العفو والتسامح.. في ميزان الإسلام

جسر يوصل إلى محبة الله –
د. ناصر بن علي الندابي –
العفو والتسامح كلمتان رديفتان لهما وقع جميل على المسامع، وتقعان على القلب بردا وسلاما، وتضيفان على النفس البشرية راحة وسعادة أبدية، حياة التسامح حياة ملؤها الحب والوئام، تنبت مجتمعا متماسكا، وتأسس جيلا قادرا على العطاء قادرا على النماء قادرا على البناء قادرا على تحدي الصعاب قادرا على تأسيس دولة متماسكة لا يمكن للعدو اختراقها ولا للمغرض العيش فيها، فهي بيئة طاردة للمتغطرس منفّرة لكل من يرغب في الاتصاف بصفتي التكبر والاستعلاء، لأن شعارها الوحدة وهدفها الأسمى التسامح، وغايتها الكبرى غض الطرف عن كل هفوة وخطأ، فكل إنسان خطّاء وخير الخطائين التوابون . العفو والتسامح كلمتان رديفتان لهما وقع جميل على المسامع، وتقعان على القلب بردا وسلاما، وتضيفان على النفس البشرية راحة وسعادة أبدية، حياة التسامح حياة ملؤها الحب والوئام، تنبت مجتمعا متماسكا، وتأسس جيلا قادرا على العطاء قادرا على النماء قادرا على البناء قادرا على تحدي الصعاب قادرا على تأسيس دولة متماسكة لا يمكن للعدو اختراقها ولا للمغرض العيش فيها، فهي بيئة طاردة للمتغطرس منفّرة لكل من يرغب في الاتصاف بصفتي التكبر والاستعلاء، لأن شعارها الوحدة وهدفها الأسمى التسامح، وغايتها الكبرى غض الطرف عن كل هفوة وخطأ، فكل إنسان خطّاء وخير الخطائين التوابون . ديننا دين تسامح، ويحث على التسامح ويدعو إلى العفو عن الزلة، التسامح هو جسر يوصلك إلى محبة الله عز وجل، وهو بالتالي يوصلك إلى محبة البشر بكل أطيافهم وبكل أجناسهم وبكل اختلافاتهم، كان رسولنا وأسوتنا وقدوتنا متسامحا، محبوبا بين كل شرائح المجتمع أحبه الكافر قبل المسلم، ودخل جل الناس في الإسلام بسبب أخلاقه عليه السلام وعلى رأس تلك الأخلاق التسامح والتغاضي عن الزلة والهفوة، كان حبيبنا عليه السلام لا يلوم المخطئ ولكنه يبين له الصواب، ولا يقرّع صاحب الزلة ولكنه يوضح له الطريق المستقيم، لا يبعد المخطئ عن مجلسه بل يقرّبه ويدني مجلسه حين يعترف بخطئه فيتوب عنه فيتبع ما يمليه عليه حبيبه وهاديه.لا ريب أن مجتمعنا العماني قد ضرب أروع الأمثلة في هذا الجانب، وأصبحت عماننا ولله الحمد مضرب الأمثال ومهوى الأفئدة لكل من لسعته سياط الذلة والمهانة والتكبر والتغطرس في مجتمعه، ينظر إلينا ويهفو للعيش معنا، يسمع عنا ويتمنى أن يعيش ما تبقى من عمره معنا لأنه كره الاستبداد ونبذ الخصام والشقاق والنزاع، يرغب أن يعيش بأمن وسلام ومحبة وإخاء . وإننا ونحن نمر بفترة حرجة من تاريخنا وتاريخ العالم الإسلامي بصورة عامة والعربي بصورة خاصة فإننا بحاجة ماسة إلى تبني هذا الفكر والإيمان به والتمسك به أيما تمسك، فهو السد المنيع الذي يحمي المجتمع من أن تتسلل إليه الأفكار المغايرة والآراء المخالفة التي تصنع منه بيئة منفرة غير صالحة للعيش. يقول رب العزة والجلال «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» هكذا هي سنة الكون وهكذا أراد رب الكون أن نكون، لسنا جسدا واحدا ولسنا قلبا واحدا ولسنا شعورا واحدا ولنا نفس واحدة، كلنا مختلفين، نختلف في التوجه نختلف في الفكر، نختلف في الآراء ولكن هناك أمورا تجمعنا وأساليب تؤلف بيننا، «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» هكذا ينبغي أن نكون، أن نتصف بما ذكرته هذه الآية الكريمة، كلنا يغضب كلنا يخرج عن طوره، أمور كثيرة تجعل من الإنسان عرضة للخصام مع الآخر، والاختلاف معه في الرأي أو في الطريقة أو في الأسلوب، ولكن الخروج من هذا المأزق والسلامة منه هو تنفيذ المنهج الرباني، «والعافين عن الناس» إنه العفو الذي يرجع المياه إلى مجاريها ويعيد الإنسان إلى صوابه وينبهه إلى المسار الصحيح الذي ينبغي اتباعه. أخي المسلم لا تسمع لمن يقول لك يجب أن تثبت على رأيك يجب أن لا تتزعزع عن أفكارك، خاصم نازع جادل فأنت على صواب وما عداك مخطئ، نقول لمن يقول هذا: الاعتراف بالحق فضيلة والتسامح مع الآخر رفعة وكرامة، وتكون راقيا وحضاريا حين تسامح وتعفو وتحسن، فكم وكم من قصة عفو وتسامح تناقلتها الألسن ورواها جيل عن جيل، وأخذت قدوة وأسوة للجميع، وبقيت في الأذهان وستبقى مدى الأزمان، لأن رائحتها زكية وذكرها يزين المجالس ويبعث في النفس الراحة والسعادة، وكم من موقف غضب فيه صاحبه وانتقم لنفسه وأخذ حقه بيده نسيه الناس في حينه وإن ذكروه فمن باب التأسف والتذمر، ولم يبق إلا ألم نفسي في قلب صاحبه، يتضجر كلما ذكره ويندم كلما جاء على خاطره . إن الله عزو جل لا يأمر بشيء إلا وله خير كثير على الإنسان قد يعيه وقد لا يعرف الحكمة منه، وحين أمر الله عزو جل بالعفو فإنه حتما فيه خير كثير، وقد حث القرآن الكريم على العفو حين قال عز من قائل :«وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»، لقد أظهرت الدراسات الحديثة الجانب الصحي في التحلي بصفة العفو، فوجدوا أن الناس كثيرو العفو والصفح عن المخطئ لديهم أدمغة أكبر حجاما وأكثر فاعلية لأن العفو والتسامح يخففان من موت الخلايا العصبية، كما أن التسامح والعفو والصفح تزيد الجسم مناعة ضد الأمراض، وقد عقد العلماء عدة تجارب للبحث عن جوانب السعادة في حياة البشر فخلصوا إلى أن للتسامح دورا كبيرا في ذلك، فوجدوا أن المتسامح بعيد كل البعد عن أمراض القلب، فهو أقل انفعالا فلذلك تجد أن نبضات قلبه منتظمة، فهو بعيد عن أمراض الضغط والقلب، «إن نسيان موقف مزعج يوفر لك الكثير من المتاعب ويوفر لك الوقت الذي تفكر فيه في كيفية الانتقام ويوفر طاقة كبيرة من الدماغ، فالتفكير في الانتقام يسر عدوك لأنك ستكون انت الخاسر».ولا غرو إن جاء في الأثر: «إن العافية تسعة أعشار، كلها في التغافل» وما التغافل إلا باب من أبواب العفو وعدم الانتقام، وإهمال الخطأ وعدم الاكتراث بمن يحاول أن ينال منك بالكلام أو بالهمز واللمز، كما أن هذا الأسلوب هو سبب لبقاء المودة والإخاء، والتركيز على الخطأ والزلة يبعد الناس عنك ويكرهوا مصاحبتك، وقد أحسن أحد الشعراء في ذلك حين قال :

إذا كنت في كل الأمور معاتبا       صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
إن للعفو لذة لا يشعر بها إلا من يعرفها، وكم سيكون أجمل وأحلى عندما تعفو عمن تقدر عليه، وبيدك معاقبته، فمن ينظر إلى موقفك ظاهريا وبقلبه مرض، وقد تغلل في نفسه حب الانتقام والتشفي يشعر بأنك أنت الخسران ولا يعلم أن حلاوة العفو لا يشعر بها إلا من جرّبها.  فيا رب عز ساق للنفس ذلها و يا رب نفس بالتذلل عزت
وخلاصة الأمر خذ هذا عني واعمل به، اجعل للصلح حيزا في حياتك، وخذ طريق الانسحاب الإيجابي السلمي، ولا تنهي النزاع والجدال مع صاحبك بعاصفة تأتي على الأخضر واليابس فيصعب عليك الرجوع، كن معتدلا في إقبالك على من تحب وفي إدبارك.درّب نفسك وأدخلها في برامج عملية لتهذيب السلوك، وتعديل الأخطاء، واجعل من حسن الظن بالآخرين سلوكا لا ينفك عن شخصيتك وخلقا لا يغادر محياك، تقبّل ما يصدر عن إخوانك، أصدقائك، أقاربك، كل من حولك ولا تفتش في نواياهم فأنت لست مطالبا بما في القلوب فهو بيد علاّم الغيوب وهو المحاسب عليه لا أنت. اجعل من كتاب الله عز وجل وسيرة نبيه الرضي نبي الهدى والرحمة نبراسا تسير عليه، واتخذ من سيرة السلف الصالح الذين اتخذوا من العفو سراجا ينيرون به درب السالكين ومنهجا تسير عليه وطريقا لا تحيد عنه . وفي الختام كلمات أحببت أن أختم بها مقالي، هي تنبيه في عالم التسامح والعفو فانتبه أخي العزيز ولا تفهم من كلامي أن التسامح معناه الجبن وأن العفو معناه ضعف وخور، وتنازل عن مبادئ وحقوق شخصية لا يمكن الحيد عنها، ولكن أقول التسامح ينبغي أن يكون في حدود المعقول، كذلك لا يمكن أن تتسامح إلا بعلم، لكي تعلم ما يمكن التسامح فيه ومما لا يمكن المساس به، فتسلّح بالعلم والثقافة والفهم ثم تسامح مع المخالف لك في الفكر والرأي فإن ذلك لا يضيرك، فالثابت على المبادئ لا تضيره العاصفة إن مرت به.

 

يجلب المهابة والتمكين –
فوزي بن يونس بن حديد –
«اذهبوا فأنتم الطلقاء» ثلاث كلمات أحدثت تحوّلا جذريّا في العلاقات، وغيّرت وجه العالم آنذاك، لم يكن العرب ولا الروم ولا الفرس الذين نشأوا على الانتقام والثأر يعلمون أن هناك دينا أو شريعة يمكن أن تغيّر نظرتهم للحياة في التعامل مع الناس خاصة إذا كان من نتعامل معه عدوا، هذه الفلسفة التي أنشأها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ورسّخها واقعا لم تكن لتقع لولا فضل الله سبحانه وتعالى وقناعة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام أن العفو عند المقدرة هو قمة التسامح والصفح والخروج من الأزمة إذا اشتدّت وتعمّقت.

ولا شك أن العرب والروم والفرس وغيرهم من الناس الذين عانوا ظلمات الجهل والتخلف والأمية لا يعرفون لهذا التشريع طريقا، فكل همّهم وجلّ تفكيرهم منصبّ على القوة وفرض الأمر الواقع وبسط النفوذ وإذلال الآخر إذا حاول أن يعتدي أو يظلم أو يشوّش على طلعته وسمعته ورباطة جأشه، فالكل مستعد للقتال والانتقام والثأر لأنهم يعتبرون ذلك من الفحولة والرجولة والشجاعة، وأن من كانت تحدّثه نفسه بترك هذا الشعور خائف ومتردد ولا يمتلك المروءة ويرضى بالمذلة والمهانة، هذا الشعور صار فطريا توارثه جيل بعد جيل ولن يسمح أي جيل بأي اعتداء على جيل آخر بل كان لديه حبّ الانتقام والثأر وإذلال الآخر لذلك فإن الحروب لم تنته والقتال ظل متواصلا بين القبائل التي تتناحر لأجل شيء بسيط يكاد لا يذكر، وأيضا ربما كان بين الدول، وكل دولة تكيد للثانية وتخطط لإفنائها من الوجود.
ورغم وجود التكتلات إلا أن المصالح كانت هي الغالبة في العلاقات، فعدوّ عدوّي صديقي كما يقال، وقد أثبت التاريخ أن هذه المقولة صحيحة لأن المصالح هي التي تقود الدول وليست المبادئ، ومنطق الربح ولو على حساب الآخر لا الخسارة التي تشمل الجميع، بينما جاء الإسلام وقلب هذا المفهوم ليتبدّل كل شيء في الحياة وليغرس في أتباعه المبادئ أولا حتى لو انقضت جميع المصالح. ومن هنا كسب الإسلام قلوب العباد الضعفاء خاصة لأنهم يرون أنفسهم دائما هم الخاسرين وأن هذه المعادلة تحقق لهم المساواة بين الناس وترسّخ العدل بين الرعية، ولا يقاومها إلا أولئك الذين يتكبرون على الخلق لمال أو منصب أو جاه.
ومن عرف حقيقة الإسلام العظمى يدرك جيدا أن هذا الدين عظيم، إذ جاء يحث أتباعه على العفو والصفح والتسامح رغم المعاناة والأذى الذي تحملوه من الأعداء، بل إنه ضاعف لهم الثواب إن هم صبروا وتحمّلوا ولم يردوا السيئة بالسيئة، ووعدهم بجنات الخلد والفردوس العظيم لمن غلب شهوته وقضى على هواه وهوى الشيطان، فقد ذكرت كلمة العفو في القرآن الكريم في 35 موضعا منها قوله تعالى : «وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله» وقوله تبارك وتعالى: «إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا» وقوله أيضا: «الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» وغيرها من الآيات الكثيرة والمتنوعة التي تبين أن العفوّ اسم من أسماء الله الحسنى وهو يحب هذا الاسم ويحب من كان من عباده عفوا على عباده.
بينما ذكرت كلمة الصفح ومشتقاتها في ستة مواضع من القرآن الكريم، وهي في قوله تعالى في سورة البقرة : «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وقوله تعالى: «فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» أما الموضع الثالث ففي قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» ثم أيضا في قوله تبارك وتعالى : «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ويقول عز وجل في موضع خامس:«أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ» أما الموضع الأخير فهو قوله تعالى: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
أما التسامح وما اشتق منها فلم تذكر في القرآن الكريم وفي ذلك ربما دليل على أن التسامح مصدر يقتضي التفاعل والمشاركة لأن فعل تسامح على وزن تفاعل، فليس في التسامح هناك ضعيف وقوي وقاهر ومقهور وظالم ومظلوم، لأن هذه المصطلحات إنما تستلزم أفعال العفو والصفح، وفي القصة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها في بداية المقال ما يوحي أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان في موقف قوة حينما جاء مكة بينما العرب المشركون كانوا في موقف ذلة وصغار، وعندما رأوا أنهم خاسرون لا محالة طلبوا العفو والصفح فكان النبي المرسل رحمة للعالمين وترجمانا واقعا للتعامل الراقي مع الآخرين، أكسب ذلك مهابة للإسلام والمسلمين، ومنحهم العزة والكرامة والقوّة والتمكين، وحول قلوب المسلمين من التفكير في الانتقام والثأر إلى العفو والصفح رغم الأذى القديم، بينما يكون ويأتي التسامح بين فصيلين قويين لهما نفس الإمكانات المادية والمعنوية وجاء القرآن ليوضح لنا الفارق بينهما حينما قال في هذه الحالة: «وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ» فهما قوتان كل واحدة مستعدة لقتال الأخرى ولكن بيّن القرآن الكريم أن السلم هو الطريق الأقوم نحو نزع فتيل الحرب وحقن الدماء حتى لو كانا متساويين في القوة والضعف.
ولئن جاز لنا استعمال كلمة التسامح للتعبير عن عدم الإضرار بالآخر وتجاوز سيئاته فإننا نعني بها العفو والصفح كما جاءا في القرآن الكريم، لأن هذه الشيم تكسب المسلمين المهابة والعزة والكرامة إذا كانوا في مرحلة قوة وأنهم قادرون على إذلال العدو ومن تسبب في أذاهم بكافة السبل، وحتى على مستوى الفرد فإن العفو عمن ظلم يكسبه قوة معنوية كبيرة في نفسه وتجعل الآخر يفكر في طريقة تبعد عنه الشحناء والبغضاء التي سكنت قلبه وعمّرت عقله واستولت على تفكيره، ويفتح صفحة جديدة من النقاء الفكري والعمل الاجتماعي والتعاون الاقتصادي، والانتفاع بإيجابيات السلام والأمن والأمان، مما يفتح المجال للتناغم والانسجام والعمل سويا رغم اختلاف التوجهات الفكرية والعقدية من أجل إسعاد الآخرين، وبناء دولة لها أركانها المشيّدة وتحوي جميع أبنائها دون نزاعات ولا نستغرب من ذلك حينما نرى الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم منفتحة على الآخرين وبها يهود ومشركون ومسلمون يعيشون معا رغم الاختلاف في النوع والجنس والمعتقد، وكأنّ مبدأ المواطنة هو الذي جمعهم، لا مبدأ الدين ولو كان مبدأ الدين فقط فستعمل الدولة الإسلامية على طرد كل الناس غير المسلمين، وعلى هذا كان الخطاب الإلهي موجها للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، لتتحقق تلك النبوءة الإلهية على الأرض ولتبقى أصلا متأصلا ومتجذرا في الثقافة الإسلامية على المدى الطويل والبعيد.
ثقافة العفو والصفح هي ثقافة جاء بها الإسلام ولم يأت بها أحد غيره، تبناها المسلمون وعملوا على ترسيخها واقعا فحظوا بالمهابة والتمكين ولكن بمجرد أن ابتعدوا عن مسلكها واتخذوا سبلا أخرى هي أقرب إلى الجاهلية خفَت صوتهم وأصبحوا يعيشون ضعفاء في عالم شرس لا يعرف للضعيف مكانا، وكلما كانت هذه أحوالهم ازداد دور العدو في التربص بهم والنيل من مكانتهم، والانقضاض على كل هدف يحاولون تحقيقه، إنها المعادلة التي عمل عليها ديننا الحنيف والمحطة الباقية التي حطّ رحاله فيها معتبرا أن أي فعل يقوم به الإنسان تجاه الآخر ينبغي أن يقاس بمنظار التكامل والتأثر والتأثير دون إثارة للنقاط الخلافية التي يمكن أن تحدث صدعا في المجتمع ذي المكونات المختلفة والاتجاهات المتنوعة وهذا من شأنه أن يديم الدولة الإسلامية ويحقق لها الاستمرارية والبقاء.