لا تنطلي عليكم الحيل!!

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نكبر الجهد الذي تقوم به الهيئة العامة لحماية المستهلك، وندرك مستوى التحدي الذي تعيشه في ظل هذه الأساليب الملتوية التي يقدم عليه البعض في التعامل مع المستهلكين، ومع ذلك يبقى الحث قائما على البحث عن أدوات أكثر صرامة، وعن قوانين وأنظمة لا يستطيع هؤلاء المحتالون على نقود المستهلك النفاذ منها إلا في حدود ضيقة جدا، يورد آدم سميث الفيلسوف الأخلاقي وعالم الاقتصاد- حسب التعريف- في كتابه (ثروة الأمم) المقولة التالية: «يقال: إننا قلما نسمع عن اتحادات لأرباب العمل، مع أننا نسمع كثيرا عن اتحادات للعمال، ولكن كل من يتوهم أن أرباب العمل قلما يتوحدون بناء على هذه الأقوال فهو جاهل بما يجري في العالم، وجاهل بهذا الموضوع، أرباب العمل دوما وفي كل مكان متوحدون، في نوع من التوحد الصامت، إنما هو دائم وموحد، ولا يهدف مطلقا الى رفع أجور العمل». هذه الجملة على الرغم من قدم قائلها في القرن الثامن عشر الميلادي، ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين الميلادي، ومع ذلك لا تزال هذه الصورة ماثلة اليوم، وربما بصورة أكبر عما كان عليه الحال أيام آدم سميث، خاصة اليوم في ظل العولمة التي تجتاح دول العالم ومدنه، وتتقصى كل الأوراق التي تحمل مفهوما ما في الاقتصاد، وربط ذلك بالسياسة طبعا، خاصة عندما لا تكون هناك قوانين ضابطة لهذا الاستقصاء، أو الشمولية، التي تقضي على الأخضر واليابس، ولا تدع للفئات البسيطة والضعيفة إلا الفتات، حيث تسد رمق فقرها وضعفها وبساطتها من خلاله، وليس أكثر من ذلك، في وقت توجد فيها منظمات على مستوى عالمي، ومؤسسات على مستوى محلي، تدعو كلها الى الرأفة بالضعفاء، وحمايتهم من استغلال النفوس المتوحشة والنافذة بقوة المادة، وبقوة السلطة، وبقوة هذه الاتحادات التي تعمل في الظل، والتي يخصص لها «آدم سميث» في كتابه (ثروة الأمم) صفحات كثيرة، شارحا ومفصلا، ومعللا، والقضية هنا كما يبدو، متأصلة وتمارس علنا؛ حيث أدمنتها النفوس الرافضة لها، والمحتوية لها على حد سواء، ولا مخرج من عنق الزجاجة هذه، إلا بالقوانين الصارمة التي لا تهادن، ولا تحابي، ولا تجامل، لأن الإنسان هذه هي فطرته، الاستحواذ على ما في يد الآخرين، كلما كانت الفرصة متاحة لذلك، والواقع خير شاهد على ذلك بأمثلته الكثيرة، المتعددة والمتنوعة.
تربطني معرفة بأخ عزيز، وهي معرفة قديمة، رفعت من خلالها كثيرا من الكلف التي عادة ما تكون في العلاقات التي تربط بين الأصدقاء، رفع الكلفة هذا، أفضى الى كثير من تبادل الآراء، والأفكار، والمعرفة. والوقوف على كثير من التفاصيل العامة التي تهم الجميع، ولعلي أورد هنا صورة واحدة من هذه المكاشفات، فهذا الأخ قد اعتاد أن لا يشتري سلعة إلا بعد أن يستقصي أسعارها في محلات كثيرة، ولذلك عندما أريد أن أعرف حركة أسعار السلع، غالبا، اسأله، مع انه المبادر دائما لمثل هذه المواقف، حيث أصبحت أعرف من خلاله ثمة حقائق في هذا الجانب منها على سبيل المثال؛ لا الحصر.
أولا: ان فروقات الأسعار بين المحلات؛ فروقات بسيطة جدا، لا تغري أحدنا لأن يقطع مسافة أطول لأن هذه السلعة أرخص في المحل (ب) عن المحل (أ) فالمسألة بيسات لا تعوض لك جهد قطع المسافات الطويلة.
ثانيا: إن السلعة التي يقل ثمنها في هذا المحل عن المحل الآخر، يماثلها في المقابل سلعة مختلفة يقل ثمنها عن ثمن نفس السلعة في المحل الأول (أي هناك اتفاقات واضحة -على ما يبدو -بين أصحاب المحلات، فالأول ينزل سعر سلعة معينة، والآخر ينزل سعر سلعة أخرى مختلفة تماما عن الأولى، والاثنان يبقيان السلع الأخرى التي هي خارج العرض على أسعارها المبالغ فيها للتعويض عن ذلك التخفيض البسيط جدا.
ثالثا: هناك على ما يبدو، اتفاقات مبطنة بين أصحاب المحلات، وأعني بها المحلات الكبيرة «المولات» في تحديد أثمان كل السلع المعروضة فيها بلا استثناء، ويتوهم من يعتقد أن هناك منافسة حقيقية في هذا الجانب، وكل إعلانات «التنزيلات» التي ترفع أمام المحلات وعلى السلع من الداخل، تكون خاضعة لنسق هذه الاتفاقات المبطنة على الأرجح، لأنه من غير المعقول ان تعرض هذه المحلات نفس السلع من الألف إلى الياء، ومن ثم تتنافس فيما بينها، لتقوض أرباح بعضها بعضا، هذا منطق لا يقبله عقل إطلاقا، وبالتالي الضحية هناك المستهلك، الذي لا تكون أمامه الصورة واضحة ويعتقد جازما انه كسب رهان شراء سلع بأسعار مناسبة، بينما الحقيقة غير ذلك تماما والدليل أن نفس السلع التي تشترى من الدول الأخرى يكون فارق السعر فيها النصف أحيانا، وبعض السلع أكثر من النصف، فهل الآخرون يبيعون بخسارة من أجل المستهلك، هنا المفارقة تكمن.
رابعا: تبين لهذا الأخ، من أثر تردده وحرصه على استجلاء الحقائق الكامنة في هذه اللعبة الشرائية- إن تجوز التسمية- أن هناك مغالطة كبيرة في الأسعار المكتوبة على السلع، حيث تبين له، ومن خلال مواقف عدد من المتسوقين الذين كانت لهم مواجهات مباشرة مع المحاسبين، وهم الذين كانوا أكثر حرصا للتأكد من هذه المسألة، ان الأسعار المكتوبة على السلع، اقل مما هي عليه، عما هي في جهاز الصراف أو ما يعرف بـ «البار كود» حيث تكون الأسعار، غالبا، أعلى، ولأن الغالبية العظمى من المتسوقين، إلا ما ندر، لا يدققون في السعر الموجود على السلعة، وفي السعر المكتوب لاحقا على الفاتورة فيما بعد، وبذلك يدفعون بلا مناقشة ويذهبون. لأن هناك طابور طويل من الذين يقفون خلفهم ليسددوا نظير ما اشتروه من سلع، فوق أن الواحد يدفع أمامه عربة بها عشرات السلع التي تصل قيمتها الإجمالية مئات الريالات.
نعرف جيدا، بحكم الخبرة والتجربة، أن عملية البيع والشراء عملية معقدة جدا، ومن يحاول أن يتقصى أوراقها الكثيرة، فلن يخرج بنتائج مقنعة، ولكن مما يجدر ذكره في هذه المناقشة ايضا، أن هذه العملية المعقدة يتخللها الكثير من الاستحقاقات التي تخص المتسوق، والتي يكفلها له القانون، كما يفترض، والتي لا يلتزم بها البائع ومنها، كما أسلفت مسألة «التنزيلات» لأن السلع المعروضة للتنزيلات في محل ما، لو ذهب المتسوق للبحث عنها في محلات أخرى ليس بها تنزيلات؛ سيجدها بأسعار أقل، وإن وجدها حيانا بأسعار مساوية، فسيجد نوعيتها افضل، فوق ان هذه «التنزيلات» لا تكون في الغالب، إلا على السلع المقتربة نهاية صلاحيتها، وبعضها منتهية صلاحيتها أصلا، وإنما تظل «مدسوسة» هنا وهناك؛ حيث يستغفل بها المستهلك، مع اليقين أن أغلب المستهلكين عندما يذهبون الى السوق لا يحملون قوائم للسلع التي يريدون شرائها، وإنما يكون سلوكهم الشرائي عشوائي بصورة مطلقة، وهؤلاء هم الأكثر تعثرا في هذه الانزلاقات في شراء ما يودون وما لا يودون، وهم الذين اكثر انسياقا لمسألة التنزيلات، ظنا منهم أنهم قناصو فرص.
ومن ذلك أيضا ان كثيرا من السلع عليها أسعار (مفردة) مثل ريال و(83) بيسة، ف(3) بيسات، او البيستين، او السبع بيسات، هذه، في الغالب لا ترجع مع بقية النقود الورقية الى المشتري، وهناك – كما ألاحظ – شبه استغلال، وهناك من المتسوقين من تشعله «النخوة» فيرفض هذا المبلغ، الذي يظنه بسيط لا داعي له، ظنا منه أن ذلك سيكون في جيب المحاسب ولا يدري الأخ أنه ضاعف تكلفة ثمن شراء السلع التي اشتراها، فليتخيل أحدنا كم المتسوقين الذين يرتادون المحل في اليوم الواحد، وكم من هذه البيسات تبقى في رصيد هذا المحل او ذاك، لا شك انها مئات من الريالات يدفعها المتسوق بلا مقابل من سلع دون أن يدري في أغلب الأحيان، وكانه يدفع قيمة مضافة على السعر المحدد، وإدارة المحل – الذين يتبجحون بأنهم في خدمة الزبائن – هم الكاسبون.
نكبر الجهد الذي تقوم به الهيئة العامة لحماية المستهلك، وندرك مستوى التحدي الذي تعيشه في ظل هذه الأساليب الملتوية التي يقدم عليه البعض في التعامل مع المستهلكين، ومع ذلك يبقى الحث قائم على البحث عن أدوات أكثر صرامة، وعن قوانين وأنظمة لا يستطيع هؤلاء المحتالون على نقود المستهلك النفاذ منها إلا في حدود ضيقة جدا، لأن العنوان العريض لكل هؤلاء الذين سماهم سميث «أرباب العمل» هو الربح؛ والربح فقط، وليس هناك أي مكان للمسؤولية الاجتماعية التي يروج لها، مع الإقرار أن لكل قاعدة شواذ، وأن هناك من عندهم المساحة الإنسانية، ولكن يبقون قلة، وتأثيرهم قليل.