البرنامج النووي الإيراني ..وخطورة العودة إلى المربع الأول

أحمد بن علي الصبحي/ مؤسس ورئيس مركز هرمز للدراسات الاستراتيجية –

قبيل إعلانه عن موقفه من الاتفاق النووي الإيراني ، وبعد اجتماعه مع قادته العسكريين قبل أيام قليلة في البيت الأبيض لمناقشة قضيتي إيران وكوريا الشمالية ، قال الرئيس الأمريكي ترامب: إن هذه لحظة ربما تكون «الهدوء الذي يسبق العاصفة». ستسمعون شيئا عن إيران قريبا !.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الأول الجمعة ، عن موقفه من الاتفاق النووي الإيراني، ولديه مهلة حتى اليوم الأحد لإخطار الكونجرس من خلال تقريره الذي سيقدمه إليه حول ما إذا كانت إيران تمتثل للاتفاق النووي من عدمه، وما إذا كان هذا الاتفاق ضمن المصلحة القومية للولايات المتحدة ؟ . وهو الاتفاق الذي وقّع في 2015 بين إيران والقوى الست الكبرى (الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا) في مدينة لوزان السويسرية بعد مشاورات ومفاوضات شاقة امتدت لسنتين ، أسهمت فيها السلطنة بدور حيوي في التمهيد لها واحتضان بداياتها بين طهران وواشنطن . ويهدف اتفاق لوزان النووي إلى ضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة ضد إيران، حيث ينص الاتفاق على رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية بمجرد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إيران تحترم التزاماتها.
ويعتبر الوصول إلى هذا الاتفاق الدولي نقطة تحول كبيرة في أزمة الملف النووي الإيراني التي استمرت ما يقارب 12 عاما ، بعد أن كادت المنطقة قاب قوسين أو أدنى من الدخول في حرب عسكرية جديدة . وبعد الإعلان عن الاتفاق عبرت كثير من دول العالم عن ارتياحها ، واعتبرت أن هذا الاتفاق الدولي «حدث تاريخي» وأنه من أهم إنجازات المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة ، وآنذاك قال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ان الدبلوماسية هي الخيار الأفضل للتعامل مع طهران في ما يتعلق ببرنامجها النووي .
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي توعد خلال حملته الانتخابية الرئاسية إلى البيت الأبيض ، قبل عام ، بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران، عاد ليؤكد من جديد أن الاتفاق مع إيران هو من أسوأ الاتفاقات التي أبرمتها الولايات المتحدة على الإطلاق ، ووصف هذا الاتفاق بأنه «معيب» للولايات المتحدة. واعتبر ترامب أن إيران لم تحترم روح الاتفاق النووي ، مؤكدا أنه يجب ألا يسمح لإيران بحيازة أسلحة نووية، واتهم النظام الإيراني بدعم الإرهاب وتصدير العنف والفوضى في الشرق الأوسط. وهو في الوقت نفسه الذي كشفت فيه مصادر أمريكية أن الرئيس الأمريكي يخطط للإعلان أن الاتفاق النووي الإيراني، الذي توصلت إليه أمريكا والقوى الغربية مع إيران في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ليس في صالح الولايات المتحدة وذلك في تقريره الى الكونجرس الأمريكي .
ومن الملاحظ أن الاتفاق النووي الإيراني كان حاضرا بقوة في اجتماعات الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة منذ الشهر الماضي في نيويورك ، وكان ذلك واضحا من خلال خطابات وتعليقات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته تيلرسون، والرئيس الفرنسي ماكرون، ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فديريكا موجيريني، بالإضافة إلى ردود الرئيس الإيراني حسن روحاني. حيث اعتبر الرئيس الأمريكي أن هذا الاتفاق النووي مع إيران هو أحد أسوأ الصفقات التي أبرمتها الولايات المتحدة، واعتبرها محرجة للولايات المتحدة.- على حد قوله – بينما أكد الرئيس الإيراني ان بلاده تحترم الاتفاق النووي مع القوى الكبرى ، لكنها-أي إيران- سترد بحزم على أي انتهاك لهذا الاتفاق. وعلى نفس الصعيد بالأمم المتحدة ، اعتبر الرئيس الفرنسي أن هذا الاتفاق النووي مع إيران مفيد وأساسي من أجل السلام ، وإن الانسحاب منه سيكون خطأ جسيما.
الرئيس الأمريكي ترامب لا يستبعد أن يقوم بإلغاء هذا الاتفاق ، أو الطلب من الكونجرس تغييره والعودة إلى التفاوض من جديد ، لأن ترامب هو نفسه الذي قام بإلغاء العديد من الاتفاقات الموقعة في عهد سلفه باراك أوباما . حيث إنه – أي ترامب – بعد تسلمه السلطة في البيت الأبيض في مطلع هذا العام أمر بإلغاء الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما مع كوبا باعتباره اتفاقا يخدم كوبا من جانب واحد، كما قام بإلغاء وإدخال تعديلات كبيرة على قانون الرعاية الصحية في الولايات المتحدة والشهير بـ«اوباما كير»، كذلك قام بإلغاء برنامج «الإجراء المؤجل للوافدين في مرحلة الطفولة» والمعروف بـ(داكا) الذي كانت طرحته إدارة أوباما، بالإضافة إلى ان ترامب أعلن انسحابه من اتفاق باريس الشهير للمناخ، ويهدف ترامب من كل هذه الانسحابات إلى إجبار الطرف الآخر للجلوس على طاولة التفاوض من جديد وتقديم تنازلات جديدة لصالح الولايات المتحدة. كما أنه يسعى إلى إرضاء الفئة التي انتخبته.
الملاحظ في هذه الأيام ، وقبيل إعلان ترامب عن تقريره المزمع حول الاتفاق النووي مع إيران ، أن هناك حراكا دبلوماسيا دوليا كبيرا، خصوصا من جانب الأوروبيين الذين فاوضوا ووقعوا الاتفاق، لمحاولة أثناء الولايات المتحدة من اتخاذ قرار أحادي ضد هذا الاتفاق ، حيث يحاول الأوروبيون إقناع واشنطن بعدم الخلط بين البرنامج النووي الإيراني ، وبين ملفات إيرانية أخرى كالبرنامج الباليستي الإيراني أو ملف الإرهاب وأزمات منطقة الشرق الأوسط التي ترى الولايات المتحدة أن إيران لها يد فيها.
وعلى الرغم من إعلان وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إن الحديث الدائر حالياً عن خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للخروج من الاتفاق النووي الإيراني، مجرد «شائعات». وكذلك إعلان وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أن الاتفاق الدولي حول النووي الإيراني يصب في صالح الولايات المتحدة، إلا أن إعلان الرئيس ترامب عن أي انسحاب أو إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني ، وعدم إعطائه الثقة لاتفاق لوزان النووي الذي توصل إليه العالم ، إذا حدث ، سوف يُعيد الملف النووي الإيراني إلى المربع الأول ، وهو مربع التحديات والاستفزازات السياسية والعسكرية في المنطقة، وربما يؤدي إلى حرب عسكرية جديدة في المنطقة لا يمكن منعها هذه المرة. خصوصا إذا ما استؤنفت العقوبات مجدداً ضد إيران.
ويتضح أن لغة التهديدات والوعيد قد بدأت فعلياً فقد حذرت إيران الولايات المتحدة الأمريكية أنها «ستدفع ثمنا غاليا» إذا ما قام الرئيس دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي. في الوقت نفسه الذي توعد فيه الرئيس الإيراني بأن إيران يمكنها العودة إلى وضع ما قبل المفاوضات النووية في غضون ساعات وفي ظروف أكثر تطوراً. وهي العودة إلى برامج تخصيب اليورانيوم بدون الالتزام بالنسبة المحددة في الاتفاق وبناء مفاعلات نووية جديدة، واستخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر تطورا.وهو الأمر الذي سوف يؤدي إلى سباق تسلح نووي إقليمي وزيادة حدة التوترات السياسية والأمنية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.
إلغاء هذا الاتفاق أو حتى تغيير بنوده سوف يؤدي أيضا إلى الشك وعدم الثقة في الاتفاقات والمعاهدات الدولية خصوصا فيما يتعلق بالبرامج النووية ، إذا كان يمكن نقضها والتخلي عنها بهذه السهولة، وهو الأمر الذي سيؤثر سلبا على جهود المجتمع الدولي في الحد من انتشار الأسلحة النووية ، وأسلحة الدمار الشامل في العالم ، وسيؤثر سلبا بلا شك أيضا في جهود المجتمع الدولي الجارية حاليا ، الطامحة إلى دفع كوريا الشمالية إلى طاولة المفاوضات بشأن التخلي عن برنامجها النووي وتقديم ضمانات دولية لها. وفي هذا الصدد وصف رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الاتحاد الروسي ، أن تخلي الولايات المتحدة عن الاتفاق النووي مع إيران بأنه هجوم على أحد أكبر إنجازات المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة وبأنه سيخلق أزمة نووية أسوأ من الأزمة النووية الحالية مع كوريا الشمالية ، داعياً الدول الأوروبية والدول الشرق أوسطية إلى التعبير عن مواقفهم قبل دخول المنطقة في أزمات جديدة لا يعلم أحد نتائجها.
فهل سينفذ الرئيس الأمريكي تهديداته فعلا ، بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وما هي فئة العاصفة التي توعد الرئيس ترامب أن نسمعها؟.