا للمستشار الألماني الراحل هيلموت كول، أنه لا خوف على الاتحاد الأوروبي من الانقسام إذا تمت الإصلاحات بنجاح.
لكن ليس بالإمكان تجاهل النزاعات الصعبة التي بدأت تنشأ في داخل الاتحاد الأوروبي، حول قضايا مثل احترام مبادئ الاتحاد الأوروبي والالتزام بقواعده . فالحكومة البولندية الجديدة قامت بسحب صلاحيات النظام القضائي، وهي خطوة مخالفة لمبادئ الاتحاد الأوروبي. وتتجاهل حكومة وارسو كافة قرارات المحكمة الأوروبية العليا. كما أن الوضع مماثل في المجر.
وبدأت تتعالى أصوات من ألمانيا وفرنسا ومن البرلمان الأوروبي ، ومن المفوضية الأوروبية، تطالب بفرض عقوبات مالية يتم استقطاعها من أموال الدعم، ضد الدول الأعضاء التي تخالف، أو لا تلتزم باحترام مبادئ الاتحاد الأوروبي ، ولا تقبل بقرارات المحكمة الأوروبية العليا. والمعروف أن بولندا والمجر من أكثر الدول الأعضاء التي تعتمد على أموال الدعم من الاتحاد الأوروبي وأن فرض غرامات مالية عليها سوف يُسبب لها أزمات اقتصادية بالتأكيد .
وبينما يتمسك «فايدنفيلد» بضرورة فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على معارضي مبادئه ، مثل دول «فيزيجارد»، حتى لا يفقد الاتحاد مصداقيته، فإن «إدوارد كوكان» ، وزير خارجية سلوفاكيا السابق وعضو البرلمان الأوروبي حاليا، يعارض ذلك بشدة، ويقول أن أموال الدعم الأوروبية ليست للعقاب، وأن حرمان الدول الأعضاء منها سوف يسبب لها مشكلات اقتصادية كبيرة.
فقبل فترة وجيزة هددت المحكمة الأوروبية العليا بخفض أموال الدعم على المجر وسلوفاكيا بسبب رفضهما استضافة نسبة معينة من اللاجئين. وقال رئيس الوزراء المجري «أوربان» أنه لا يرى أي سبب ليغير نهجه الرافض لاستضافة اللاجئين، ووصف أوروبا في كلمة ألقاها أخيرا بأنها «منطقة حرة من اللاجئين». كما وعد «بابيش» الناخبين في التشيك بمنع اللاجئين من دخول بلاده.
وعلى الرغم من أن دول مجموعة «فيزيجارد» ليس لها صوت مؤثر في الاتحاد الأوروبي، لكن قد يتغير الأمر بعد تشكيل «بابيش» حكومة شعبوية في جمهورية التشيك، وخاصة إذا أقنعت دول «فيزيجارد» الحكومة النمساوية الجديدة بتأييد نهجها، واحتمال إقناعها سلوفينيا وكرواتيا بالانضمام إليها.
غير أن المراقبين يعتقدون أن المستشار النمساوي القادم، «سيباستيان كورتس»، سوف ينهج سياسة موالية لأوروبا، رغم ائتلافه المحتمل مع حزب «الحرية» الشعبوي. ويرى المراقبون أن انزلاقه إلى اليمين في المرحلة الحاسمة من الانتخابات البرلمانية في النمسا، كان لهدف كسب أصوات الناخبين قبل توجههم لتأييد حزب «الحرية» الشعبوي، لكنه أصبح مجبرا على العمل بسياسة حازمة تجاه الهجرة، وإلا فإن الناخبين النمساويين لن يغفروا له عدم صراحته معهم ومخالفته وعوده الانتخابية، عندما يحين موعد الانتخابات القادمة .