العزلة الأمريكية الجديدة والانسحاب من اليونسكو

د.صلاح أبو نار –
ها هي العزلوية تعود مع ترامب إلى سدة الحكم . ويمكن رصد عودتها عبر عدة مظاهر . لغه ترامب وشعاراته، ونزعته القومية الضيقة، ونظرته المستريبة لعلاقات أمريكا مع العالم، والنظر إلى تلك العلاقات من منظور المباراة الصفرية ، والمطالبة بإدارتها بمنطق الصفقات التجارية،

في فبراير 2017 بعد توليها لمنصبها وقفت السفيرة نيكي هايلي سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، لتصرح في إحدى مناسباتها: «أنا هنا من أجل التشديد علي دعمنا الصارم لإسرائيل. أنا هنا لكي أشدد علي إصرار الولايات المتحدة علي إيقاف تحيز الأمم المتحدة ضد إسرائيل».
تصلح الكلمات السابقة مقدمة جيدة لتحليل أزمة الولايات المتحدة مع اليونسكو، من منظور يراها حصرا أو بشكل كلي امتدادا لأزمة إسرائيل مع اليونسكو، وفي سياق ذلك الخصوصية الاستثنائية لعلاقات أمريكا مع إسرائيل. والواقع أن هذا المنظور يمدنا بالفعل بمساحة أساسية من العوامل الخالقة للأزمة، غير أنه لا يمنحنا صورة كلية وعميقة للسياق الخالق للأزمة. وتظل هذه الصورة إذا أردنا لها الاكتمال في حاجة إلى عنصرين آخرين: أول يتعلق بالتناقضات والصراعات الفاعلة في بنية التنظيم الدولي المعاصر، أي الأمم المتحدة وتنظيماتها. وثان يتعلق بالطور العزلوي الجديد الذي انزلقت إليه السياسة الخارجية الأمريكية. طور ليس جديدا تماما عليها، إذ كان دائما خيارا أساسيا تلجأ إليه في سياقات معينه. ويمكن للباحث أن يكتب بسهوله تاريخا ممتدا لهذا الخيار، ولكنه سيواجه مهمة ليست هينة. مهمة التمييز بين أشكالها ودرجاتها المختلفة، وتداخلها الحتمي مع النزعة النشطة أو التدخلية النقيض.
هناك إذن ثلاثة عوامل صنعت عبر تضافرها أزمة اليونسكو الممتدة مع الولايات المتحدة. أول يتعلق بموضوع الأزمة ذاته، وثان يتصل بالتناقضات والصراعات داخل بنية التنظيم الدولي المعاصر، وثالث يرتبط بالاتجاه العزلوي الأمريكي الجديد في السياسة الخارجية.
ماذا بشأن العامل الأول؟ انسحبت واشنطن من اليونسكو مرتين. بدأت الأولى في عهد ريجان عام 1983، واستمرت حتى عام2003، عندما قرر جورج بوش الابن العودة للمنظمة. ولم تكن لإسرائيل صلة بهذا الانسحاب، فلقد جرى في سياق الهجمة الأمريكية الشرسة، التي سبقت نهاية الحرب الباردة واستسلام العالم الثالث.
ما يعني أن العامل الإسرائيلي يتجسد في الانسحاب الثاني الذي انطلقت مسيرته واكتملت فيما بين 2011 و2017. إلا أن هذا الانسحاب كانت له مقدماته المتناثرة خلال العقود السابقة. فعلى سبيل المثال قرر مجلس الشيوخ عام 1974 تأجيل دفع 25% من التزامات أمريكا المالية تجاه المنظمة، احتجاجا علي رفض اليونسكو انضمام إسرائيل للمجموعة الأوروبية. مر الانسحاب الثاني بعدة محطات أساسية. في أكتوبر 2011 قررت اليونسكو قبول دولة فلسطين عضوا كامل العضوية، بأغلبية 107 أصوات. وردت الولايات المتحدة بإيقاف مساهمتها المالية المقدرة بحوالي 22% من الميزانية. وكان للقرار أسبابه السياسية المفهومة، إلا أن التوضيح الرسمي علله بوجود قانون أمريكي صدر أواخر التسعينيات، يلزم الحكومة بإيقاف مساهمتها المالية في أي منظمة دولية تعترف بدوله فلسطين عضوا كامل العضوية. وفي عام 2013 اضطرت اليونسكو بعد مرور الفترة المنصوص عليها قانونيا إلى حرمان الولايات المتحدة من حقها في التصويت، أي فقدانها العملي لعضويتها. ويعني هذا أن قرار الانسحاب الأخير في أكتوبر 2017م أقرب ما يكون إلى إضفاء صفة الرسمية على واقع انسحاب عملي.
ومنذ هذا التاريخ أخذت الأزمة تتصاعد. في عام 2015 أصدرت اليونسكو قرارات تدين المنع الإسرائيلي للعرب من الوصول للأقصى. وفي عام 2016 صدر قرار يدين السياسات الإسرائيلية في المواقع الدينية في القدس والضفة، وفي أعقابه استدعت إسرائيل سفيرها لدى المنظمة. وفي مايو 2017 صدر قرار يصف إسرائيل بقوة محتلة للقدس تعمل على تغيير طابعها التاريخي. ثم وصل التصعيد إلى قمته في يوليو 2017، حيث صدر قرار للجنة التراث العالمي يعتبر الخليل القديمة وضمنها الحرم الإبراهيمي وداخله مقابر الأنبياء أحد مواقع التراث العالمي، في سياق عبارة تشير إلى أن المدينة تشكل جزءا من إقليم السلطة الفلسطينية. وأطلق هذا القرار الأعاصير، فاعتبرته السفيرة هايلي: «تطاول على التاريخ، يدفع صوب مزيد من عدم الثقة، تجاه منظمة أضحت بالفعل محلا للشك». والمشكلة أن مقابر الأنبياء، والمعتقد أنها تضم رفات الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والمدعوة في المصطلح اليهودي: كهف البطاركة، هي ثاني أقدس مكان يهودي بعد حائط المبكى. الأمر الذي انعكس على وضع الخليل في مخطط أوسلو 1997، فلقد انسحبت إسرائيل من 80% من المدينة، ولكنها احتفظت بالجزء القديم منها وداخله الحرم والمقابر. كما انعكس على المخطط الاستيطاني فيها. فالخليل المدينة الوحيدة التي أقيمت المستوطنات في قلبها وليس أطرافها. كل ذلك يكشف نوايا إسرائيل النهائية.
وبتحليل القرارات السابقة سنرصد ثلاثة مواقف أثارت الغضب الإسرائيلي والأمريكي. أولها: الاعتراف الكامل بدولة فلسطين كدولة عضو على قدم المساواة مع الدول الأخرى. والثاني الإقرار المباشر والمتكرر بكون الأماكن اليهودية المقدسة، أي حائط المبكى وكهف البطاركة تقع ضمن أراض فلسطينية، وإن سلطة إسرائيل عليها سلطة احتلال. والثالث الاعتراف بقداسة تلك الأماكن بالنسبة للأديان الثلاثة، ولكن مع إعطاء القداسة الإسلامية المكانة الأولى. الأمر الذي يمكن تفسيره بقوة حضور الرمز التاريخي وتواصله، والحقوق السياسية المؤكدة والممتدة تجاه المكان، وبنية وتكوين المكان نفسه وكثافة حضور الرموز الدينية فيه.
لم يكن عامل التناقضات والصراعات داخل بنية التنظيم الدولي المعاصر غائبا عن انسحاب 2017 بل كان حاضرا ولكن كعامل مساعد. وفي انسحاب 1983 الأول سنجده مسؤولا بالكامل عن القرار. نشأت الأمم المتحدة عام 1945 في سياق دولي محدد، انعكس وفعل ليس فقط في تشكيلها، بل أيضا في واقعها وآليات عملها السياسية. تأسست المنظمة في ظل تحالف المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتوازنات الإقليمية الرضائية أو شبه الرضائية التي جرت أعقابها، والهامشية العددية وضعف الدور السياسي للكثرة القادمة من خارج الكتلة الغربية. لكن العقد التالي على تأسيسها شهد تغيرات جذرية. تحقيق التوازن النووي، والانقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية على أسس عقائدية، ونشأة نظام القطبية الثنائية بتحالفاته، واتساع كتلة الدول المستقلة مع صعود حركة التحرر الوطني، وصعود التيار القومي الراديكالي داخل تلك الكتلة ومعه أيديولوجيا العالم الثالث بتطلعاتها الدولية والتنموية وعدائها الصاخب للولايات المتحدة. وانعكس هذا التحول على الأمم المتحدة. انتهى العالم القديم المحدود والأقرب للتجانس، ليظهر عالم أكبر وتناقضاته وصراعاته أعمق وأكثر اتساعا، وبالتبعية أصبحت العمليات التصويتية أقل قابلية للتحكم من جانب القوى الكبرى وأعمق تقاطعا مع شبكة التحالفات الإقليمية الثابتة والعابرة. ولكن الأهم كان صعود تيارات عميقة مصدرها العالم الثالث، جعلت من الأمم المتحدة مسرحها، تسعى لتأسيس نظام اقتصادي دولي جديد، ومعه نظام إعلامي دولي جديد يضمن حرية الإعلام وتدفق المعلومات. عالم مزدحم وصاخب ومتداخل وعصي على التحكم السهل، ويختلف كثيرا عن عالم فترة ما بعد الحرب الهادئ المحدود سهل الانقياد.
كان هذا هو مناخ اليونسكو الذي دفع الولايات المتحدة لاتخاذ قرار انسحابها الأول. وفي معرض التفسير الرسمي لأسباب الانسحاب، اتهمت اليونسكو بفرط التسييس، الإسراف في اقتراح توجهات تعتمد على سلطة الدولة، وتبني تراتبية إدارية مهدرة للموارد، والعداء للغرب وأمريكا والسوق الحر. وليس من المصادفة أن تنسحب أمريكا عام 1977 من منظمة العمل الدولية، وعندما نتأمل العوامل التي أوردها كيسنجر تبريرا للقرار، سنجدها تكرارا لنفس أسباب قرار اليونسكو.
يشكل العامل الثالث أي العزلوية أحد أبرز ملامح سياسة ترامب الخارجية. كانت العزلوية دائما أحد أبرز خيارات السياسة الأمريكية منذ تأسيسها. وكانت العزلوية خيارا جذابا بفعل ثراء الموارد الأمريكية، وعزلتها الجغرافية، واحتلالها لقارة كاملة، وغياب جيران مباشرين وأقوياء، والخبرة الدامية للسياسات الخارجية الأوروبية. ولكنها كانت على الدوام خيارا في حالة تقدم وتراجع متواصل. وعلى سبيل المثال أخذت التدخلية في التقدم بعد نهاية الحرب الأمريكية-الإسبانية 1898، وتعاظم القدرات الأمريكية الاقتصادية، إلا أن العزلوية تمكنت من الاستعادة السريعة للمبادرة والعودة للتركيز على مجالها الحيوي الجنوبي.
ولكن مع التوغل في الحرب الأولى عادت العزلوية للتراجع، وعندما انتهت الحرب كانت أمريكا هي التي أطلقت مبادرة تأسيس عصبة الأمم، ولكن المفارقة أن التدخلية في أوج انتصارها انهزمت في عقر دارها سريعا عندما رفض مجلس الشيوخ الانضمام للعصبة. وظل الأمر كذلك حتى أوائل الحرب العالمية الثانية، مع دخول أمريكا الحرب ثم قيامها بمهام القوة المؤسسة لنظام ما بعد الحرب الدولي، والممسكة بمعاناة على مدة عقود عديدة.
وها هي العزلوية تعود مع ترامب إلى سدة الحكم. ويمكن رصد عودتها عبر عدة مظاهر. لغه ترامب وشعاراته، ونزعته القومية الضيقة، ونظرته المستريبة لعلاقات أمريكا مع العالم، والنظر إلى تلك العلاقات من منظور المباراة الصفرية، والمطالبة بإدارتها بمنطق الصفقات التجارية، وليس بمنطق الاستثمار الاستراتيجي.
وعلى مستوي السياسات تبدو العزلوية في النزوع نحو تفكيك التحالفات الاستراتيجية بدعاوى التكلفة، والتعامل معها كمشروع تجاري يدار بمنطق الربح، والسياسات الحمائية، وبدء الخروج من اتفاقيات التجارة الحرة.
وفي هذا السياق خرج ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، ثم اتفاقية التجارة الحرة، وأعلن الحرب علي الأمم المتحدة، و قلص المساهمة في ميزانيتها. ويمكن اعتبار قرار الخروج من اليونسكو امتدادا لتلك النزعة.