« نوبل للسلام » .. وغياب « العدالة النووية»

عماد عريان –

فوز مجموعة »الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية» والمعروفة اختصارا باسم (آيكان) بجائزة نوبل للسلام لعام 2017 جاء في مرحلة دقيقة وخطيرة يمر بها العالم في الوقت الراهن، ومن حيث المبدأ ليست تلك المرة الأولى التي تفوز فيها منظمة دولية أو عالمية معنية بقضية التخلص من الأسلحة النووية بكل أبعادها بجائزة نوبل للسلام، فقد سبق أن فازت بها قبل سنوات قليلة الوكالة الدولية للطاقة النووية مناصفة مع مديرها العام محمد البرادعي تقديرا لدورهما في هذا المجال، ولعلنا نلحظ هذا الذكاء في الاسم المختصر للمجموعة (آي – كان) ويعني بالغة الإنجليزية (أستطيع) مما يعطي دفعة قوية للعمل وإحساسا بالتفاؤل بإمكانية الإنجاز.
مجموعة «الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية» هي في الأساس تحالف من عدد من المنظمات غير الحكومية المعروفة تأسست منذ عشر سنوات واتخذت من جنيف في سويسرا مقرا لها، واستهدفت جهود المجموعة في الفترة الماضية لفت الانتباه إلى العواقب الكارثية للأسلحة النووية، ومحاولة التوصل إلى معاهدة تقوم على حظر مثل هذه الأسلحة، وتنتمي المنظمات غير الحكومية التي تتكون منها المجموعة لأكثر من مائة دولة، ما يجعل تأثيرها بالغا في أنشطة التوعية والترويج للقضايا التي تختارها، وقد تحولت إلى «قوة محركة» في المبادرة الإنسانية التي أطلقتها عام 2015 للتوصل لاتفاق من أجل نزع السلاح النووي على مستوى العالم، وتوجت هذه الجهود بالفعل في يوليو الماضي بتبني أول معاهدة حول حظر الأسلحة النووية والتي صوتت لصالحها 122 دولة، لكن الدول التسع التي تمثل القوى النووية الكبرى على مستوى العالم، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة، لم توقع على الاتفاقية.
أما لماذا جاء الفوز بالجائزة في مرحلة دقيقة وخطيرة من تاريخ العالم؟ فذلك مرده للتطورات المخيفة التي يمر بها العالم حاليا فيما يتعلق بالأزمة الكورية الشمالية وبرامجها الصاروخية والنووية من جانب، وتهديدات الإدارة الجمهورية الأمريكية بزعامة ترامب بإلغاء الاتفاق النووي المهم (5 1) مع إيران، بينما هناك دول أخرى ترتع تحت مظلات نووية دون حسيب أو رقيب، وهو ما ظهر جليا في كلمات بيريت رايس أندرسون رئيسة اللجنة النرويجية المانحة للجائزة بأن المنظمة فازت لجهودها غير العادية التي استهدفت إبرام معاهدة تحظر استخدام الأسلحة النووية حيث نعيش في عالم يتزايد فيه خطر الأسلحة النووية أكثر من أي وقت مضى، على حد تأكيدها، وفي حين لم يتردد أعضاء الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية في الظهور وهم بأقنعة زعماء الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فقد دعت أندرسون الدول التي تمتلك أسلحة نووية إلى البدء في مفاوضات للقضاء على تلك الأسلحة تدريجيا.
في الوقت ذاته يؤكد تيم رايت، الفائز بالجائزة عن الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية، إن العالم يعاني من وجود نحو خمسة عشر ألف سلاح نووي في الوقت الحالي، ما يجعل حياة مئات الآلاف – وربما الملايين – من البشر عرضة للخطر حال نشوب حرب نووية محتملة، الأمر الذي يفرض على كل الدول التحرك نحو عالم خال من الأسلحة النووية، فضلا عن أن تهديدات باستخدام الأسلحة النووية بدأت تلوح بالأفق من جديد،على خلفية زيادة حدة التوتر في مناطق عدة حول العالم، خاصة أن أي حرب محتملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية، حتما ستؤدي لكارثة إنسانية تشمل وفاة مئات الآلاف من الأبرياء،وهذا ما يجب العمل على تجنبه، ومن هذا المنطلق تدعو الحملة حكومتي واشنطن وبيونج يانج إلى التحرك من أجل منع وقوع مثل هذه الكوارث بعدما عملت الحملة طيلة الشهور الماضية على إيصال أصوات كل متضرري التجارب النووية وضحاياها حول العالم إلى منتديات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
وتدرك الحملة جيدا وجود أسلحة نووية في كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والهند وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية وتعي أن إقناع هذه الدول بالتخلي عن تلك الأسلحة لن يكون بالأمر السهل, ولكن ذلك – وعلى حد تأكيد المسؤولين في الحملة – لا يقلل من شأن وأهمية خطوة معاهدة حظر الأسلحة النووية التي أطلقتها الأمم المتحدة – مع إدانة الصمت الدولي حيال الأسلحة النووية في إسرائيل،وامتناع الأخيرة عن الانضمام إلى معاهدة حظر ذلك النوع من الأسلحة، والسعي في الوقت ذاته لزيادة عدد الدول الداعمة للمعاهدة خلال المراحل المقبلة، حتى يتسنى تحقيق الهدف المتمثل في رؤية عالم خال من الأسلحة النووية، وهو طريق طويل ما زال في بدايته.
وقد يكون من المناسب في هذا السياق استعراض مضمون معاهدة حظر الأسلحة النووية المشار إليها والتي تم تناولها تحليليا في حينه فيما يشبه السبق في هذا المكان، ومن أبرز موادها المكونة من عشرين مادة إلزام كل دولة طرف بألا تقوم في أي ظرف من الظروف بتطوير أسلحة نووية أو أجهزة متفجرة نووية أخرى أو تجريبها، أو إنتاجها أو صنعها أو اقتنائها على نحو آخر، أو حيازتها أو تكديسها و الامتناع عن نقل أسلحة نووية أو أجهزة متفجرة نووية أخرى إلى أي جهة متلقية أيا كانت لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة، أو تلقي نقل الأسلحة النووية أو الأجهزة المتفجرة النووية الأخرى أو السيطرة عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك عدم استخدام الأسلحة النووية أو الأجهزة المتفجرة النووية الأخرى أو التهديد باستخدامها، والبعد عن مساعدة أو تشجيع أو حث أي جهة بأي طريقة على المشاركة في أي نشاط محظور على الدولة الطرف بموجب هذه المعاهدة، أو التماس أو تلقي أي مساعدة بأي طريقة كانت من أي جهة من أجل المشاركة في أي نشاط محظور على الدولة الطرف بموجب هذه المعاهدة، وعدم السماح بأي عملية لإقامة أي أسلحة نووية أو أجهزة متفجرة نووية أخرى أو نصبها أو نشرها في إقليمها أو في أي مكان مشمول بولايتها أو خاضع لسيطرتها.
ومن الطبيعي جدا أن يهنئ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية على الفوز بجائزة نوبل للسلام مشددا على ضرورة الوصول إلى عالم خال من تلك الأسلحة، باعتبار المنظمة الدولية راعية للمعاهدة الجديدة.
إلا أن أطرافا أخرى لم ترحب بهذه الخطوة مثل أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي حذر من أن معاهدة حظر الأسلحة النووية التي رعتها الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية «إيكان» قد تقوض التقدم الذي أحرز في مجال نزع السلاح (!!) وقال ينس شتولتنبرج «إن حلف الناتو ملتزم بالحفاظ على السلام وتهيئة الظروف لعالم خال من الأسلحة النووية»، مضيفا «ونحن نشاطر هذا الهدف مع إيكان، ونرحب بالاهتمام الذي توليه لجنة نوبل لهذه القضية، ومع ذلك، فإن اتفاقية حظر الأسلحة النووية لا تقربنا من هدف التوصل إلى عالم خال من الأسلحة النووية، بل إنها تقوض في الحقيقة ، التقدم الذي قطعناه على مر السنين في مجال نزع السلاح وعدم الانتشار».
ولاشك في أن التخلص من الأسلحة النووية التي تهدد العالم يمثل رغبة مخلصة لدى قوى ومنظمات دولية عديدة ولكنها في الغالب لا تملك الآليات أوالقوة الكافية لفرض كلمتها وتطلعاتها في هذا الشأن، ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد عاقل على كوكبنا الأرضي يرحب بالانفلات النووي والصاروخي في كوريا الشمالية والذي أخذ أشكالا متعددة على مدار الأشهر القليلة الماضية وغيرها من دول أخرى»مارقة»، ولكن من المهم قبل الإدانة أو الترحيب وقبل الرفض أو القبول، البحث في الأسباب والظروف التي أدت إلى هذا المأزق الكبير، والأهم أن تكون الرؤية استراتيجية شاملة وصولا إلى تصور متكامل لأسباب الأزمات، وحلولها في الوقت ذاته.
ولعل من الضروري في هذا المقام التطرق إلى ما يمكن تسميته بظاهرة غياب« الشمول النووي»، وتعكس أهمية الجهود الدولية المشتركة للتخلص من مخاطر وهواجس التسلح النووي، إلا أن هذا الهدف السامي لن يتحقق في الغالب إلا بإقامة «العدالة النووية» التي تجعل دول العالم كافة وبدون تفرقة سواسية أمام المعاهدات الدولية، فلابد من انصياع دول «النادي النووي» الكبرى لهذه المعاهدات وكذلك الدول الأخرى التي تغرد خارج السرب تماما ومنها كوريا الشمال وإسرائيل بكل تأكيد، وبدون ذلك ستظل المعاهدات الدولية في هذا الشأن مجرد توصيات أو «حبرا على ورق» كونها قرارات بلا آليات حقيقية للتنفيذ مثلما سبقت الإشارة في أكثر من مناسبة.