ملعب منظم

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

لا يمكن الحديث عن اقتصاد حر بدون نظم رقابية قوية . ان واحدا من اخطر الأخطاء الاقتصادية في أمتنا في العقود الماضية ، أنها انتقلت الى الاقتصاد المفتوح ، دون ان تأخذ بضوابطه . من اجل ذلك كان الراحل العظيم احمد بهاء الدين قد اطلق على الانفتاح الاقتصادي الذي حدث في مصر 1974، اسم « انفتاح السداح مداح».
الليبراليون انفسهم ، أو أنصار السوق الحر،  يقولون ان دور الدولة في اقتصاد السوق هو أقوى واهم من دورها في الاقتصاد المخطط أو الشمولي. ويزيدون بأن الدولة يجب ان تكون رقيبا ومنظما ولا تدخل  في إنتاج السلع والخدمات ، لأنها غالبا أو دائما ما تفشل كصانع أو زارع أو تاجر. الطريف ان أحدا منهم لم يوضح لنا أبدا كيف ستصبح دولة رقيبا ومنظما قويا من رحم دولة أدارت هي نفسها بفشل ، الإنتاج والتوزيع؟ . إنني اعتقد ان من يدير بنجاح هو اكثر من يمكن ين يراقب بنجاح. لكن في كل الحالات دعونا نتفق على نهج الأسواق المفتوحة والاقتصاديات الحرة هو السائد في العالم حاليا وفي منطقتنا أيضا ، ولذلك من الضروري ان نلعب تلك اللعبة بقواعدها ونظمها ، بغض النظر عن الاختلافات الايديولوجية التي لن تنتهي حول النماذج الاقتصادية في العالم .  لقد كان مثيرا للعجب ان نفتح الاقتصاد ، أو نفتح الملعب الاقتصادي ، ويدخل الجمهور ، وينزل اللاعبون والحكم ومعه الكرة التي سيتم اللعب بها ، ثم فجأة ، وفي توقيت بدء المباراة ، أو بعد قليل ومع شيء من – أو كثير من –  الفوضي حتمية الحدوث بعد الدقائق الأولى،  يكتشف الجميع انهم نسوا وضع قواعد اللعبة، حتي يكون أطراف اللعبة ومتابعوها، على بينة ، من وقت المباراة أسس احتساب وقت إضافي وضربات جزاء، أو رميات جانبية، أو احتساب أخطاء بحق الخصم ..الخ .
كان هذا – والي أبعد حد – حالنا مع الانفتاح الاقتصادي ، وقد دفعت بلادنا ثمنا باهظا لهذا الخطأ الجوهري ، وأهدرت موارد بلا حدود ، وأثارت غضب جماهير واسعة ، بسبب فوضى الأسواق والأسعار والفرص ، وسمحت بقصد أو بدون لفئات قليلة ان تصنع ثروات طائلة بلا جهد ، ولا إسهام إنتاجي ولا ابتكار ولا ابدع. واخطر من ذلك ان الحكومات جعلت النظم الاقتصادية نفسها بل والسياسية على حافة الهاوية، بسبب انتشار التوترات الاجتماعية ، وقد لمسنا كيف كان ذلك من العوامل التي حركت فوران الجماهير خلال السنوات الماضية.
كانت بعض العقول السياسية المؤمنة بالسوق الحر، قد بدأت تدرك هذا المأزق منذ نحو عشر سنوات ، ونبهت الى اهمية تأسيس الكيانات التي تعزز دور الدولة كرقيب ومنظم ، وتقضي على الفوضى ، وتشجع المنافسة العادلة ، وتضبط ولو إلى حد حسابات التكاليف وهوامش الأرباح ، وتزيح العناصر قليلة الكفاءة أو الفاشلة ليحل محلها الأوفر قدرة ، ومن هنا بدأ ظهور أجهزة حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وأجهزة حماية المستهلك ، والمرفق القومي أو الوطني لتنظيم الاتصالات ، أو تنظيم الكهرباء أو النقل وهكذا .
صحيح ان البدايات كانت ضعيفة وان تأثير أصحاب المصالح كان واضحا على صياغة القوانين واللوائح التي حكمت تأسيس تلك الأجهزة ، وان القدرات الإدارية والفنية والقانونية لتلك الأجهزة كانت ضعيفة ، وربما لا تزال تحتاج الى الكثير، غير ان انشاء تلك الكيانات هو في النهاية عمل مهم بالفعل ،وقد احدث فارقا ليس فقط في اداء الشركات الخاضعة للرقيب او المنظم ذاك ،بل وأيضا في رفع مستوى وعي الجماهير بحقوقهم وبأهمية مساندة الأجهزة الرقابية ودفع تطويرها قدما، اذا كانوا يرغبون حقا في أسواق منضبطة ، تحقق العدالة بين جميع المتعاملين .  ولا يزال التفكير جاريا في إنشاء كيانات اخرى في ارجاء وطننا العربي ، وبما ان واحدة من اعقد المشكلات التي تواجهها معظم الدول العربية ، هي مشكلة فوضي الأسواق ، وارتفاع هوامش الربح ، ووجود احتكارات مخفية او حتى ظاهرة ، وشيوع استخدام أدوات مثل حجب السلع او انكار وجودها ، لتعمد رفع الأسعار عبر «تعطيش» السوق ، وأيضا وجود أسواق غير رسمية تشكل نسبة لا يستهان بها من مجمل عمليات أسواق السلع والخدمات ، وهي كما نعلم لا حسيب ولا رقيب عليها ، ليس فقط من ناحية جودة او عدم جودة ما تبيعه او مدى مطابقته للمعايير الصحية والبيئية ، ولكن أيضا لارتفاع هوامش الأرباح فيها بما يعد عبئا إضافيا على المستهلكين ، وان كانت ولا ننكر توفر خدمات وسلعا لا يمكن لمحدودي الدخل ان يستطيعوا الحصول عليها من الأسواق المنظمة ولا بديل أمامهم الا الأسواق العشوائية.
لشيوع تلك الاختلالات ، وفداحة آثارها ، فإن من المهم في تقديري ان يمتد الشكل التنظيمي الرقابي الى أسواق أخرى،  ليشمل سلعا وخدمات أساسية تؤثر بقوة في حياة أغلبية المواطنين ، وعلى سبيل المثال: ما الذي يمنع إقامة مرفق وطني لتنظيم صناعة وتداول وتجارة الإسمنت، ومثله حديد التسليح، ومثله للبويات والدهانات، ومثله للألبان ومنتجاتها أو الزيوت والمسلي ،ومثله للأدوية ( وهي في كل الحالات تخضع لتسعير حكومي ) ؟ .  وقد يقول قائل ان ذلك سيؤدي الى تضخم الجهاز الحكومي المتخم بالموظفين أصلا في كل بلد عربي تقريبا؟ . وردي انه توجد بالفعل حاليا أجهزة بيروقراطية ضخمة تحت مسميات مثل رقابة وتفتيش على الإنتاج والتداول والمواصفات والتراخيص في تلك السلع ، بيد انها عقيمة وقليلة الكفاءة والهمة ، وأدواتها تقليدية ولا تمت للأعمال الرقابية الحديثة والتنظيمية بصلة.
وقد حققت دول مثل سلطنة عمان والإمارات العربية والسعودية تقدما لافتا في مجال الرقابة علي جودة وتداول المصنوعات الغذائية ،بشكل خاص ، لكن وكما نعلم فإن إقامة مرفق تنظيمي ورقابي هي مهمة مختلفة واشمل ، لأن المرفق هو الذي يمنح التراخيص أو يقوم بسحبها ويحدد الشروط والمعايير اللازمة في المنشآت التي تقدم الخدمة أو السلعة ومستويات الجودة وكيفية قياسها والأسعار الجارية والتكاليف الفعلية  ،ويواجه أي شكل من أعمال الكارتيلات ، وفي المجمل تنصف المنتجين والمستهلكين وتنصف الصناعة أيضا وتتابع التطورات العالمية فيها حتى تنقلها او تشجع على نقلها بسرعة. اذا لا مشكلة في اعادة هيكلة المؤسسات الحكومية القائمة والمبعثرة التي اشرت اليها ، وتدريب من فيها ، وعمل دورات خارجية لهم ، ورفع مستوياتهم المادية وتجهيز مقراتهم بالتكنولوجيا اللازمة ، ليقوموا بالدور الجديد .
وبالمناسبة فإن الحكومة المصرية لم تحتج الى تعيين أي موظف حين أقامت الجهاز القومي لسلامة الغذاء مؤخرا ، اذ نقلت اليه العناصر المختلفة الموزعة على عشرات المواقع في مختلف أنحاء الجمهورية ، والتي كانت تعمل تحت مظلات مختلفة. ما اقصده ان مد المظلة التنظيمية الرقابية الى أسواق سلع وخدمات حيوية ومؤثرة في حياة الناس يمكن ان يكون احد الأدوات المهمة في سبيل السيطرة على انفلات الأسواق ، والحد من الاعباء التي يكتوي بنارها المستهلكون ، وخاصة الطبقات محدودة الدخل والفقيرة وهم أغلبية السكان في أوطاننا . سيقود ذلك الى درجة أعلى بالتأكيد من الاستقرار الاجتماعي والشعور بعدالة المعاملات ، وسيشجع المبادرات الشبابية للعمل ، ويزيد من منافذ العرض والتوزيع. وتصل المنفعة الى أعلى درجاتها في أوقات تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي واسعة ، حيث تنفلت الأسعار عادة وتلتهب أو تلهب جيوب المستهلكين مما يقلل من استجابة الجماهير للإصلاحات أو يدفع قطاعات واسعة الى مقاومتها.