هل تشهد الصين فقاعة عقارية؟

التطــوير العقــاري جعــل الاقتصـــاد فـي موقف جيد، لكن هــل الطــلب مســــــتدام؟ –

توم هانكوك وجبراييل ويلداو  –
الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

جزيرة زهرة المحيط مشهدٌ للترف والفخامة على الطريقة الصينية. إنها أرخبيل (سلسلة) من الجزر الاصطناعية الصغيرة قبالة ساحل جزيرة هاينان المدارية في بحر الصين الجنوبي. عند اكتمالها، ستحظى زهرة المحيط بآلاف الشقق و28 متحفا و58 فندقا أحدها 7 نجوم وآخر في شكل قلعة أوروبية. وتتولى مركبات “ملاعب جولف” صغيرة ذهبية اللون من طراز مرسيدس نقلَ الزبائن المحتملين إلى مركز مبيعات المشروع الذي تقود أعمال البناء فيه شركة التطوير الصينية “ايفرجراند للعقارات.” جلس داخل المركز أحد هؤلاء الزبائن. إنه مالك شركة بناء يدعى يو (56 عاما.) كان الرجل يرتدي قميصا يحمل علامة “بيفرلي هل بولو” ويرشف كوبا من الشاي الأخضر. يو، الذي طلب عدم ذكر اسمه بالكامل، بدا حريصا على شراء شقة بمساحة 108 أمتار مربعة في إحدى جزر أرخبيل زهرة المحيط ليضيفها إلى مقتنياته العقارية الثماني بمناطق أخرى ويقول “من المؤكد أن هذه الشقة ستشهد ارتفاعا في قيمتها.”

الإسكان يسهم في تعافي الاقتصاد
عزز أداء الاقتصاد الصيني القوي مؤخرا موقف تشي جينبينج في مؤتمر نخبة الحزب الشيوعي الصيني في بيجينج هذا الشهر لاختيار كبار قادته. فهو يوشك أن يشهد أول تسارع في نموه على أساس سنوي منذ عام 2010. وكانت الصين قد ذكرت مؤخرا أن ناتجها المحلي الإجمالي زاد بنسبة 6.8% في الربع الثالث من هذا العام. إنها نسبة تزيد عن تلك التي تستهدفها بيجينج للعام كله. يعود هذا التعافي في جزء كبير منه إلى ثقة من يرغبون في شراء مساكن من أمثال يو، وكذلك إلى مشروعات مثل جزيرة زهرة المحيط. فقد نهضت مجددا أسعار المنازل ووتيرة الإنشاءات الجديدة من كبوتها في عام 2014-2015 مما عزز الاستثمار في قطاع الأعمال بمجمله وحرك الطلب على منتجات القطاع الصناعي الضخم في الصين. لقد ظل القطاع العقاري يقدم يد المساعدة في نمو الاقتصاد. فبتشجيع من الحكومة الصينية شكلت رهونات الإسكان حوالي 38 % من إجمالي القروض المصرفية الصادرة في فترة الـ12 شهرا المنتهية في أغسطس الماضي، بحسب البيانات الرسمية. ووفقا لتقديرات معهد إي هاوس شاينا للأبحاث العقارية اشترت الحكومات المحلية 18% من إجمالي المساحة السكنية المبنية التي بيعت في العام الماضي وذلك كجزء من مسعى منها لتوفير السكن بأسعار معقولة. نتج عن ذلك ازدهار قوي آخر في قطاع الإنشاءات. لم تُبْنَ روما في يوم واحد. ولكن بناء على إجمالي مساحة المساكن التي شيدت في العام الماضي، كانت الصين تبني ما يكافئ “روما جديدة “ كل 6 أسابيع تقريبا. ومع تصاعد الاستثمار الإسكاني، طرحت أسئلة حول احتمال تشكُّل فقاعة قابلة للانفجار في سوق العقار والنتائج التي يرجح أن تترتب عنها بالنسبة لعافية اقتصاد الصين في الأجل الطويل. يحذر بعض الاقتصاديين والمستثمرين من أن النمو في الأجل القصير في أثناء الازدهار الأخير في قطاع الإسكان جاء بمقابل هو تضخيم فقاعة عقارية سيسبب انفجارها في النهاية آلاما مبرحة. وحذر مُشَرِّع صيني كبير مؤخرا بعبارات فظة وغير معتادة بأن الاقتصاد تم “اختطافه” بواسطة العقارات. ويقول أندي شيا، وهو اقتصادي مستقل ومدير أصول كان قد حذر أيضا من حدوث فقاعة عقارية. الحكومة وراء استمرار الاستثمار في هذا القطاع. ففي العام الماضي كان المسئولون الحكوميون بحاجة إلى “تنشيط قطاع العقار كي يكون الاقتصاد في حال جيدة وقت انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي .” يقول شيا “ في الأجل القصير سيتحقق ذلك فقط إذا اعتقد الناس أن الحكومة ستحميهم.” لكن آخرين يصرون على أن المخاوف من الفقاعة مبالغ فيها. تبرر الأساسيات الاقتصادية، حسب وجهة النظر هذه، سخاء الاستثمار في الإسكان خصوصا في مدن الداخل التي لاتزال التنمية متخلفة فيها كثيرا مقارنة بالمناطق الساحلية الغنية. كما ينوه هؤلاء المراقبون المتفائلون بأن أسعار الشقق الصينية الباهظة تقتصر أساسا على المدن الكبيرة مثل بيجينج وشنغهاي. وعلى الرغم من أهمية سوق العقار في الصين إلا أن فهمه شكل تحديا للمستثمرين والخبراء الأجانب. لقد ظلت النبوءات الكارثية حول فقاعة العقار الإسكاني بالصين موضوعا أساسيا في تقارير الاستشارات الاقتصادية خلال العقد الماضي على الأقل. ففي عام 2010 وصف بليونير “البيع على المكشوف” جيمس شانوس سوق العقار في الصين بأنها “ دُبَي ألف مرة.” ولكن باستثناء مدن قليلة لم تشهد السوق سوى تصحيحات طفيفة فقط.
سوق العقار الصيني يساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي ويتحكم في اقتصادات بلدان أخرى
الرهانات عالية في هذا الجدل. فيمكن القول إن سوق العقار السكني في الصين يشكل أهم سوق أصول في العالم. فهو محرك لأسعار السلع العالمية ويصنع الفرق بين النمو والركود للبلدان المصدرة للموارد مثل استراليا والبرازيل. وبالنسبة للاقتصاد المحلي في الصين (أكبر اقتصاد في العالم على أساس تعادل القوة الشرائية) ساهم الاستثمار في العقار مباشرة بحوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016. وحين نضيف القطاعات الصناعية مثل الصلب والاسمنت والزجاج وقطاعات التجزئة مثل صناعة الأثاث والأدوات المنزلية سترتفع الحصة إلى 20% على الأقل. كما أن عافية النظام المصرفي في الصين وهو الآن الأكبر في العالم من حيث الأصول مرتبطة بقوة بمصير القطاع العقاري. فمشروعات التطوير العقاري مثل جزيرة زهرة المحيط يوظفها طرفا الجدل، كلٌّ لدعم وجهة نظره. فبالنسبة للبعض تجسِّد هذه المشروعات شطط السوق إذ يقولون أنها تغذي مضاربات الطلب في قطاع يشهد سلفا فائضا في العرض. فشركة ايفيرجراند من بين المطورين العقاريين الأكثر استدانة في السوق. ولكنها حتى الآن تحدَّت المتشككين. فمضاربو البيع على المكشوف الذين راهنوا على هبوط قيمة سهم الشركة في هونج كونج هذا العام خسروا رهانهم بعد أن ارتفع سعره بحوالي ستة أضعاف. وصار رئيس مجلس إدارة مجموعة ايفيرجراند شو جيايين أغنى رجل في الصين هذا العام بحسب قائمة الأثرياء الصادرة عن مركز هورون للأبحاث. يقول لاري هو، خبير الصين بشركة ماكواريز سيكيوريتي في هونج كونج،” لانخطىء أبدا إذا شعرنا بالقلق من سوق العقار السكني في الصين. ولكن من المثير أن نفهم لماذا صار قطاع المساكن مثلث برمودة (الذي يبتلع توقعات) خبراء الاقتصاد. (مثلث برمودة منطقة في الجزء الغربي من المحيط الأطلسي يقال إن عددا من السفن والطائرات اختفت فيها- المترجم.) فعدد كبير من الأذكياء أطلقوا نبوءات خاطئة حول هذه السوق.”
المضارب هو من يحرك السوق وليس الباحث عن مسكن
يستند الزعم الرئيسي بشأن هبوط قيمة أصول سوق العقار الإسكاني على فكرة أن الصين بعد 15 عاما من ازدهار البناء أكملت تشييد كل المساكن التي تحتاج إليها لمقابلة الطلب الأساسي.” وبناءا على وجهة النظر هذه فإن من يحرك السوق الآن هم المستثمرون الذين يضاربون على مكاسب ارتفاع الأسعار وليس العائلات التي تبحث عن مأوى. يقول نينج زو الأستاذ بمعهد شنغهاي العالي للدراسات المالية ومؤلف كتاب “ فقاعة الصين المضمونة” أن الناس “يشترون العقار ليس لأنهم يحبون العقار ولكن لأن الأسعار تشهد ارتفاعا.” فما يدفعهم إلى ذلك هو “ الهلع من أنهم إذا لم يشتروا الآن لن يكون في مقدورهم أبدا الشراء في المستقبل.” وما يشكل لب هذه السردية فكرة “ مدن الأشباح” أو البنايات الكثيرة الخالية التي لم يتحقق الطلب المتوقع عليها. أكثر الأمثلة تطرفا لذلك مدينة أوردوس في مونغوليا حيث تنتصب مئات البنايات الشاهقة التي ظلت شاغرة لأعوام ولكن الآن يتم شغلها ببطء. ففي منتصف العشرية الأولى من هذا القرن دعم ارتفاع أسعار الفحم حركة البناء هناك. ولكن حين تباطأ النمو وتدهورت أسعار الفحم دخلت المدينة في أزمة. وفي حي ناطحات السحاب “يوجيويابو” بمدينة تيانجين الذي يوصف بأنه “ وول ستريت شمال الصين” لا تزال البنايات التجارية خالية إلى حد كبير. لقد كرر شي جيبنيج في خطابه في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب الشيوعي هذا الشهر “لازمته” التي يرددها دائما وهي أن “المساكن للسكن وليس للمضاربة.” رغما عن ذلك تشير الأدلة حتى في المدن الكبرى إلى وجود عدد كبير من الشقق الخالية التي يحتفظ بها لأغراض الاستثمار. فقد وجد مسح أجرته خدمة أبحاث الفايننشال تايمز “كونفيدينشال ريسيرش” أن 32% من العائلات تمتلك مسكنا واحدا خاليا على الأقل. وما يقدر بحوالي 50 مليون مسكن أو 22% من إجمالي المساكن الحضرية لم تكن مأهولة في عام 2013، بحسب أحدث بيانات صدرت عن المسح المالي للعائلات في الصين الذي قاده لي جان أستاذ الاقتصاد بجامعة تكساس أي آند أم. تقول ديانا شويليفا، الخبيرة بشركة الأبحاث اينودو إيكونوميكس المستقلة والمتخصصة في الصين ومقرها لندن،” حين ندرس العلاقة بين الطلب على السكن والطلب على الثلاجات والأجهزة المنزلية الأخرى سنجد أنها قد انفصمت حقا في العامين الأخيرين. لذلك سأقول إن هدف الطلب على المساكن هو الاستثمار.”
سعة إسكانية فائضة لـ 300 مليون شخص في المدن
كما عبَّر قادة مال وأعمال مرموقون عن مخاوفهم من الفقاعة. يعتقد ليفن زو، وهو ابن رئيس الوزراء السابق زو رونجي ورئيس تنفيذي سابق لبنك الاستثمار العالمي الصيني “المؤسسة الصينية لرأس المال العالمي”، أن كل المباني السكنية الجديدة هي بالضرورة فائض في العرض. وكان رونجي قد شرح ذلك خلال ندوة في يونيو بقوله إننا “ إذا أضفنا أعداد المساكن المشيدة في كل عام إلى إجمالي المساحة السكنية المبنية في الصين سنجد أنها يمكنها أن تأوي بليون شخص بمعدل 30 مترا مربعا للشخص الواحد، حسب مكتب الإحصاءات. واذا حسبنا عدد السكان حتى في المدن الصغيرة سنجد أن مجموع عدد سكان المدن بالصين يبلغ 700 بليون نسمة فقط. وهذا يعني وجود مساحة إسكانية فائضة يمكنها إيواء 300 مليون شخص إضافي. “ ما يدعم أكثر النظرة المتشائمة حول مستقبل العقار الاعتقاد باضمحلال الطلب الأساسي للمساكن الجديدة. لقد كان التحول الاستثنائي الذي شهده اقتصاد الصين خلال الأربعين سنة الفائتة مدفوعا بهجرة الفلاحين إلى المدن. ولكن عملية الانتقال الى المدن تتباطأ الآن حيث تبقَّت قلة قليلة نسبيا من الشبان في الريف. فقد ارتفع عدد العمال المهاجرين الذين يقيمون خارج محافظاتهم بحوالي 12 مليون عامل خلال فترة الخمسة سنوات المنتهية في يونيو من هذا العام مقارنة بزيادة بلغت 26 مليون عامل مهاجر في الأعوام الخمسة السابقة لشهر يونيو 2102، وفقا للبيانات الرسمية. يقول شيا “إذا ذهبت إلى القرى لن تجد شبانا أو أشخاصا متوسطي العمر هناك. إذن من أين ستأتي الموجة التالية من الهجرة إلى المدن!”يبدو هذا القلق الجديد حول سوق العقار مألوفا لأولئك الذين ظلوا يراقبون اقتصاد الصين منذ فترة طويلة. فبعد عامين من تدني الأسعار وضعف المبيعات حذر المحللون في أوائل عام 2016 من أن بعض المدن الصغيرة توجد بها مساكن تكفي لمقابلة الطلب لعدة أعوام. ولكن رغما عن ذلك كان “المعروض” من المساكن في 80 مدينة عند أدنى مستوياته خلال ما يقرب من خمسة أعوام في أغسطس، بحسب رصد معهد أبحاث الصين إي هاوس،. يقول شوانج دينج، رئيس الأبحاث الاقتصادية حول الصين الكبرى بمصرف ستاندارد شارترد في هونج كونج، يمكن أن يدعم الطلب الأساسي في المستقبل على المنازل بناء مساحة سكنية تصل في إجماليها إلى 6 بلايين متر مربع وذلك حتى عام 2021 . يعني هذا ضمنا نموا في حجم العقارات السكنية بنسبة 5% سنويا. وسيكون مثل هذا المعدل أقل بنسبة كبيرة من سنوات الازدهار في منتصف العشرية الأولي حين شهد إجمالي الاستثمار العقاري نموا سنويا بنسبة 25% في المتوسط. لكنه سيحل “بردا وسلاما” على الرئيس الصيني وأعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي.
إجماع على استبعاد الانهيار الفوري
ويبدو أن من تصوروا وجود ارتفاع غير معقول في أسعار المساكن تأثروا أكثر مما ينبغي باتجاه الأسعار في مدن الدرجة الأولى (بيجينج وشنغهاي وشينزين.) فهذه المدن الثلاثة جميعها مصنفة من بين أغلى مدن العالم قياسا بنسبة السعر إلى الدخل. فمن بين الـ70 مدينة التي غطاها المسح الحكومي شهدت 12 منها هبوطا في الأسعار في فترة الأعوام الثلاثة المنتهية في أغسطس هذا العام. وفي 29 مدينة أخرى ارتفعت الأسعار بأقل من 10% خلال نفس الفترة. وفي الأثناء زاد الدخل الوسطي المتاح للفرد بنسبة 28% في نفس الفترة تقريبا. (الدخل الوسطي بين أعلى وأقل دخل- المترجم.) وعلى الرغم من دواعي القلق الشديد حول مديونية الشركات الصينية إلا أن اقتراض العائلات يظل منخفضا بالمقاييس العالمية عند نسبة 37% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 79% في الولايات المتحدة و59% في منطقة اليورو، وفقا لأرقام بنك التسويات الدولية. والذين يشترون مساكنا في الصين يستخدمون في ذلك دينا أقل وحقوق ملكية أكثر مقارنة بنظرائهم الأمريكيين. وكان متوسط “المقدم المدفوع” في الرهونات العقارية الصينية حوالي 40% عام 2016 . لكن رغم الخلافات بين جانبي الجدل إلا أنهما يتفقان تقريبا على استبعاد حدوث انهيار فوري في سوق العقار السكني.
خيارات قليلة لاستثمار المدخرات
لدى المدخرين الصينيين خيارات قليلة لاستثمار أموالهم. فسوق الأسهم متقلبة. والعائدات على الإيداعات المصرفية شحيحة. كما تمنع ضوابط الصرف الأجنبي العائلات إلى حد كبير من شراء أصول أجنبية. لذلك فالاستثمار في المساكن هو الخيار الأقل سوءا بالنسبة لمستثمرين عديدين. فضوابط رأس المال إلى جانب التحفيز النقدي الذي امتد على مدي أعوام يضمنان استثمار الأموال النقدية المحتبسة (غير المحولة إلى الخارج ) في مختلف فئات الأصول (الأسهم والسندات وحقوق الملكية.) وهي توجد بذلك أوضاعا أشبه بالفقاعة إما تشجع الحكومة على استدامتها أو تصارع لاحتوائها. ولكن بالنظر إلى الآلام التي ستنتج عن التحول الفجائي في السياسات يتوقع المحللون على نطاق واسع أن تواصل بيجينج سياستها الحالية بتشديد الضوابط حين تحتدم حرارة السوق ومدها بالسيولة حين تخمد حدتها فجأة. يقول نينج إن الحكومة “ تفقد صدقيتها حقا .” فالجميع يدركون في اللحظة الراهنة “ أنها لا تنوي حقا اتخاذ إجراءات حازمة ضد سوق العقار.”