التوظيف الناجح.. بين التوعية والتنمية

بشير عبدالفتاح –

يتعين على الإعلام العربي توسيع الآفاق الفكرية ولفت انتباه الناس إلى القضايا العامة، ليحلّق في أفق أرحب يشمل المهام التثقيفية والتنويرية وصولا إلى مباشرة ما بات يعرف في أيامنا هذه بالدور التنموي  لأغراض تعريفية وتوعوية بحتة، عرف العالم الظاهرة الإعلامية قبل ما يزيد عن قرن ونصف القرن من تاريخ البشرية الحديث، وبمرور الزمن، وتتابع التغيرات وتواتر المستحدثات، تطورت العملية الإعلامية وتنوعت أدواتها واتسعت مآربها وتشعبت غاياتها، حتى تجاوزت وظائف الإعلام وأهدافه، حدود الدور التوعوي، ليحلّق في أفق أرحب يشمل المهام التثقيفية والتنويرية وصولًا إلى مباشرة ما بات يعرف في أيامنا هذه بالدور التنموي.
فبفضل ثورة الاتصالات والمعلومات التي تجلت في استخدام الأقمار الاصطناعية بمجالات الإعلام والاتصالات، تنامت أعداد المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية التلفزيونية وامتدت ساعات بثها لتستمر بشكل متواصل على مدار الساعة، ومع اندماج ثورة الاتصالات وثورة المعلومات وثورة الحاسب الآلي، ظهرت خدمات عديدة ومتنوعة لتلبية احتياجات البشر المتزايدة إلى المعرفة والمعلومات للأغراض العلمية والترفيهية، مثل الحاسبات والهواتف الشخصية المتنقلة والاتصالات الرقمية والألياف الضوئية، وما نتج عن ذلك كله من خدمات اتصالية جديدة مثل الفيديو تلكس والتليتكست والاتصال المباشر بقواعد البيانات وعقد المؤتمرات عن بعد عبر الفيديو كونفرانس، علاوة على بروز قنوات الاتصال الشخصي المتطورة كالبريد الإلكتروني فضلا عن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة التي تتضمن تطبيقات تكنولوجية حديثة تعتمد على الويب من أجل التواصل والتفاعل بين البشر عن طريق الرسائل الصوتية المسموعة، والرسائل المكتوبة، والرسائل المرئية، والتي من أشهرها: فيس بوك وتويتر ويوتيوب وفايبر وواتس أب وانستجرام وغيرها. وكان من شأن تلك الثورة الهائلة في مجال الإعلام والاتصال وتكنولوجيا المعلومات أن ألقت بظلالها على الظاهرة الإعلامية، سواء من حيث الأدوات والوسائل، أو من حيث الأهداف والمهام. فبعدما أضحى الإعلام حاضرًا في كافة التفاعلات البشرية، سلمًا وحربًا، لم يكن من المستغرب أن يصبح شريكًا في عملية التنمية الشاملة والمستدامة، بمختلف مراحلها وكافة مكوناتها، وذلك من خلال الاضطلاع بمهمة توعية الفرد بأهمية دوره في عملية تطوير مجتمعه وتنمية وطنه، وتلك أمور تحتاج إلى تنوير وتثقيف متصلين، كما تتطلب تعليمًا وتدريبًا مستمرين، ومن هنا برزت أهمية الإعلام بكافة صوره ووسائله المختلفة من أجل تعبئة الجماهير ذات المصلحة في التغيير والتنمية لتحقيق أهداف المجتمع الأساسية ومصالحه الجوهرية، حيث يقوم الإعلام بتهيئة الأجواء المناسبة لإنجاح الخطط التنموية، عبر تعزيز قدرات المواطنين من أجل المشاركة الإيجابية والفاعلة في عملية التنمية.
وتعود نشأة مفهوم «الإعلام التنموي» للمرة الأولى إلى العقد السابع من القرن الماضي، على يد الباحث ولبر شرام، الذي ألف كتابا في عام 1974، عن «وسائل الإعلام والتنمية»، عرّف من خلاله الإعلام التنموي بأنه فرع أساسي ومهم من فروع النشاط الإعلامي يهدف إلى إحداث التحول الاجتماعي باتجاه التطوير والتحديث، عبر توجيه كافة أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري داخل المجتمع بما يتفق مع تطلعات وغايات العملية التنموية ومصلحة المجتمع العليا، إضافة إلى إيجاد مواقف واتجاهات إيجابية وصديقة للتنمية، وبالتالي فإن الإعلام التنموي غير مسؤول عن صناعة التنمية على نحو مباشر، بقدر ما هو معني بتهيئة الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للأفراد والجماعات، عبر تحري الصدق والوضوح والصراحة في التعامل مع الجماهير، كيما يستجيبون للخطط والبرامج التنموية بشكل إيجابي ويتفاعلون معها على نحو بناء.
وبدوره، أولى المجتمع الدولي اهتمامًا بالغًا بالإعلام التنموي، ففي مسعى منها للفت انتباه الرأي العام العالمي إلى معوقات التنمية وتسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل تذليلها، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1972، يوم 24 أكتوبر من كل عام، يومًا عالميًا للإعلام التنموي حول العالم، وحرصت الجمعية العامة على أن يتوافق هذا اليوم العالمي مع تاريخ اليوم الذي اعتمدت فيه الاستراتيجية الإنمائية الدولية الثانية لعقد الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1970. ومنذ هذا التاريخ، بات الإعلام التنموي يشكل أملًا مستقبليًا على نطاق دولي، حيث شرعت المنظمات الدولية في التعويل عليه، خاصة الأمم المتحدة بكافة مكاتبها وفروعها وخاصة منظمة اليونسكو، في تسيير حملات التنمية عن بعد من خلال وسائل الاتصال، كما فتح الإعلام التنموي آفاقا أرحب في دعم وإنجاح جهود عملية التنمية، بمختلف مشاربها، خاصة التنمية السياسية، والتنمية البشرية المستدامة. وقد جسدت تجربة دولة الإكوادور بأمريكا الجنوبية نموذجًا لافتًا لدور الإعلام التنموي في إحداث تحول نوعي في مسيرة الشعوب نحو الاستقرار والتطور والتنمية.
ومن جانبه، لم يكن الإعلام العربي بمنأى عن هذه التطورات مجتمعة، فقد حرص، بفضل وعي حكامه واستعداد شعوبه، على أن يواكب تلك الثورات الاتصالية والتكنولوجية والمعلوماتية، وإن بشكل متفاوت ما بين الدول العربية وفقًا لإمكانات كل منها. غير أن مواكبة الإعلام العربي للثورة التي طالت أدوات وأساليب العمل الإعلامي، لا بد أن توازيها عملية أخرى تضمن مواكبة القائمين على أمر الإعلام في الدول العربية للتطورات التي اعترت وظائف الإعلام وأهدافه وأدواره.
بحيث تتسع مجالات عمل الإعلام العربي لتتجاوز نطاق التوعية والترفيه إلى التنوير والتثقيف وتهيئة الأفراد للاضطلاع بالأدوار المنوطة بهم على صعيد العمل التنموي . وبذلك، يكون الإعلام العربي قد بدأ يتلمس طرقه في الانتقال من مرحلة التوعية إلى حقبة التنمية، بحيث يغدو طرفًا فاعلًا في التصدي للتحديات والأزمات، والمشاركة في استكمال جهود النهضة والبناء، وإنجاح عملية التنمية المتواصلة والمستدامة.
وكيما يتسنى للإعلام العربي ممارسة ذلك الدور التنموي على الوجه الأكمل، يتعين عليه الاضطلاع بمجموعة من الوظائف والمهام، التي من أبرزها: ممارسة الرقابة والتوعية والإرشاد والتثقيف والإخبار من خلال نشر المعرفة التنموية بين أفراد المجتمع وتزويدهم بأكبر قدر ممكن من الحقائق والمعلومات الدقيقة عن التنمية وشروط نجاحها وكيفية إنفاق المال العام واختيار المعلومات بشكل دقيق وجذاب، وتشجيع الجمهور للقيام بدور فعال في تنمية مجتمعهم وتوعيتهم ليكونوا على إدراك متطور ووعي تام بمشكلاتهم، علاوة على استخدام أساليب مشوقة من أجل جذب كل شرائح المجتمع للتفاعل مع الوسائل الإعلامية والاطلاع على كل ما يخص القضايا التنموية، بما يساعد على إيجاد التواصل التنموي في أوساط المجتمع الواحد من جهة وبين الأجيال المتعاقبة من جهة أخرى، وذلك عبر نقل القيم الإيجابية من الأجيال الحالية إلى الأجيال القادمة من أجل تعزيز تواصل الأجيال وضمان استمرارية التراكم التنموي.
ولما كانت التنمية تتطلب قيمًا ومعايير ومعتقدات اجتماعية متجددة، يتعين على الإعلام العربي توسيع الآفاق الفكرية ولفت انتباه الناس إلى القضايا العامة، لا سيما وأن نظام الاتصال إنما هو بالأساس أداة للتغيير نحو نظام اجتماعي شامل. ويستوجب الأمر كذلك تعليم الناس المهارات والأساليب اللازمة التي تتطلبها عملية التنمية، وترسيخ التطورات الإيجابية في مجال التعليم، والاهتمام بالتربية جنبًا إلى جنب مع التطور الاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن التنمية عملية إنسانية حضارية ونسبية، إضافة إلى دعم التعليم والتدريب في المجال التنموي ونشر الأفكار الإبداعية البناءة، فضلًا عن بعث الطموح لدى الأفراد وحثهم على التطلع إلى حياة أفضل، والعمل من أجل إيجاد مناخ فكري يحفز الناس على التغيير والتطور.