«المسؤولية الاجتماعية» في مفهوم السوق

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

في فترة الثمانينات من القرن المنصرم، لوحظ أن هناك إقبالا غير طبيعي على شراء أراض بيضاء أو مستعملة من أصحابها بأرخص الأثمان، وربما كانت الأثمان التي تدفع مقابل هذه الأراضي في ذلك الزمن على أنها مبالغ فيها كثيرا، وبعد مرور سنين بدأ تنفيذ خطط إنمائية، وبرامج تنموية في تلك المحافظات البعيدة عن العاصمة مسقط، عندها يظن بعض الناس -الذين لا يزالون تحت دهشة الحدث- أن هناك تسريبا للمعلومات عن الخطط والبرامج التي تنوي الحكومة تنفذها في تلك المحافظات
يفرض مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة؛ نفسه كأحد المفاهيم الحاضرة بقوة التأثير في حياة الناس في مختلف أنشطتهم، ومنذ النشأة الأولى، كما يبدو من مجريات التاريخ، يظل مفهوم السوق يشكل عنصرا مهما في هذه الحياة، مع الفهم أن الأداة المتطورة التي يستخدمها الناس هي فقط المتغيرة، وتغيرها يدفع بهذا المفهوم الى التطور والنمو، واستخدام وسائل تتناسب والفترة الزمنية المتطورة التي يعيشها الناس، حتى يحققوا مكاسب أكثر؛ تشجعهم على المضي قدما نحو التمسك به أكثر وأكثر لتنظيم حياتهم، وإعلاء سقف نموها، بغض النظر إن كان في ذلك، في أحايين كثيرة، يتصادم ومفهوم المسؤولية الاجتماعية، التي هي الأخرى تحتاج لأن يبقى سقف نموها متطورا وناميا الى حد كبير، لأن في مفهوم السوق يتضمن مفهوما آخر هو «سعر السوق»؛ وهو المفهوم الذي يذهب الى إعلاء سهم السلعة، قد تكون هذه السلعة مادة قابلة للبيع والشراء، كالسلع العينية المتداولة، وقد تكون طاقة بشرية بمواهب مختلفة، قابلة لذات السلوك؛ البيع والشراء، فالمهنيون -على سبيل المثال- يصنف البعض جهودهم تحت هذه القائمة، قُبل الفهم بهذه التسمية «بيع وشراء» أو لم يقبل، وسهم السلعة هذا هو الذي يحدد سلوك الناس في مختلف التعاملات؛ توافقت هذه التعاملات مع القيم الإنسانية الراشدة، «المثالية»، أو تصادمت معها، ولذلك من هنا يأتي وضع القوانين المنظمة للعلاقة بين التاجر والمستهلك، بين البائع والشاري، بين الاستحقاق الفردي لصاحب السوق وبين المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن لا يركنها جانبا وهو في خضم معاركه اليومية في سوقه.
لذلك نسمع كثيرا؛ ومنذ زمن بعيد؛ أن هناك دولا تعمد الى إغراق السلع في البحر، أو حرقها عندما تدرك أن قيم هذه السلع سوف تنخفض في السوق العالمية بين المتنافسين على أخذها، ظنا أن فائض أي سلعة عندما يزيد كميته، فإنها لن تحقق الربح المأمول منها، فوق أنها سوف تستنزف رأس المال الـ«رصيد» أو الـ«حامي» للسلعة ذاتها من تقلبات الدهر ومنغصاته، والفكرة ذاتها عندما نسمع اليوم عن ممارسات العمالة الوافدة في شقها الزراعي، عندما تعمد الى تقصير دورة حياة الإنتاج الخضري بأنواعه، وعلى حساب صحة المستهلك، وذلك من خلال استخدم محاليل وأسمدة كيميائية تقلص من الدورة الطبيعية للإنتاج، وذلك بهدف الربح السريع، وتقليل التكلفة، لأن دورة حياة طبيعية لسلعة خضرية ما، تستمر نحو أربعة أشهر، وقد تصل الى ستة أشهر، على سبيل المثال، غير تكلفتها عندما تستمر 3 أشهر، مع بقاء سقف الربح عند مستواه في الحالتين، فالفهم العام عند كلا الطرفين المنتج والمستهلك هو أن: “كمية كل سلعة تأتي الى السوق تتكيف طبيعيا مع الطلب الفعلي ومن مصلحة كل من يوظف أرضه او عمله او أمواله عند إحضار اي سلعة الى السوق أن لا تزيد كميتها عن الطلب الحقيقي ؛ ومن مصلحة الآخرين جميعا أن لا تنقص هذه الكمية عن ذلك الطلب» – حسب رأي آدم سميث؛ صاحب كتاب (ثروة الأمم).
ومفهوم السوق لا يقتصر فقط على الحرص على إعلاء سقف الربح، قدر المستطاع، بل يذهب أيضا الى تفعيل المنافسة بين أبناء السوق نفسه، وهذه المنافسة، على الرغم من ضروريتها في هذا الجانب؛ على اعتبار أنها سوف تخدم الطرف الآخر «المستهلك» من خلال وجود أسعار متفاوتة للسلعة الواحدة، وهي؛ ليس شرطا ان تفعلها نقص السلعة المعروضة في لحظة البيع، ولكن تعبر في أوقات كثيرة عن الإمكانيات المادية لدى الأطراف المتنافسة على الاستحواذ على هذه السلعة أو تلك، إلا أنه في كثير من الأحيان أن تتقارب مصالح أبناء السوق على شكل اتفاقات جانبية تذهب الى تعميم سعر السلع، بحيث لا يجد المستهلك تفاوتا كبيرا بين سعر السلع، وهنا يسقط السوق نفسه في مفهوم الاحتكار، وهو ممارسة أيضا تضرب واجب الحفاظ على المسؤولية الاجتماعية عرض الحائط.
في فترة الثمانينات من القرن المنصرم، لوحظ أن هناك إقبالا غير طبيعي على شراء أراض بيضاء أو مستعملة من أصحابها بأرخص الأثمان، وربما كانت الأثمان التي تدفع مقابل هذه الأراضي في ذلك الزمن على أنها مبالغ فيها كثيرا، وبعد مرور سنين بدأ تنفيذ خطط إنمائية، وبرامج تنموية في تلك المحافظات البعيدة عن العاصمة مسقط، عندها يظن بعض الناس – الذين لا يزالون تحت دهشة الحدث – أن هناك تسريبا للمعلومات عن الخطط والبرامج التي تنوي الحكومة تنفذها في تلك المحافظات ويشيرون الى نماذج معينة أحيانا، لذلك اصبح ما تم شراؤه بالأمس بعشرات الآلاف من الريالات، هو اليوم بعشرات الملايين من الريالات «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» وهو تنافس يقوم هنا على نوع ما من الاحتكار؛ حيث لا بديل عنه، فـ «سعر السلعة المحتكرة هو أعلى سعر يمكن الحصول عليه في كل حين، في مقابل السعر الطبيعي، أو سعر المنافسة الحرة، هو أدنى سعر يمكن القبول به، ليس في كل حين، بل على مدى زمني طويل، فالأول هو في كل حين السعر الأعلى الذي يمكن انتزاعه من الشاري أو السعر الذي يفترض ان الشاري يوافق على إعطائه، أما الثاني فهو السعر الأدنى الذي يقبل البائع أن يبيعه به عادة ويستطيع في الوقت نفسه أن يواصل عمله» – حسب المصدر السابق.
نعي جميعنا أن هناك ثمة علاقة قائمة ما بين المدخلات والمخرجات في مفهوم الإنتاج تربط صاحب العمل بالعاملين معه، فهؤلاء العاملون هم رأس المال البشري للمؤسسة، التي هي وجه آخر لمفهوم السوق الذي نتحدث عنه، وهم يشكلون رصيدا مهنيا لذواتهم، ولوطنهم، وبالتالي فحرص صاحب العمل على تعزيز القيمة المهنية لدى هؤلاء العاملين هو مساهمة مباشرة في خانة المسؤولية الاجتماعية التي نتحدث عنها هنا أيضا، وحسب الفهم العام أن المؤسسة التي يعمل فيها قطاع كبير من الناس، فهي ليست ملكا مطلقا لصاحب العمل، بل هي جزء من رصيد المجتمع، ولبنة أخرى من لبنات الوطن، لأن الوطن هو الذي أعطاها الإضاءة الخضراء للنمو والارتقاء، ولذلك هناك من يعي هذه المسؤولية التي يلقيها الوطن على صاحب العمل، ويعمل هذا الآخر على أداء الأمانة على الوجه الذي يرضي الوطن، وهناك؛ أيضا: في المقابل من يؤدي هذا الدور مع تصادمه مع هذه الحقيقة، ومع هذه القناعة، وذلك من خلال تجاوزاته لمختلف القوانين المنظمة للعلاقة بين المنتج والمستهلك، ويأتي هذا التجاوز تأكيدا لحقيقة لا يمكن إنكارها؛ وهي: «إن الإنسان بوجه عام يحب مصلحته قبل أن يحب مصلحة الغير، فهو إذا رأى المصلحتين متناقضتين آثر طبعا مصلحته الخاصة، وأهمل المصلحة الأخرى، فالإنسان الفاسد هو كالصالح في ذلك، الفرق بينهما آت من كون أحدهما قد أتاحت له الظروف أن تكو مصلحته مطابقة للمصلحة العامة، فسعى في سبيلها وظن الناس انه يسعى في سبيلهم فقدروه وكافأوه فانتفعوا به مثل ما انتفع هو بهم، أما الفاسد فهو مكلف بعمل شاق. وهو يرجو استبداله أو التخفيف منه، فلا يسمع الناس رجاءه هذا فهو – من وجهة نظره المعوجة – مضطر إذن أن يداري ويماري، وأن يسرق ويعتدي، لكي يخفف عن نفسه شيئا من العبء الذي فرضه عليه الناس». كما يقول الدكتور علي الوردي.
يلزم القول هنا التأكيد على أن أية مؤسسة تخضع لعلاقة تكاملية بين أطراف ثلاثة هي: رأس المال البشري؛ ورأس المال المادي؛ ورأس مال الإنتاج؛ فالمؤسسة لا يمكن ان تكون في معزل من أركانها الثلاثة؛ وهي المشكلة لرأس مال المؤسسة في مجموعها العام، ورأس المال هذا ينظر إليه على أنه جزء من مال الدولة، وإن هو في خصوصية امتلاكه لفرد، أو مجموعة أفراد، ولذلك تحرص الدولة على بقاء مؤسساتها قائمة ونشطة وقوية، وإن استلزم الأمر لأن تدعمها دعما مباشرا في حالة أية خطوة متعثرة، ومن هنا يأتي أكثر لمدخل تحمل المسؤولية الاجتماعية من قبل أي مؤسسة، لذلك نقرأ بين الفينة والأخرى مساهمات المؤسسات في المشروعات الخدمية غير الربحية، كالمساهمة في رأس مال مؤسسات المجتمع المدني، أو إقامة مشروعات ذات نفع عام، فصاحب أي مؤسسة يصل الى هذا المستوى من العطاء بلا مقابل، يكون فعلا استوعب جيدا مفهوم المسؤولية الاجتماعية التي هي جزء لا يتجزأ من المؤسسة التي يتولى أمرها.