محاصرة المنظمات الدولية .. الداعمة للحق العربي

عماد عريان –

هذه ظاهرة واضحة منذ سنوات ليست بعيدة؛ حيث لم تقصر الولايات المتحدة في دعمها السياسي والدبلوماسي غير المحدود لإسرائيل على مجلس الأمن الدولي فحسب، ولكنها تعمل بكل جهد ممكن لممارسة الدور ذاته داخل مختلف أفرع وهيئات ومؤسسات الأمم المتحدة الأخرى وبدون أي مبالغة، لعلنا لا نذهب بعيدًا في المسافة أو الزمن لنقترب أكثر بصورة موسعة لمتابعة ما تتعرض له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ولها أهمية كبرى، ليس قي تقديم الدعم والعون للفلسطينيين فحسب، ولكن أيضا لدورها الكبير والحيوي في الحفاظ على حقوق اللاجئين منذ حرب عام 1948 والحفاظ على قضيتهم باعتبارها من قضايا الحل النهائي أو التسوية المنشودة لرد جزء من الحقوق المشروعة والعادلة للشعب الفلسطيني بعد عقود طويلة من الظلم والتشريد، فهذه الوكالة المهمة وهي إحدى مؤسسات الأمم المتحدة تتعرض لحالة حصار مشدد وضغوط عنيفة من جانب إسرائيل والقوى الموالية لها وعلى رأسها بكل تأكيد الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لتصفية الوكالة ودمج عملها في المفوضية العليا لشئون اللاجئين، بما يعني تصفية شاملة لقضية اللاجئين الفلسطينيين ذاتها.
وبينما تتبنى واشنطن أسلوب «لي الذراع» من خلال التهديد الدائم بالانسحاب وتقليص الميزانيات، في محاولة لتقليم أظافر هذه الوكالة وغيرها من المؤسسات الداعمة للحق العربي، تتبنى إسرائيل في تصرفاتها تلك نهجا مختلفا يعتمد على اتهام الفلسطينيين والمؤسسات والهيئات الدولية الداعمة لحقوقهم بالإرهاب وتنشئة الشباب الفلسطيني على خطاب الكراهية، وهذه الاتهامات برغم أنها أكاذيب واضحة إلا أنها وجدت آذانا صاغية في دول غربية، ترجمت ذلك إلى وقف إنفاقها على المؤسسات التعليمية الفلسطينية على وجه الخصوص، ومنظمة «اليونسكو» ليست استثناء من تلك الحملات المتتالية، باعتبارها إحدى القلاع الداعمة للحقوق العربية في فلسطين والأراضي المحتلة، وخاصة رفضها للحملات الصهيونية الرامية إلى تهويد القدس وسحق هويتها العربية، الأمر الذي يسبب الكثير من الإزعاج للكيان الإسرائيلي.
وباستثناء الترحيب والتأييد الإسرائيليين بالقرار الأمريكي بالانسحاب من اليونسكو – الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو، «بالشجاع والأخلاقي»، معتبرًا أن منظمة اليونسكو أصبحت «مسرح عبث، فبدلا من اضطلاعها بمهمة الحفاظ على التاريخ قامت بتشويهه» على حد زعمه، كما أمر وزارة الخارجية الإسرائيلية باتخاذ التدابير اللازمة لانسحاب بلاده هي الأخرى من المنظمة تضامنا مع واشنطن وأسوة بها – فقد قوبل القرار الأمريكي بالانسحاب من اليونسكو باستياء وقلق بالغين على الصعيد الدولي.
ومن الناحية الظاهرية أرجعت واشنطن انسحابها من اليونسكو التي بدأت في مباشرة عملها عام 1946 والمعنية بتحديد مواقع التراث العالمي، إلى اعتبارات اقتصادية وسياسية بحتة، فعلاوة على اعتقاد واشنطن في وجود حاجة ماسة لدى المنظمة للإصلاح ومعالجة المشاكل الإدارية والأزمات الاقتصادية المزمنة والمعقدة، اعتبرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن القرار «المفجع» يعود إلى رغبة واشنطن الملحة في تقليص النفقات وتوفير الأموال التي يتم دفعها سنويا للمنظمة الأممية، والتي تقدر بنحو 80 مليون دولار، ترى إدارة ترامب أن واشنطن لم تحصد من ورائها أية غنائم ملموسة على أي صعيد، كذلك، تتوخى واشنطن من وراء القرار التعبير عن الاحتجاج على ما تعتقد إدارة ترامب أنها سياسات ومواقف مناهضة لإسرائيل دأبت المنظمة على تبنيها بدم بارد وبلا مواربة!
أما المسكوت عنه في هذا القرار الأمريكي الصادم وما قد يمثل أسبابًا حقيقيةً لاتخاذه، فيكمن في رغبة إدارة الرئيس ترامب العارمة في محاباة إسرائيل من خلال معاقبة اليونسكو على موضوعيتها واجترائها على اتخاذ قرارات عادلة وتاريخية في آن بحق فلسطين، وكان من أبرزها: منحها العضوية الكاملة بالمنظمة، بحيث تصبح فلسطين العضو رقم 195 بالمنظمة الدولية، وذلك خلال جلسة خاصة للمؤتمر العام لليونسكو عقدت بباريس يوم 31 أكتوبر من عام 2011، وبأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين، وفى أبريل من عام 2016م قررت منظمة اليونسكو بالأغلبية أيضا استخدام مصطلح «المسجد الأقصى» وإلغاء المصطلح الإسرائيلي «جبل الهيكل»، وفى أكتوبر من ذات العام، صوت المجلس التنفيذي للمنظمة لصالح مشروع قرار عربي يؤكد أن المسجد الأقصى وكامل الحرم الشريف، تراث إسلامي مقدس مخصص لعبادة المسلمين ولا علاقة دينية لليهود به، وطالب القرار إسرائيل بوقف الانتهاكات بحق المسجد، والعودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائما قبل عام 1967.
ويعني ذلك بشكل لا لبس فيه رفض اليونسكو السيادة الإسرائيلية على القدس، ويؤكد أنها مدينة محتلة، علاوة على عدم الاعتراف بسياسة فرض الأمر الواقع عليها وتغيير هويتها وديموغرافيتها وإدانة أعمال الحفر التي تقوم بها قوات الاحتلال تحت المسجد الأقصى، وتأكيد اليونسكو أيضًا على إسلامية الأماكن المقدسة وأبرزها الحرم القدسي وأنها تراث إسلامي وليس يهوديا، وهو ما ينفى المزاعم الإسرائيلية حول ما يسمى بجبل الهيكل أو هيكل سليمان، وكذلك إدراج مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي على لائحة التراث العالمي التابع لليونسكو، وهو ما أثار استياء وغضب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي مايو من العام الجاري أصدرت لجنة التراث العالمي التابعة للمنظمة قرارًا يؤكد أن إسرائيل دولة محتلة لمدينة القدس، ويرفض سيادة تل أبيب عليها، كما ينكر أي حق لها في البلدة القديمة، ويشمل القرار أيضا الاعتراف بأن المقابر في مدينة الخليل وقبر راحيل في بيت لحم مقابر إسلامية، الأمر الذي دفع واشنطن إلى اتهام المنظمة بمعاداة إسرائيل، واللافت بهذا الخصوص أن واشنطن قد صوتت ضد كافة هذه القرارات، كما تعاونت -من دون جدوى- مع إسرائيل للتوسل بكافة السبل الممكنة من أجل حمل أكبر عدد ممكن من الدول الأعضاء بالمنظمة للتصويت ضد هذه القرارات.
ليس هذا فحسب ولكن في أكثر من مناسبة أكدت المنظمة الإدانة الشديدة لاقتحامات الـمتطرفين اليهود وقوات الاحتلال الـمستمرة للمسجد الأقصى، الحرم القدسي الشريف، وحثت إسرائيل على منع جميع الإهانات والانتهاكات لقداسة الـمسجد الأقصى بما في ذلك التدمير الـمتكرر لبوابات وشبابيك الـمسجد القبلي والبلاط التاريخي لقبة الصخرة الـمشرفة، ومطالبة «إسرائيل» بتسهيل تنفيذ مشاريع الإعمار الهاشمي في الـمسجد الأقصى مع التشديد على وقف التدخل في مبنى باب الرحمة وبالسماح غير الـمشروط لوصول السلطة الـمعنية الـمتمثلة بخبراء الأوقاف الأردنية من أجل الـمحافظة على بلدة القدس القديمة وأسوارها من الداخل والخارج والإدانة الشديدة ومطالبة إسرائيل بإزالة القطار الخفيف من جوار أسوار القدس القديمة وبوقف جميع مشاريع التهويد مثل «بيت هليبا» و«بيت شتراوس» والـمصاعد الكهربائية والتلفريك الهوائي وإزالة آثار الدمار الناجم عن هذه الـمشاريع.ورأت قرارات اليونسكو المتعددة والمهتمة حتى بالتفاصيل التراثية والثقافية الدقيقة أنه من الضروري مطالبة إسرائيل بإعادة الآثار الـمنهوبة وتزويد مركز التراث العالـمي في اليونسكو بتوثيق واضح لـما تمت إزالته من آثار ومطالبة إسرائيل كذلك بتمكين الأوقاف الإسلامية الأردنية من تنفيذ تصميم مشروع إعادة ترميم طريق باب الـمغاربة مع الإدانة الشديدة لاستمرار إسرائيل في منع بعثة الـمراقبة والخبراء التابعة لليونسكو من الوصول إلى مدينة القدس وأسوارها والإبقاء على «بلدة القدس القديمة وأسوارها» على قائمة التراث العالـمي الـمهدد بالخطر كموقع مسجل من قبل الأردن عام 1981.
وفي الختام لعلنا لا نبالغ إذا ما رأينا أن ذلك الانسلاخ الأمريكي المتواصل والتدريجي من النظام الدولي الحالي ربما يكون كفيلا، إذا ما استمر بذات الوتيرة وتفاعل مع معطيات ومتغيرات محلية وإقليمية ودولية أخرى عديدة، بأن يلقى بظلال من الغيوم على مكانة وموقع الولايات المتحدة الريادي على قمة ذلك النظام، على المدي المنظور، ولكن الوجه الأخر للحقيقة يؤكد أن مثل تلك الممارسات والضغوط لن تؤتي أكلها، وسوف تستمر الحقوق الفلسطينية في صدارة المشهد وسط دعم قوي وراسخ من جانب غالبية دول العالم المدركة لحقيقة الضغوط الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية لمصلحة إسرائيل.