تنشئة الأبناء على القيم الدينية والأعراف العمانية.. مسؤولية الآباء والمربين

رسالة إلى الوالدين: لابد من العناية بالغرس في فترة الصبا المتقدمة –
تحدث فضيلة الشيخ الداعية خالد بن سالم الخوالدي في محاضرة له تحت عنوان: «رسالة إلى الآباء والأمهات» عن المسؤولية العظيمة التي تقع على عاتق الآباء والمربين في تربية الأبناء وتنشئتهم التنشئة الدينية القائمة على نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وتنشئتهم على القيم والعادات والأعراف الموجودة في البلد التي لا تتصادم مع مبادئ الشرع الحنيف هي جزء من كياننا ومن هويتنا التي ينبغي أن نحافظ عليها.. حيث قال في مستهل هذه المحاضرة:

النشء هو عبارة عن جيل وهذا الجيل هو امتداد لأجيال سابقة يحمل المسؤولية ويتحمل الأمانة وينقل المعارف إلى أجيال لاحقة تتواصل به سلسلة الحياة في أي مجمع من المجتمعات وفي أي أمة من الأمم، فالنشء أمانة ائتمننا الله سبحانه وتعالى عليها ووجهنا للعناية بها والمحافظة عليها ووقايتها من كل ما يلحق بها الضرر قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، فالأولاد من ضمن الأمانات التي كلفنا الله تعالى بالمحافظة عليها ولا يجوز لواحد منا ان يقصر في ذلك وأمرنا جل وعلا ان نقي انفسنا وأولادنا ما يلحق بهم الضرر فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وبين صلى الله عليه وسلم ان الأبناء أمانة والأب والأم مسؤولون عن هذه الأمانة، فهم يتحملون الجانب الأكبر فيما يتعلق بالتنشئة وما يتعلق بالتوجيه وما يتعلق بالتأثير، صحيح ان هنالك بعض الجوانب أو بعض المؤثرات الخارجية لكن الجانب الأولى في التأثير والتنشئة إنما يعود إلى الأبوين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مبينا أثر الأبوين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» أو كما قال صلى الله عليه وسلم وبين عظيم المسؤولية وقال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولية عن رعيتها والعبد راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأضاف: إن هذه الأدلة مجتمعة تبين لنا خطورة الأمر وعظيم المسؤولية التي يقوم بها أو تقع على عاتق الآباء والأمهات، وهكذا أيضا تقع على من يقوم بجانب التربية، هذا هو الأصل، ان يحس المربون بمسؤوليتهم ويقوموا بواجبهم ولكننا حينما ننظر إلى واقعنا ننظر إلى واقع التربية في حياتنا نجد أننا ما زلنا نحمل الكثير من الأخطاء فيما يتعلق بهذا الجانب ونقع في الكثير من التقصير، لا نقول هذا الأمر انتقاصا من قدر أحد، ولا نقوله تحقيرا لدور احد ولكن نقوله حتى نقول صادقين مع انفسنا ونقوله حتى نضع الدواء على موضع الجرح، لأننا ان أغرقنا في مدح انفسنا وأغرقنا في الثناء على أعمالنا فإننا بذلك نكون مخادعين لنفوسنا ولا نجني ثمرة حقيقة وإنما نعيش في مغالطات لا يتبصر الواحد منا بخطأه ولا يعرف عيبه ولا يدرك نقطة ضعفه ولا يعرف قدر تقصيره فنحن بحاجة إلى النقد الهادف وبحاجة إلى التبصر الحقيقي بالواقع حتى نستطيع ان نفهمه فإذا ما فهمنا الواقع حقا فإننا بذل نستطيع ان نضع العلاج الناجح لهذا الواقع، نضع العلاج المناسب لكل حالة من الحالات، فلذلك فان الصبر على مضاضة النقد اهون من الصبر على فساد الثمرة.
وأشار إلى أن هنالك جزئيات عامة تندرج تحت كل منها عدد من الأخطاء التي يقع الناس فيها الجزئية الأولى تأخير مرحلة غرس القيم والمبادئ للطفل منذ الصغر وهي جزئية مهمة في هذه المرحلة ذلك لان هذا الطفل في فترة صباه يكون في مرحلة التلقي فالطفل في هذه المرحلة يكون خالي الذهن من أي تصورات وأي أفكار سابقة فهو على استعداد على التلقي والأخذ بصدر رحب وبقبول تام كما ان طبيعة الطفل فيها قابلة للتأثر والتشكل في هذه المرحلة فما يتعلمه ينطبع في سلوكه وفي أخلاقه وفي تصرفاته وفي أفكاره فيكون أعظم رسوخا، لأن هذه المرحلة هي مرحلة التلقي والتأديب والتعليم فكثير من الآباء والأمهات يؤخرون هذه المرحلة إلى سن السابعة، فما فوق، وهذا خطأ فسن السابعة ليس سن الغرس وإنما هذا السن هو مرحلة التطبيق العملي لما غرس من قبل، أما سن الرابعة والخامسة والسادسة فهي سن غرس القيم والمبادئ فلابد من العناية بالغرس في فترة الصبا المتقدمة وعلى الآباء ألا ينتظروا ذلك حتى دخول أبنائهم المدرسة فإذا ما انتقل الابن إلى سن السابعة يكون وليه مشرفا عليه يعلمه كيف يطبق المبادئ التي لقنه إياها.
وبيّن الخوالدي ان بعض الآباء حينما يصل أبناؤهم سن الرشد فيستقل الابن بنفسه وبمصاريفه وبعمله ونفقاته يتركه تركا تاما توجيها ونصيحة وإرشادا وعناية وشفقة ورعاية لمصالحه وهذا فيه تقصير فالصغير مهما يكن لا يستغني عن الكبير، صحيح لا نقول ان الأب يستحوذ على ابنه حتى يمسخ شخصيته ويجعله خاليا من أدنى قدرة على الاستقلالية، هذا خطأ لكن أيضا نقول لا يتركه تمام الترك بل ينصح ولو في مقام النصح، فلا يترك الأبناء بأنفسهم فيما يتعلق بهذا الجانب.. مشيرا إلى ان من الأخطاء التي يقع أيضا فيها الآباء والأمهات عدم تشخيص الطبيعة المرحلية للأبناء، فكما قلنا ان الطفل الصغير له طريقته في التعامل وإذا اصبح يافعا اصبح له منهج يناسبه فإذا ما اصبح شابا ثم رجلا اصبح هناك منهج خاص به فلا يمكن ان نخلط بين المراحل فنعامل الابن الذي بلغ مرحلة المراهقة مثلا بمنهجية الولد الصغير فيتعامل معه الولد بمنهج الأمر والنهي أو بمنهج الضرب مثلا فلا يقبل لأنه وصل إلى مرحلة يشعر فيها بالاعتداد بالذات فهذه المرحلة يناسبها منهجية أخرى هي منهجية الإقناع ومنهجية المصاحبة والملاطفة فلا ينبغي ان نخطئ في التعامل مع المراحل.
وقال: هناك جانب آخر ربما اغفلنا فيما يتعلق بجانب التنشئة وهو عدم حرص الآباء والأمهات على تنشئة الأبناء والبنات على القيم والعادات والأعراف الموجودة في البلد وهذا أراه من اعظم الأخطاء فإننا بحمد الله عندنا الكثير من القيم والعادات والأعراف الحميدة في هذا البلد، وهذه جزء من كياننا ومن هويتنا لا ينبغي ان نتنكر لها وليس لنا ان ننظر إليها نظرة احتقار بل علينا ان ننظر إليها نظرة اعتزاز وعلينا المحافظة عليها فإذا تنكرنا لها اصبحنا بلا هوية فتلك العادات والأعراف والتقاليد مادام الإسلام يقرها ولا تتصادم مع مبادئ الشرع فلابد ان نحافظ عليها فالابن لابد ان يُربى على القيم والعادات والتقاليد التي يحتاج الرجال إليها سواء كان في الملبس أو المشرب أو في المجالس أو في الأعراف السائدة في المناسبات سواء كان في مناسبات العزاء كيف يسلم على الحضور، وكيف يتعامل مع الضيف وغيرها من الأعراف الموجودة في البلد التي يجب ان تحترم. وهكذا البنت أيضا لابد من ان تتعلم وتحافظ على الأعراف والقيم المعتبرة شرعا وكثير من الأعراف الموجودة في بلادنا لا تتنافى مع أوامر الشرع بل لها اصل في السنة وفي الشرع.
وأشار إلى ان من الجوانب المهمة فيما يتعلق بالتنشئة الحرص على تنشئة الأطفال على حضور مجالس الكبار لا نقول الاختلاط بالكبار فهذا يحتاج إلى ضبط وبحاجة إلى تحديد ومراقبة لما في ذلك من مفاسد لو اهمل، لكن نقول حضور الابن إلى مجالس الكبار تحت إشراف الأب على ذلك هو امر مهم لأن مجالس الكبار المنضبطة التي ليس فيها سلبيات يتعلم الإنسان منها الكثير فهو يتعلق بالأخلاق والقيم والعادات ويتعلم فيها معارف كثيرة.